أزهار البستان في عجائب همجستان

إبليس يبيض

الجدول

إبليس يبيض

نسخة مزيدة

لا تجعلها تقف أو تجلس أو تنام عندك، ولا تدخل قبل أن تخرج، ولا تجلس إلا وأنت تجري، ولا تتكلم أو تأكل إلا من بعد أن تغلق فمك

مروية أموية شامية إبليسية ظريفة موضوعة وضعيفة

عن ابْنِ عُمَرَ: (دَخَلَ إِبْلِيسُ الْعِرَاقَ فَقَضَى فِيهِ حَاجَتَهُ، ثُمَّ دَخَلَ الشَّامَ فَطَرَدُوهُ، ثُمَّ دَخَلَ مِصْرَ فَبَاضَ فِيهَا وَفَرَّخَ، وَبَسَطَ عَبْقَرِيَّهُ).

شعر إبليس بحاجة ماسة إلى أن يقضي حاجته، قرر أن يقضيها في العراق، ولكن أين العراق؟ العالم مازال في بدايته! ولا توجد تلك الأسماء الحديثة، احتار إبليس، كاد يقضي حاجته على نفسه.

تحت ضغط الحاجة رأى إبليس نفسه يسافر عبر الزمان إلى المستقبل، عانى كثيرا من تلك الآلة، وتمزقت أوصاله عدة مرات، واستعادها بصعوبة، وأخيرًا وجد مدينة عامرة، سأل عن العراق، قالوا له: "يُستحسن أن تشتري خريطة"، هُرع إلى محل لبيع الخرائط.

أحضر خريطة وبحث عن العراق، لم يجدها، سأل الخبراء فقالوا له إن العراق الذي تبحث عنه هو الأرض التي توجد عليها الآن سومر وبابل وآشور، فحدد ماذا تريد بالضبط!

اشتدت حيرة إبليس، هل يُعاود السفر عبر آلة الزمن المؤلمة؟ ولكنه كان مزنوقًا، ويمكن أن يعملها على نفسه في الآلة، أخذ يصرخ بصوت مرعب: "أريد أن أقضي حاجتي كما جاء في المروية المقدسة".

سافر نداءه عبر الزمن، سمعه أحد جهابذة المرويات، قال له: "اذهب إلى بابل".

(3)

انطلق إبليس بسرعة إلى بابل، فوجئ بأسوارها العالية، وأبراجها المعلقة، استوقفه حرس الحدود، وسألوه: ماذا تريد؟

قال بأدب شديد: أريد أن أقضي حاجتي، ثم أضلّ الناس هنا!

تعالت ضحكاتهم حتى شعر إبليس بالخجل، أخذ يحاول أن يستوقفهم، خاصة وأنه مزنوق!

توقفوا عن الضحك بعد عشرات السنين، وقالوا له:

يتوفر في بابل كل أنواع الضلال، وبكميات تفوق الخيال، ونصدرها إلى كل أرجاء المعمورة، انصرف أيها المسكين من هنا!

أخذ إبليس يتوسل إليهم أن يسمحوا له بالدخول، خاصة وأنه لم يعد يحتمل (الزنقة)، ولكنهم، أبوا، قالوا له ألا تدري ما يوجد أو سيوجد في بلادنا عبر العصور؟ ألم تسمع عن قتلة الإمام الحسين؟ ألم تسمع عن الخلفاء العباسيين وحرسهم التركي اللعين؟

نحن هنا حراس البوابة الشرقية، ولدينا القائد الفذّ المهيب الركن الضرورة الجسور، أمل الماضي البسيط والماضي التام والماضي المستمر، والمضارع البسيط والمضارع المستمر والمستقبل القريب والمستقبل البعيد ... الخ، أتريد أن تضلنا نحن؟ لو حضرت معنا قادسية الضالين والمضلين لما تفوهت بذلك!

صرخ إبليس ضارعًا: لا أدري سبب غضبكم ورفضكم!

قالوا: أنت تهزأ بنا، أتشكك في ضلالنا الراسخ المتين؟ هل يمكن لغلام من مجاهل همجستان مثلا أن يذهب في القرن 21 إلى معهد كالتك في أمريكا ليقول لهم: أريد أن أشرح لكم مبادئ عمل الليزر؟

انصرف، فلن نسمح لك بالمرور.

عندها لم يتمالك إبليس نفسه، توسل إليهم أن يسمحوا له، ولو بمجرد قضاء حاجته.

استشاط أحدهم غضبا، فاستل سيفه، وأطاح برأسه، ولكن إبليس أمسك بها بسرعة، وأعادها إلى مكانها.

وأخيرًا رقَّت قلوبهم له، واصطحبه أحدهم إلى دورة المياه العمومية، حيث قضى إبليس حاجته واستعاد رباطة جأشه، اطمأن على أحوال الرعية في بابل، أيقن بالفعل أنهم ليسوا بحاجة إليه، بل إنه هو الذي تعلم منهم الكثير، واكتسب من الخبرات ما لا حصر له، فاستعاد ثقته بنفسه، وانطلق نحو الشام.

(4)

عندما حاول إبليس دخول الشام استوقفه حرس الحدود هناك، وقالوا له بصوت ارتجف له إبليس وتقطعت منه أوصاله وتمزقت نياط قلبه وتزلزلت به الأرض تحت أقدامه:

ماذا تريد يا إبليس؟!

قال إبليس بصوت واهن وبأدب شديد:

أريد أن أضل الناس هنا!

ما إن انتهى من كلامه حتى تفجرت قهقهات مزلزلة من الحرس، ولم يتمكنوا من التوقف عن القهقهة والسيطرة على أنفسهم إلا بعد عدة قرون.

ثم قالوا لإبليس: انصرف أيها الغرّ الساذج من هنا، أتريد أن تبيع الماء في حارة السقايين؟! لدينا ممن يتفوقون عليك الملايين، ألم تسمع عن معاوية ويزيد ومروان والوليد؟ ألم تسمع عن النواصب والمصائب والكتائب، ألم تسمع عن حزب البعث العربي الاشتراكي الوحدوي التقدمي .... الخ، ألم تسمع عن القيادة القطرية والقيادة القومية والحلويات بالحمصية؟ ألم تسمع عن تشكيلة الطوائف والملل والنحل التي لدينا، والتي تود كل طائفة لو أكلت الأخرى بدون طهي؟

على العموم لولا أن المروية المقدسة تقول إننا طردناك لسمحنا لك بالدخول ليتسلى صبيتنا بصفعك على قفاك ولطمك على وجهك والسخرية منك!

انصرف إبليس مذموما مدحورًا، جلس يبكي حاله بجوار البحر الميت، سافرت أصداء بكائه عبر الزمن، التقطها الناس في القرن العشرين في دور الانعقاد العادي لمنظمة الأمم المتحدة.

تسبب ذلك في موجة تعاطف عام مع إبليس، تشكلت منظمة دولية للدفاع عن حقوق الإبليس، وقف رؤساء الدول الغربية يذرفون الدمع الهتون، وينددون بالاضطهاد البشع الذي تعرض له إبليس، أخذوا يهددون، ويتوعدون بالويل والثبور وعظائم الأمور من لا يحترم حقوق إبليس أو يمنعه من أداء عمله.

اجتاحت دول العالم مظاهرات شعبية تتعاطف مع إبليس وتطالب بضرب من اضطهده، علم الناس بما حدث لإبليس في العراق والشام، وكيف تم منعه من قضاء حاجته وممارسة مهامه، تقرر فرض عقوبات دولية على البلدين.

حاول مسؤولو البلدين عبثًا إفهام القوى الكبرى، أنهما لم يقصرا في حق إبليس، بل إنهما ينفذان له أهدافه بأفضل مما يريد أو يمكنه هو، كان كل ذلك بلا فائدة، وبدأت البلدان تتلقيان ضربات موجعة عبر التاريخ.

(5)

فوجئ إبليس بوفود من أكثر من 190 دولة تحيط به، وتتوسل إليه أن يأتي إليها، وأن يقضي حاجته عندها، انهالت عليه عقود عمل، وشيكات مكتوبة على بياض، كان عليه أن يدرس كل هذه العقود بجدية، وأن يختار بعناية، خاصة وأن ميعاد وضع بيضه قد اقترب.

ولكن فجأة، لمعت فكرة مجنونة في رأسه، إن كل الدول التي تستبسل لاستضافته ليست بحاجة إلى جهوده أصلا، فلن يجد لذة في العمل فيها، لماذا لا يذهب إلى بلد من البلدان التي لم ترسل إليه طلب استضافة؟

لمع من بين هذه البلدان اسم "مصر"، وجد لهذا الاسم سحرًا خاصًّا!

هذا شيء محير! هكذا أخذ يفكر! لماذا لم أتلق طلبًا من مصر؟ هل هي ليست بحاجة إلى خبراتي الطويلة مثلها مثل العراق والشام، أم ماذا؟

ضرب هذا الإعراض المصري إبليس في كبريائه، أصبح دخول مصر هو شغله الشاغل، أصبح منتهى أمله أن يضع بيضه فيها.

قرر هذه المرة أن يستعمل شيئا من حيلته.

علم أن الشعب المصري متدين بطبعه، وأنهم سيستقبلونه أحسن استقبال لو جاءهم في زي شيخ من المشرق أو من المغرب!

كانت مصر تمتد من أيلة إلى برقة، تنكر في زي رجل دين زاهد ومسكين، وأتى عند أيلة، لم يستقبله حرس الحدود بالجفاء ولا بالخشونة مثلما فعل غيرهم، فوجئوا بزهده وورعه وتقواه، وبالكرامات التي ظهرت على يديه.

طارت الأخبار إلى كل مدائن مصر، علموا أن الشيخ إبليس اختار مصر، للإقامة ولوضع بيضه فيها، وآثرها بذلك، على كل الدول الأخرى، في الماضي والحاضر والمستقبل، هذا رغم أن حكام بلدهم تجاهلوه، ولم يقدموا له أي طلب بالإقامة في مصر مثلما فعلت كل الدول الأخرى!

قبل أن يبرح مكانه جاءته الوفود من كل أرجاء مصر، خشي الحكام من غضبة الشعب العاتية، وانتفاضاته الشهيرة، قرروا أن يتداركوا فورًا ما فاتهم، أعدوا لإبليس استقبالا شعبيا ورسميا، كما أعدوا له جولات سياحية في كل مدن مصر، استقل إبليس القطار من القاهرة إلى الإسكندرية، احتشد الملايين على طول الطريق يحيون إبليس، ويهتفون بحياته.

جاءته همسات عابرة حاجز الزمان تقول: إن هذه الاستقبالات مدبرة، ولكنه أشاح عنها قائلا: "تستطيع أن تحشد الناس، ولكنك لا تستطيع أن تضع الابتسامة على وجوههم ولا الفرح في قلوبهم".

في كل مكان استقبله الحرس بالتبجيل والناس بالأهازيج والأناشيد، وأخذوا يقبلون يديه ورجليه.

تأثر إبليس بحسن استقبال الناس له، وصدقهم معه، تحرك شيء ما في قلبه، انتابه شعور بالخوف على هؤلاء الطيبين من مغبة فعله وكيده، حدثته نفسه أن يتوب، وأن يعتزل عمله، بل أن يحذرهم من شر نفسه.

انتابته الحيرة، حتى ضربه الاكتئاب، ولكنه أدرك أنه لا مجال لأي توبة، غلبه طابعه الشيطاني، وقرر أن يمضي في عمله.

أما الناس فقد أخذوا يغالون في أمره، وينسبون إليه ما لا يعرفه عن نفسه، ثم اعتبروه رمزا.

ولما كانت مصر دولة مؤسسات عريقة، وليست واحات متناثرة في صحراء، أعطوه قطعة أرض وبنوا عليها معبدا ومؤسسة ضخمة، يرتع فيها كما يشاء، وتولى كل من في مصر تزويد المؤسسة بكل ما يلزم للإقامة المريحة للسيد إبليس والقيام بمهامه، وأوقف عليها الناس الأوقاف، أما هو فأحاط نفسه بمجموعة من الكهنة وحملة المباخر الذين أخذوا يتبارون في خدمته والترويج له.

وضع إبليس بيضه، ورقد عليه، امتنع عن استقبال المريدين والمحبين حتى فقس بيضه وخرجت منه أفراخه، ظهر الإخوان والدواعش والأداعشية والسلفية وعبيد الخلافة وعبيد الخرافة وعبيد الخالد وعبيد المؤمن ... الخ.

استخفت الفرحة بالناس، وأخذوا يهنئون أنفسهم أن اختصهم إبليس بكل هذه المآثر والأفضال والنعم.

ثار ضد كل ذلك بعض الصفوة من أهل مصر، قالوا للناس: أفلا تعقلون؟ إنه الشيطان بعينه، ألا ترون قرونه وذيله المدبب؟ ألا ترون إجرام الشيطان في عينيه؟

هاج الناس ضدهم وماجوا، وأخذوا يصرخون في وجوههم: "لا تمسوا رموزنا، تعيش قرونه، يعيش ذيله المدبب، يعيش إجرامه، لو عملتم بما يقوله لكم إبليس اللعين لوضعتم قدما في فرنسا، وأخرى في الصين، إبليس لديه 99% من الدين، يا ملاعين".

1

1.png