حوار حول الهوية المصرية

قال توفيق: يحلو لكثير من الناس أن ينفوا الهوية المصرية الأصيلة عن أي شخص لمجرد أنه مسلم أو لمجرد أن جده أتى إلى مصر من مكان آخر، ما قولكم، دام فضلكم؟!

قال أمجد: يجب أولًا العلم بأن مصر ليست قبيلة أو سلالة، مصر هي وطن، بل هي أقدم الأوطان، ومن ينتمي إليها مهما كان دينه أو مذهبه أو أصله العرقي هو مصري، وعلى مدى تاريخها المديد تعرضت لغزوات مثل كل البلاد في المنطقة، كما قدم إليها مهاجرون، ولكن بأعداد قليلة بالنسبة إلى محيطها البشري الكبير، ولم يتعرض شعبها لغزوات ساحقة ماحقة مثلما حدث مثلا في فارس والعراق وسوريا وبريطانيا وغاليا (قبل أن تصبح فرنسا) وإيطاليا وإسبانيا.... الخ، وبذلك احتفظ سكانها بنفس ملامحهم التي تشكلت قبل الغزو الروماني، ومن استوطن مصر من اليونانيين أو الرومان أو العرب أو الأتراك أو الشركس تمصروا وأحفادهم الآن مصريون مثل سائر المصريين، ولا شيء في ذلك.

أما مسألة العروبة، فالعربية الآن هي عربية اللسان، هذا الأمر خاص بالعربية فقط باعتبارها لسان القرءان، وذلك يضيف ثراءً إلى الهوية المصرية ولا يسبب لبسًا ولا انتقاصا منها، ويوجد أكثر من مليار ونصف مليار مسلم يتمنون أن يجيدوا اللسان العربي، وكانوا يكادون يقدسون من يجيد العربية.

ولا شك أن اللسان العربي يمكن أن يكون عامل توحيد لهذه المنطقة، ومصر حافظت على اللسان العربي من الانقراض عندما عاد الأعراب إلى سيرتهم الأولى وأصبح مصدر رزقهم السطو على الحجيج، وليس من الحكمة أن تتخلى أمة عن سبب من أسباب قوتها وثقلها التاريخي والحضاري لحساب اللاشيء.

قال سمير: المصريون القدماء كانوا يتكونون من ثلاثة سلالات أساسية، بهذا الترتيب:

  1. سلالة شمال أفريقيا E1b1b1 بكافة أطيافها وما تفرع منها بسبب الطفرات، وأغلب سكان مصر ينتمون إلى طفرات حدثت في مصر، وقد هاجرت بعض فروعها من مصر إلى غرب آسيا وشمال أفريقيا وجنوب أوروبا.

  2. السلالة السامية J1-m267 التي ينتمي إليها العرب وبنو إسرائيل.

  3. السلالة J2 التي ينتمي إليها سكان الأناضول الأصليون وسكان الساحل السوري وقدامى اليونانيين والرومان.

وهناك سلالات أخرى مثل سلالة غرب أوروبا والسلالة القوقازية وسلالات أفريقية.

ومسألة السلالات ليست هي العامل الحاسم في نشأة الحضارات، والارتباط بمصير مشترك في ظروف بيئية واحدة، وفي مواجهة تحديات حقيقية محددة من مولدات الحضارة ومكونات الشخصية العامة.

والحضارة المصرية القديمة كانت حضارة إبداعية، نشأت هنا في وادي النيل، وكان محورها محاولة المصريين القدماء ترويض النيل والسيطرة عليه ومواجهة أخطار الفيضان وترويض الطبيعة التي أرغمت أسلافهم على ترك الواحات على جانبي الوادي -بعد أن انقطعت الأمطار- والنزول إلى الوادي الممتلئ بالوحوش والمهدد بالفيضان عندما كان النيل في عنفوانه، وهكذا اكتشفوا الزراعة وتوحدوا، وعاشوا بمعزل عن العالم لآلاف السنين، وساعدهم على ذلك مناعة بلادهم بالنسبة للناس في الزمن القديم (قبل اكتشاف واستعمال الحصان في المنطقة).

ثم يجيء الآن بعض الجهلة من شتى السلالات ويحاولون سرقة مجهود هؤلاء الرواد ونسبته إلى أسلافهم الهمج، هذا رغم أن هؤلاء لم يعرفوا الحضارة إلا حديثا، ولم تظهر دولهم إلا في القرن العشرين بفضل الاستعمار الغربي!!

والسامية هنا ليست نسبة إلى كلمة "سامي" العربية، ولكنها مجرد تسمية لكون العرب والإسرائيليين يتحدثون لغة سامية، والسامية هي فرع من اللغات مثل الفرع اللاتيني مثلا، وأعلى نسبة لهذه السلالة في اليمن، وهي توجد في الشمال الأفريقي أيضا، ونسبتها في ليبيا وتونس والجزائر أعلى من نسبتها في مصر.

وقد عرف المصريون مفهوم الدولة الوطنية منذ آلاف السنين، وكانوا يقدسون بلدهم ويعتبرونها "الأرض"، فقد عاشوا في عزلة لآلاف السنين قبل أن يُجبروا على الاحتكاك بالعالم الخارجي، وباللغة المصرية القديمة كان اسم مصر "طا" بمعنى "الأرض" و"طاوي"، وهو مثنى طا (طء) بمعنى الأرضين أو المصرين، والاسم التوراتي مصرايم هو المثنى العبري لـ "مصر"، أما إضافة "مري" أو "كمت" فهو للوصف فقط، فكلمة "طا-مِري" تعني الأرض التي تحب، وكلمة "طا-كمِت" تعني الأرض السوداء الخضرة الضاربة إلى السواد، ولا يجوز حصر "مصر" في أي اسمٍ منهما، ولاسم "مصر" دلالاته الأخرى في اللسان المصري القديم، ومن الجدير بالذكر أن اللغات السامية واللغة المصرية القديمة فرعان من لغة واحدة.

ولم يخبُ الشعور الوطني عند المصريين بعد الاحتلال الروماني، فازداد تمسكهم بدينهم القديم بكل ما استجد فيه من خرافات، وعندما ظهرت المسيحية اعتنقوها وتحدوا بها الرومان الوثنيين، وتحملوا اضطهادا مريعا، وعندما اعتنق الرومان المسيحية تميز عنهم المصريون بمذهب خاص، وتحدوهم به، وتحملوا اضطهادا أبشع من الاضطهاد الذي لاقوه من الرومان الوثنيين.

وعندما استقل أحمد بن طولون سنة 254 هـ بمصر وأصبحت مصر تُحكم لأول مرة منذ كليوباترا من داخلها أيده كل المصريين بكافة طوائفهم، وعندما مرض خرج إلى الصحراء -ليدعوا له بالشفاء- المسلمون بالقرءان والمسيحيون بالإنجيل واليهود بالتوراة، وهذا يبين مدى قوة الشعور الوطني عندهم.

وفي الحقيقة لا أعلم أن أي بلد أخرى شهدت هذه الظاهرة في العالم كله إلا إذا كانت الصين.

ولم يتعرض الشعور الوطني لدى المصريين للخطر إلا بظهور جماعات الإجرام السياسي والاتجار باسم الدين والوهابية.

قال محسن: نعم، مصر هي البلد الوحيد في العالم الذي يعتقد بعض من يسكنه أن 90% من سكانه ليسوا مصريين وأن 99% من تاريخه ليس تاريخ مصريين، ذلك ليعلم المصريون حقيقة الضلال الذي زرعه في نفوسهم ألد أعدائهم، احذروا الحرب النفسية، فلديكم تاريخ هائل ومجيد.

قال أمجد: نعم من جديد، يجب العلم بأن مصر وطن، وليست سلالة عرقية ولا قبيلة، ولا مذهب ديني، كل من استوطن مصر وربط مصيره بها هو مصري مهما كان دينه أو مذهبه، سواء أكان ظالما أم عادلا، فلا توجد سلالة ملائكية على ظهر الأرض.

قال أشرف: إن سكان أي بلد من البلدان المعروفة الآن بما فيها مصر قد أتوا إليها يومًا ما من خارجها! فالإنسان نشأ بالضرورة في مكانٍ ما ثم بدأ ينتشر في كافة الاتجاهات، كل ما في الأمر أن هناك من أتى أجدادهم إلى البلدان التي يستوطنونها الآن في عصور موغلة في القدم، مثل مصر مثلا، وهذا لا يمنع بالطبع أن هناك من هاجروا إليها من بعد، فحركات الهجرة والاستيطان باختلاف وسائلها لم تتوقف، وهي الآن تحدث بطرق سلمية، ولا يوجد ما يمنع أن يتم تنفيذها بالقوة في المستقبل، يمكن الحديث فقط عن ترتيب ظهور السلالات في بلدٍ ما.

قال سمير: هناك من أتى أجدادهم في عصور حديثة نسبيا، فالفرنجة الوثنيون مثلا ظهروا سنة 250 م وهاجروا من موطنهم الأصلي في ألمانيا إلى غرب أوروبا، وقد اكتسحوا الإمبراطورية الرومانية وخاصة بلاد الجال (الغال) ومحوا اسمها القديم، جاليا (غاليا)، وأصبح اسمها فرنسا، والإنجلوساكسون الوثنيون أتوا من ألمانيا إلى انجلترا في القرن الخامس الميلادي وقاموا بشبه إبادة لسكان الجزر الأصليين وهم البريطان الذين كانوا مسيحيين، وقد أصبحت الأرض التي سيطروا عليها هي إنجلترا،.....الخ، والأتراك العثمانيون أتوا من أواسط آسيا سنة 1229 ميلادية واحتلوا آسيا الصغرى والقسطنطينية وأصبحت تلك البلاد تُعرف الآن بتركيا، فهذا الاسم حديث جدا، وكل سكان ذلك البلد الآن يسمون بالأتراك رغم أن أكثرهم لا يمتون إلى الأتراك بأي صلة عرقية، فيجب التمييز دائما بين الأرض وبين الشعوب التي سكنتها.

وهناك بالطبع قارات العالم الجديد التي استوطنها الأوروبيون حديثا وأبادوا عشرات الملايين من سكانها السابقين عليهم.

قال أمجد: نعم، مصر هي وطن، وليست سلالة عرقية، وهي ليست قبيلة تنتمي إلى والدٍ واحد، وليست دينًا معينا، فكل من استوطن تلك الأرض المعروفة الآن باسم مصر هو مصري، فالمصري هو من اتخذ مصر وطنا وعاش فيها وانتمي إليها وربط مصيره بها مهما كانت سلالته الأصلية أو دينه أو لغته أو وطنه الأصلي أو تاريخ مقدمه أو مقدم أجداده إلى مصر.

فلا يجوز الاستماع إلى من يشكك في الهوية المصرية لأي مصري بزعم أن جدته كانت تركية أو إن أمه كانت شامية أو إيطالية، أو إن أجداده هاجروا إلى مصر منذ 2000 أو 1400 سنة فقط، ومن يفعل ذلك فإما أن يكون جاهلا، أو مهرجا، وإما أن يكون مغرضا.

ومن المضحك أنه ما زال يتشدق بمثل هذا الكلام أشخاص يعيشون في العصر الحديث، وهم يرون أن الدول المتقدمة تعطي جنسيتها وهويتها لأي شخص هاجر إليها أو تزوج منها أو وُلِد فيها!!

فلا يوجد شيء اسمه سكان البلد الأصليين، ولكن يوجد شيء اسمه السكان الأقدم للبلد، وهذا بالطبع لا ينطبق إلا على الكيانات السياسية التي حافظت على وجودها ككيانات منذ بدء التاريخ، ولا ينطبق ذلك إلا على بلاد قليلة جدا، منها مصر واليمن والصين.

ويمكن توضيح الأمر بالنسبة للبلد المسمَّى بالمملكة المتحدة الآن، أول من استعمرها سلالة آسيوية قصيرة سمراء، ثم استعمرها البريطان، وهم سلالة سلتية طويلة شقراء، ولقد سًمِّيت الجزر باسمهم، ثم استعمرها الإنجلوساكسون، وهم سلالة جرمانية، ثم غزاها الدانمركيون، ثم استعمرها النورمانديون القادمون من مقاطعة نورمانديا الفرنسية، والنورمانديون هم أصلًا من سلالة النورديين القادمين من الدول الإسكندناڤية، وآثار تلك السلالات مازالت ماثلة هناك في اللغة وفي الملامح وفي أسماء المدن.

فأي سلالة من هذه السلالات يمكن القول بأنها الحامل الأصيل لهوية المملكة المتحدة الموجودة الآن؟

وبالتالي فمن المضحك أن يحاول أحدهم نفي أو إثبات أن بناة الأهرام كانوا مصريين، فسواء أجاء هؤلاء من أتلانتا المزعومة أو حتى من المريخ فإنهم قد استوطنوا مصر، وانتموا إليها، فهم مصريون بلا ريب.

ولذلك أيضًا فمن المضحك أن يحاول أحد المصريين نفي مصرية الآخرين أو أن يدعي أنه أكثر مصرية منهم بحكم لغة يتحدثها أو ديانة يعتنقها، فمن المعلوم أن الأديان والمذاهب السائدة بمصر الآن قد أتت إليها من خارجها وإن تأثرت صورتها السائدة في مصر بطبيعة مصر والمصريين، ولا عبرة هاهنا بعنصر الزمن، ولو اكتُـشف أن بعض من يعرفون اللغة المصرية القديمة لا يزالون يعيشون في إحدى الواحات المجهولة فلا يحق لهؤلاء أن يزعموا أنهم أكثر مصرية من المصريين المعاصرين.

إنه إذا كان الإسلام قد جاء إلى مصر من الحجاز فالمسيحية أتت إليه من مقاطعة اليهودية الرومانية.

ولذلك أيضًا لا يجوز نفي مصرية كليوباترا مثلا أو الملك فاروق أو أحمد شوقي.... إلخ، فالزعم بأن الملك فاروق ألباني مثلا هو أمرٌ مثير للسخرية والازدراء، ولكن المشكلة هي في أن بعض المغرضين والمخرفين والأفاقين قد نجحوا في قطع الصلة وفي الحيلولة بين أهل مصر وبين أبطالها وعلمائها وشعرائها والصفوة من أبنائها على مدي العصور، ولقد كان ذلك عادة لحساب المتسلطين عليها وخاصة الفاشلين منهم، مع أنه ليس ثمة ما يثبت أن هؤلاء الفاشلين كانوا من سلالة منقرع مثلا، بل إن كل ما يميزهم هو أنهم كانوا مجهولي النسب.

قال محسن: ولذلك فإن للمصريين أن يفخروا بكل من كانت مصر وطنه من الصفوة والقادة مهما كان أصلهم العرقي القريب أو البعيد ومهما كان مكان مولدهم أو أوطان آبائهم الأصلية، فمصر وطن، وليست سلالة عرقية، ولقد كان المصريون القدماء متعددي الأعراق ولقد تم تدعيم مصر بشعوب عديدة على مدى التاريخ ولا حرج في ذلك ولا غضاضة، أما مقياس الوطنية فمعلوم، ولذلك فإن شعراء مثل ابن الفارض والبارودي وشوقي الذين ولدوا وعاشوا في مصر وكانوا يباهون العالم بها هم أكثر وطنية ممن استعبد المصريين وأساء إلى مصر، وإن كانت تلك الإساءة لا تجعل من المسيئين غير مصريين.

أضاف أمجد: إنه يجب العلم بأن مصر وطن بل هي أقدم وطن معلوم بل فيها ظهر مفهوم الوطن عندما كان العالم كله لا يعرف إلا مفهوم القبيلة، بل إن فيها توحد مفهوم الوطن والقومية والعقيدة في عصور موغلة في القدم وعنهم أخذ بنو إسرائيل صورة محرفة لهذا المفهوم، ولكن لابد من سريان سنة التطور ودفع الناس بعضهم ببعض لصلاح واستعمار الأرض.

ويلاحظ أن القرءان يميز بين مصر وبين الكيانات الأخرى مثل عاد أو ثمود أو مدين تمييزا واضحا.

قال أشرف: من جديد، إن كل من استوطن مصر وربط مصيره بها هو مصري بالضرورة مهما كان دينه أو سلالته أو مذهبه أو لسانه ومهما كانت حالته، ومصر كانت مهد التيار الحضاري الرئيس، وفيها نمت الحضارة وترعرعت ثم انتشرت وتلقت مساهمات هائلة من كافة شعوب غرب آسيا، ولقد كان دفع الناس بعضهم ببعض هو الآلية أو السنة الكونية الغالبة التي أدت إلى نمو وانتشار تلك الحضارة، فلا يهولنَّ الإنسان هذا الصراع الهائل الذي لم يتوقف منذ بداية التاريخ المعلوم، ولذلك فإن مصر غزت من جاوروها كما تعرضت للغزو.

ومع ذلك فإن مصر لم تتعرض لأخطار بشرية ماحقة على مدي تاريخها مثلما تعرض لها غيرها من الأوطان التي ساهمت بأدوار رئيسة في تيار الحضارة المذكورة، فكل غزاة مصر كانوا دائما محدودي العدد وأتوا كجيوش لطرد من سبقهم من الغزاة دون أن يتعرضوا كثيرا للشعب المصري، وهؤلاء كانوا يدركون دائما حاجتهم الماسة إلى الشعب المصري فعملوا دائما على محاولات استرضائه بشتى الطرق، وكان أحدث تلك المحاولات ادعاء نابليون أنه مسلم!

قال سمير: كانت أكبر محاولة استيطان حقيقي أو غزو شعبي تعرضت له مصر هي غزو شعوب البحر المتوسط والتي انتهت بهزيمتهم واندحارهم علي يد رعمسيس الثالث، فلم تتعرض مصر لما تعرضت له بلدان أخرى من هجمات ماحقة، ومن الدول التي تعرضت لذلك: العراق والشام وآسيا الصغرى (تركيا حاليا) واليونان ومقدونيا وفارس وأفريقيا (تونس حاليا) وبلاد الجال (فرنسا حاليا) وإسبانيا وإيطاليا وبريطانيا وكل بلدان العالم الجديد...إلخ، فكل تلك الأوطان والتي ساهم بعضها في التيار الحضاري الرئيس قد تعرضت لغزوات استيطانية ماحقة هائلة أدت إلى إبادة شبه كاملة للسكان الأصليين واستبدل بهم غيرهم علي مدي التاريخ.

أما مصر فهي -رغم أنف دعاة الفتنة والمغرضين والمهرجين والجهلة والمغفلين- قد ظلت محتفظة بطبيعة السلالة التي كانت تعيش فيها والتي تكونت وأخذت شكلها النهائي قبل عصر الأسرات والتي كانت هي أصلا نتاج سلالات عديدة، ولم يطرأ على تلك السلالة تغيير ملموس على مدى تاريخها، وهذا ما أثبته العلم الحديث أيضا.

ولقد هاجر إلى مصر من بعد ذلك واستوطنها أعداد من الساميين والجريك (اليونانيين والمقدونيين) واللوبيين والنوبيين والفرس والرومان والعرب والأتراك والأرمن والسودانيين والأوروبيين والقوقازيين والشركس وإن كان كل ذلك قد تم بنسب محدودة مقارنة بالخضم البشري الهائل الذي كان يستوطن مصر منذ فجر التاريخ المعلوم.

ومن ناحية أخرى فهؤلاء ينتمي أكثرهم إلى نفس السلالات الكبرى التي تضم المصريين القدماء كما أنهم أتوا كما ذُكر بأعداد محدودة لم تؤثر في خصائص السلالة المصرية القديمة والمتميزة أصلاً بصفات وراثية سائدة، لذلك سرعان ما ذابوا في السلالة القديمة، فلم يحدث أن جاءت سلالة إلى مصر بأعداد مقاربة لعدد السكان الأصلي أو تشكل نسبة محسوسة بالنسبة إليه كما حدث في إيطاليا وبريطانيا والبلدان المذكورة آنفا، ولذلك لا غرابة أن تجد نسبة الهابلوجروب العربي في ليبيا وتونس والجزائر وشمال السودان أعلى منها في مصر!!

قال محسن: إن كثيرًا من المؤرخين الغربيين ومن والاهم من المصريين المغفلين والدجالين والمغرضين قد عمدوا إلي تفاسير خاطئة للتاريخ بهدف تكريس الشعور بالضعة والنقص والمهانة عند المصريين أو رغبة في تعظيم المكانة الضئيلة لبعضهم بالانتقاص من مكانة غيرهم، أو للطعن في الأديان الإبراهيمية؛ أو بالأحرى الإسلام، وإيهام الناس أنه سبب ما حاق بمصر أحيانا من كوارث، ولقد عمدوا في سبيل ذلك إلى الخلط في الأمور المختلفة فخلطوا مفاهيم الوطن باللغة بالسلالة العرقية وألزموا الناس بالقول بترادف ما لا ترادف فيه، لذلك يجب التأكيد علي أن مصر هي وطن وليست سلالة عرقية بل إنها أقدم الأوطان ذات التاريخ المتصل وفيها نشأ هذا المفهوم حتى أن المصريين القدماء كانوا يظنون ألا وطن غير وطنهم وألا أرض غير أرضهم، وهذا يتضح من الاسم الذي أطلقوه على أرضهم؛ وهو طا (الأرض) أو طاوي (الأرضان)، ومن المعلوم أيضًا أنهم كانوا عندما يقولون الناس فقد كانوا يقصدون أنفسهم فقط!

قال سمير: إنه لا يجوز الخلط بين مفهوم الوطن وبين مفهوم السلالة العرقية، ولم يوجد للمصريين أب واحد اسمه مصر إليه ينتمي كل المصريين، فالمصريون القدماء كانوا خليطا من سلالات عديدة وإن كانت كل تلك السلالات تنتمي إلى سلالة كبيرة واحدة هي السلالة المعروفة الآن بالسلالة القوقازية والتي تعرف خطأ بالرجل الأبيض، فالمصريون القدماء كانوا على وعي تام بأنهم ليسوا زنوجا كما أنهم بالضرورة لم يكونوا مغولا، ولا يعني هذا أدني مساس بالزنوج أو بالمغول ولكنه بيان بحقيقة الأمر.

كذلك لا يجوز الخلط بين مفهوم الدين وبين مفهوم السلالة العرقية، وليس من حق أتباع أي دين أن يزعموا أنهم أصحاب الوطن الأصليين أو الفرعيين، فأصحاب أي وطن الآن هم من يقيمون فيه الآن بالفعل، وقديما كانت عملية استيطان أرض تتم بالقوة التي قد يترتب عليها إبادة من كانوا يعيشون فيها كما حدث كثيرا في بعض مناطق الشرق الأوسط وأوروبا والعالم الجديد، أو كان يتم بقاء المستوطنين القدامى والجدد وتعايشهم مع بعضهم البعض، ولا يمكن تصور أن يتم إخراج أي شعب استوطن أرضا منذ آلاف أو مئات أو عشرات السنين بالوسائل السلمية!

قال محسن: في حين أن المسيحيين قضوا قضاءً تامًّا على أتباع الديانة المصرية القديمة فإن المسلمين تورعوا أن يفعلوا نفس الشيء، وطوال العصور الإسلامية كان في مصر أتباع لشتى الأديان والمذاهب التي كانت موجودة عندما دخل المسلمون مصر، ومن المعلوم أن اليهود لم يتبخروا من مصر إلا في العهد الناصري فقط، ولم يكن المصريون هم الذين دفعوهم إلى الرحيل من مصر.

قال سمير: السلالات التي تشكل منها الإنسان المصري القديم هي تلك التي هبطت إلى وادي النيل الضيق من الشرق والغرب والجنوب عندما بدأ الجفاف يضرب أراضيها الخصبة والتي تحولت إلي صحاري قاحلة وكان الذي أتي من الشمال الشرقي (سيناء) ومن الشرق (صحراء مصر الشرقية) ومن الجنوب الشرقي (من جنوب الجزيرة العربية عبر البحر الأحمر) سلالات آسيوية سامية لهم الهابلوجروب J1c3d (J-M267)، بينما أتى من القرن الأفريقي السلالة E1B1B1(E-M215, subclade: M-78)، وهم يعرفون أيضا بالحاميين، وهي السلالة التي نمت وتفرعت في جنوب مصر، وكان منها اللوبيون (سكان صحراء مصر الغربية)، ولهم الهابلوجروب (M-81) والذي ظهر –كما يقولون- كطفرة من (E-M215) في المنطقة بين مصر وبين السودان منذ حوالي 13900 سنة، وقد انتشروا في كل الشمال الأفريقي من غرب النيل إلى المحيط الأطلنطي، وبالطبع عندما هاجر هؤلاء إلى وادي النيل الضيق وإلى الدلتا من بعد فإنهم تركوا وراءهم من آثر البقاء في الصحراء والتكيف معها، وتلك الهجرات حدثت بالتدريج علي مدي التاريخ.

ولقد أخذت السلالة التي نشأت في وادي النيل من اندماج تلك السلالات تكتسب خواصها الخاصة السائدة وتطور حضارتها ولسانها وتدرك تفوقها وتميزها واختلافها عن أسلافها في الصحراء الغربية وفي الصحراء الشرقية وفي سيناء.

ثم جاءت عناصر افريقية من الجنوب وحاولت على مدي التاريخ استيطان جنوب مصر ونجحوا في تحقيق استقرار دائم فيما سمي من بعد إثيوبيا وهو الاسم الذي أطلقه الإغريق على موطن الأفارقة في جنوب مصر؛ أي في النوبة، ثم هاجر هذا الاسم من بعد إلى الجنوب الشرقي وأطلق على الحبشة القديمة مثلما هاجر غربا اسم ليبيا، وكان اسم ليبيا يطلق علي صحراء مصر الغربية أساسا، والنوبة كانت تُعرف أحيانا باسم إثيوبيا السفلى تمييزا لها عن إثيوبيا العليا، وهي إثيوبيا الحالية.

والاسم إثيوبيا استعمله رسميا الإمبراطور الإثيوبي منليك الثاني الذي حكم هذه البلاد من 1889 إلى 1913 م، مقتبسا من الملك عيزانا الذي لقب نفسه بملك ملوك إثيوبيا بعد انتصاره على إثيوبيا النوبية، واللفظ اثيوبيا "Αἰθιοπία" لفظ يوناني "Αἰθίοψ" يتكون من مقطعين هما aithio و"ops" بمعنى الوجه المحروق، واستعمله المؤرخ اليوناني هيرودوت لوصف الأراضي الواقعة في جنوب مصر؛ أي النوبة والسودان وإثيوبيا الحالية وبلدان الساحل الأفريقي، فإطلاق اسم إثيوبيا على الحبشة إطلاق حديث، ولذلك يجب دائما التدقيق عند التعامل مع كتب التاريخ فيما يتعلق بهذا الشأن.

قال محسن: وتاريخ مصر القديمة يتلخص في ذلك الصراع بين السلالات المندمجة في وادي النيل والتي تطورت وتقدمت وبين أقاربهم اللوبيين والآسيويين والنوبيين الذين آثروا البقاء في المناطق الأصلية المحيطة بوادي النيل ثم حاولوا من بعد التسلل التدريجي إلي الوادي في صراعهم من أجل البقاء.

فالحملات على اللوبيين مثلا كانت حملات على سكان الواحات المتاخمة للنيل والواقعة الآن في حدود مصر الدولية، ولم تتجاوز أبدا واحة سيوة، وعلى مدى التاريخ لم يفكر أي حاكم مصري في الاتجاه إلى أبعد من ذلك غربا مهما كانت درجة قوته وقوة جيشه باستثناء عصر البطالمة الذين ضموا إقليم برقة إلى مملكتهم، كان الاتجاه الطبيعي دائما إما إلى الشمال الشرقي وإما إلى الجنوب، أما في الجنوب فلم تتجاوز الحملات كثيرا بلاد النوبة ولم تتوغل كثيرا فيما يعرف الآن بالسودان إلا في عصر الأسرة العلوية في العصر الحديث حيث وصلت الحملات إلى منابع النيل لأول مرة في التاريخ.

ولقد استمرت الدولة المصرية لعهد أطول بكثير مما يعرفه المؤرخون لا تُعنى إلا بأمر الناس في مصر لوفرة الإنتاج، فلم تكن توجد أية حاجة لغزو العالم الخارجي، ولم يبدؤوا في تكوين جيش هجومي قوي إلا من بعد تعرضهم لما يُعرف بالغزو الهكسوسي.

وأثناء ذلك الصراع القديم المشار إليه بين المصريين في وادي النيل وبين أقاربهم تمصرت تلك السلالات القديمة وصار الكل أكثر تعصبا لمصريتهم من المصريين الذين سبقوهم إلى استيطان وادي النيل، ونجحوا سلما أو حربا في الاستقرار بالوادي.

وعلى مدى عشرات القرون كانت السياسة الخارجية لمصر شبه ثابتة مهما كانت السلالة الحاكمة، فما كان يفعله تحتمس الثالث هو ما فعله البطالمة الأقوياء هو ما فعله أحمد بن طولون هو ما فعله الإخشيد هو ما فعله الفاطميون هو ما فعله بيبرس والمماليك هو ما فعله محمد علي، المصريون دائمًا كانوا ينظرون إلى الشمال الشرقي، وليس إلى الغرب، فلم يفكر أي حاكم مصري في عبور كل الصحراء الليبية ليصل إلى أول تجمع سكاني.

والعنصر الذي تكون من اندماج السلالات التي استوطنت مصر قديما لم يلحق به أي تغير كبير من بعد ذلك، والإغريق والمقدونيون الذين أتوا في العصر الإغريقي المقدوني ينتمون بصفة أساسية إلى نفس السلالة التي هاجرت إلى هناك من مصر أصلا عبر الشام. 

ولكل ذلك فلا محل للتساؤل المضحك عن لون بشرة المصريين القدماء كما لو أنهم قد انقرضوا مثلا، إن لون المصريين القدماء هو بصفة عامة نفس لون المصريين المحدثين فهو يتنوع من البني (Brown) الذي يسميه المصريون بالأسمر إلى البياض.

وقد أثبتت الأبحاث الحديثة أن المصريين المحدثين أصبحوا أكثر (أفريقية) مقارنة بأسلافهم، وقد بينت سبب ذلك، وهو كثرة العبيد الأفارقة المجلوبين طوال العصور المسماة بالإسلامية.

وكما سبق القول فقد تفاعلت وتصارعت القبائل أو السلالات التي استوطنت وادي النيل قبل التاريخ المعروف بكثير لينشأ منها في النهاية شعب ذو خواص متميزة وصفات وراثية سائدة وموحد ثقافيا، وكان ذلك لسهولة التنقل والاتصال بين أجزاء الوادي المختلفة وكذلك لانحصار كل الناس في رقعة ضيقة ذات حدود منيعة تسمح بالتواصل الحضاري والبناء على الإنجازات السابقة وتحمي الناس من الغارات الماحقة للجيوش الجرارة.

وعندما كان غرب آسيا المتاخم لمصر يكتظ بسكانه أو عندما كانوا يتعرضون لغارات قبائل أشد فتكا أو كوارث طبيعية كان هؤلاء يحاولون الهجرة إلى مصر، ولكن كانت الدولة المصرية قد اشتد عودها وأصبحت أقدر على التصدي للغزوات المسلحة الاستيطانية، ولكن هذا لم يمنع هجرة أو تسرب قبائل آسيوية عديدة بطريقة سلمية إلى مصر ولأسباب عديدة.

وقدوم القوم المعروفين بالهكسوس إلى مصر لم يكن في حقيقة الأمر غزوا عسكريا شاملا وإنما تسللًا تدريجيا لعناصر آسيوية جاءوا إلى مصر من غرب آسيا عبر سيناء كما فعل أسلافهم من قبل وكانوا مزودين بمنجزات حضارية حديثة ثم انتهزوا فرصة الاضطراب الذي صاحب سقوط آخر أسر الدولة الوسطي (1675 ق.م. طبقًا لآراء المؤرخين)، وكذلك استغلوا انهيار الوحدة الوطنية وأحكموا سيطرتهم على البلاد وتمصروا كغيرهم.

ولقد ساهم هؤلاء في تطوير الحضارة المصرية وإكسابها طابع القوة والصلابة والرغبة في الانتشار والتوسع، ولقد كان قدوم مستوطنين جدد مزودين بحضارة مختلفة من سنن ولوازم التطور والازدهار وحفز الهمم وتجديد دماء الشعوب، فدفع الناس بعضهم ببعض هو سنة كونية لازمة لدفع الفساد وتحقيق التقدم.

ولقد أدت هجرة من يُسمَّون الهكسوس إلى مصر إلى نشأة الدولة الحديثة ذات الطابع العسكري والفنون الرفيعة والتي أفسحت المجال لأول مرة لتقبل الأفكار العالمية والإيمان بوحدة الأصل البشري، ولقد بلغت الحضارة المصرية أوجها في عهد أمنحتب الثالث، وفي عهده أيضا بلغ تأثير العناصر السامية القادمة من جنوب غرب آسيا ذروته، وكان بيته يضم الكثير من النساء الآسيويات، وفي عهده هاجرت قبيلة بني إسرائيل إلى مصر.

والمعروفون في التاريخ المصري القديم بالليبيين هم سكان واحات صحراء مصر الغربية وبدو هذه الصحراء، ومن الطبيعي أنهم كانوا يغيرون من حين لآخر لأسباب عديدة على وادي النيل فتتولى سلطات مصر تأديبهم، إلا أنهم كانوا يتسللون إلى الوادي في فترات الاضطرابات، ويذوبون في سكانه، وقد تمصروا لطول احتكاكهم بمصر والمصريين، وعملوا في الجيش، وتدرجوا في الترقي فيه، وكان منهم شيشنق، فهو مصري تمصر خمسية أجيال من أسرته من قبله.

فاللوبيون أو الليبييين هؤلاء كانوا سكان واحات مصر الغربية، ولا علاقة لهم بدولة ليبيا المجاورة لمصر الآن، والتي لم تُعرف كدولة بهذا الاسم إلا حديثا، والمشكلة هي أن الإغريق عمموا هذا الاسم على كل الصحراء الكبرى، ولم يكونوا يقصدون به كيانًا محددا، فالاسم هو الذي هاجر من مصر إلى الغرب.

ونجاح النوبيين في تأسيس أسر حاكمة في مصر لم يكن غزوا أجنبيا لها، ذلك لأن هؤلاء كانت أراضيهم امتدادا طبيعيا لدولة وادي النيل، وكانت الملاذ لكل من يفر من مصر في فترات التحول الكبرى والثورات والاضطرابات، فلقد كانوا مصريين من جميع النواحي وكانوا المعين الذي تعتمد عليه الجيوش المصرية في التزود بالجند، فمن البديهي أن تكون القبائل المتاخمة لدولة مصر العريقة أشد الناس تأثرا بها، وأن يتمكنوا من التسلل إليها سلما أو حربا.

أما أول غزو أجنبي حقيقي تعرضت له مصر فهو غزو الأشوريين الذي كان -رغم قصر مدته- من قوم يكنون عداءً لمصر ولنفوذها الثقافي، ولكن آشور نفسها سرعان ما اختفت، إذ سحقتها فجأة وبسهولة شديدة جيوش بابل ودمرت مدنها، ومن العجيب أن ملك مصر نخو 2 قاد جيشا هائلا للدفاع عن آشور!! وفي طريقه قتَل –دون رغبة منه- ملك اليهود يوشيا الذي أصرَّ على التصدي له، وأخضع بذلك مملكة يهودا لسلطان مصر.

وقد حاول البابليون وراثة أملاك الأشوريين، ونجحوا في الشام، ودمروا مملكة يهوذا وأخذوا من وجدوه فيها أسرى، ولكنهم تلقوا هزيمة دموية في غزة عندما فكروا في غزو مصر، فلم يستطيعوا دخولها، ثم سرعان ما هاجمهم الفرس واحتلوا أراضيهم، وهؤلاء الفرس هم الذين غزوا مصر واضعين بذلك حدًّا لعهد الأسر المصرية القديمة الطويل.

أما اليونانيون فقد بدئوا يتسربون إلي مصر تجارًا ومتعلمين ومرتزقة في الجيش منذ عصر أسرة الرعامسة، وسرعان ما أسسوا مستوطنات خاصة بهم في شمال مصر، واعترف بهم ملوك مصر وأعطوهم حق الإقامة، وسرعان ما اندمجوا في نسيج الحياة المصرية، وكان هؤلاء يؤمنون بأن أجدادهم قدموا من مصر وأن مصر أصل حضارتهم، ولم يكنوا لها أبدا أي عداء، لذلك رغم مشاعر الغيرة والتنافس بين الشعبين فإن المصريين تقبلوهم بصفة عامة، ومن العجيب أن يثبت تحليل الهابلوجروب بالفعل أن السلالةE1b1b1 وتفريعاتها التي ينتمي إليها أكثر المصريين قديما وحديثا قد هاجر جزء منها هي وفروعها من مصر عبر سيناء واستوطن الشام وآسيا الصغرى وبلاد البلقان!

وعندما أتي الإسكندر إلى مصر وكان يكن احتراما شديدا للحضارة المصرية ويؤمن بصلة أسطورية له بها فإنه أحسن معاملة المصريين ولم يعتبر نفسه متسلطا عليهم بل اعتبر محررا للمصريين من سيطرة الفرس الذين لم يظهروا مع المصرين التسامح الذي عاملوا به شعوب غرب آسيا وخاصة بني إسرائيل الذين حرروهم من الأسر البابلي الشهير.

 أما أثر الحضارة المصرية على الحضارة اليونانية فهو مما لا سبيل إلى التشكيك فيه ولقد اقرَّ به الفلاسفة والعلماء ورجال الدولة اليونانيون بل وتباهوا به، ولم ينكره أبدا إلا بعض الجهلة من غلاة المتعصبين الأوروبيين المحدثين الذين لا صلة لهم باليونانيين الأقدمين، وكانوا لا يعلمون أن اليونانيين أقرب إلى المصريين من حيث السلالة العرقية منهم إلي شعوب شمال وغرب أوروبا، فقد كانت السلالة التي تفرعت في مصر أقدم من استوطن البلقان.

ويبـدو أن الجهلة الأوروبيين لم يلقوا نظرة جادة على خريطة أوروبا إذ يبدو أنهم ظنوا أنها مفصولة بمحيطات هائلة عن منطقة الشرق الأوسط مثلا، ومن المسلم به أن الحضارة قد انتقلت من نطاق (مصر-غرب آسيا) إلى آسيا الصغرى وفارس وجزر البحر المتوسط إلى اليونان إلى قرطاجنة وروما.... إلخ، فلابد من اتصال مادي لتنتقل الحضارة من نطاق إلى آخر.

*****

قال سمير: البعض يشكك فيما يسمونه بجغرافية الأديان!

قال أمجد: الذي يعنينا هو أن نؤكد أن "مصر" المذكورة في القرءان صراحة خمس مرات (وليس أربع مرات فقط) لا تعني إلا ذلك البلد المعلوم الذي يجري فيه بحر (طبقًا للمصطلح القرءاني) النيل، وكان له فروعه العديدة في الدلتا، وكانت فروعا قوية في عهد فتوة النيل وعنفوانه القديم، وكانت تتفرع منه بحور وأنهار كثيرة للري هي الأنهار التي أشار إلى بعضها فرعون في قوله:

{وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ} الزخرف51،

فهذه الأنهار كانت فروعا طبيعية أو صناعية صغيرة من فروع النيل، ومن المعلوم أن مقر حكم الأسرتين التاسعة عشر والعشرين كان في الشمال الشرقي لمصر؛ حيث تكثر فروع النيل، فهاهنا ثمة إعجاز قرءاني وإشارة إلى الزمن الذي عاش فيه بنو إسرائيل في مصر.

فمصر هي الكيان الكبير الوحيد الذي ورد ذكره في القرءان، والذي ما زال قائمًا إلى الآن، وكان يضم بصفة أساسية وادي ودلتا النيل، بالإضافة إلى أجزاء من الصحاري المحيطة بالوادي.

وكان المصريون القدماء يستقبلون الجنوب فيكون اتجاه الغرب على اليمين والشرق على اليسار، ولذلك عبر القرءان عن طور سينين بالغربي وبالأيمن، واستقبال الجنوب لأنه الأرض التي أتى منها أسلافهم، وقد نشأ الإنسان بالفعل في القرن الأفريقي، وكان ثمة نشأة أخرى في اليمن، ثم هاجر شمالا، ثم شرقا وغربا.

  • ألمحت إلى وجود خلاف حول عدد مرات ذكر مصر في القرءان!

قال أمجد: الخلاف كان حول تحديد المقصود بمصر في الآية:

{وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ}البقرة: 61

فرغم أن الآية واضحة تمامًا في تقريرها بأن المقصود بـ "مصر" هنا هو البلد المعلوم؛ أي بلاد وادي النيل التي كانوا يعيشون فيها، إلا أن أكثر المفسرين قالوا: بل إن المقصود في هذه الآية هو أي مصر؛ أي أيّ بلد!!! هذا مع أن ما طلبه بنو إسرائيل ينطبق على البلد الوحيد الذي عرفوه؛ وهو وطنهم مصر، وكانت حجة المفسرين أن العَلَم لا ينوَّن!!!! وكلامهم غير صحيح لما يلي:

  1. العلم بصفة عامة يمكن أن ينون، قال تعالى: {قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُون}[الأعراف:75]

  2. العلم الثلاثي المؤنث على وزن "فعْل" مثل "دعد" أو "هند" يمكن أن ينوَّن بلا مشاكل في اللسان العربي.

  3. العلم الثلاثي ساكن الوسط يرد منونًا في اللسان القرءاني، ومن ذلك الأسماء "نوح" و"لوط" و"عدْن" و"عاد"، وهذا الأمر بنطبق على كلمة "مصْر"، وفي اللغة: العلم الثلاثي ساكن الوسط ليس ممنوعًا من الصرف، وبالتالي فإنه ينوَّن، وكلمة " مصْر " وهي ثلاثية ساكنة الوسط، أعجمية مؤنثة، يجوز تذكيرها، ومن ناحية اللسان العربي يجوز صرفها ويجوز منعها من الصرف.

  4. القرءان لم يستعمل كلمة "مصر" إلا للإشارة إلى البلد المعلوم؛ بلاد وادي النيل، ولم يستعمل القرءان هذه الكلمة بمعنى أي بلد أو أية دولة أبدًا، فهذا ليس استعمالاً قرءانيا أصلا، فالقرءان استعمل مصطلحات مثل بلد أو قرية أو مدينة بكل دقة، وليس للناس أن يفرضوا مصطلحاتهم على القرءان.

  5. وإذا كان العرب قد أطلقوا من بعد كلمة "مصر" على المدن العسكرية التي كانوا يقيمونها في البلدان المفتوحة فهذا اصطلاح مستحدث لا يلزم القرءان بشيء، وتغيير معنى المصطلح لا يغيِّر التاريخ بأثر رجعي!! ومن المعلوم أن العرب أخطئوا في استعمال مصطلحات قرءانية عديدة فجلبوا كوارث فادحة على البشرية جمعاء ثم على أنفسهم من بعد، ومازال الدين يعاني من جراء ذلك! ومن المصطلحات التي أخطئوا في فقهها: الجزية، الفقه، السنة، النسخ، الجهاد .... الخ، ومن المصطلحات التي شاع استعمالها بشكل خاطئ: البحر، النهر، القرية ....

  6. قولهم بأن المقصود بـ "مصر" أي بلد لا يعني أي شيء وليس فيه أي منطق، ولو فقهوا لأدركوا أن دخول أي بلد يعني ضرورة دخول بني إسرائيل في حرب حياة أو موت مع أهله، وهم بالطبع كانوا أجبن من أن يفعلوا ذلك بعد عشرات السنين من العبودية، أما الهبوط إلى مصر فكان لا يعني إلا إعلان إيمانهم بآلهة المصريين، وكانوا يعلمون ذلك جيدا، ولذلك طلبوا صناعة العجل من بعد ليكون أمامهم حتى يقبلهم المصريون.

  7. من المعلوم أنهم خرجوا من مصر ليذهبوا إلى الأرض الموعودة المكتوبة لهم، وهي أرض كنعان، وليس ليدخلوا أي بلد آخر، والقول لهم: {اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ} هو تبكيت لهم لما أبدوه من تفضيلهم بعض المطالب الدنيوية والعبودية على الإيمان والحرية والوعد الإلهي، فهذا التعبير {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ} هو في ذروة البلاغة والثراء في الدلالات.

  8. المسلم ملزم بالإيمان بكتب الله، ومنها التوراة والإنجيل، وهذا الإيمان لابد مما يصدقه، وطالما أوردت هذه الكتب معلومات عن واقعة ذكرها القرءان فإنه يجب اعتبارها والأخذ بها إذا لم تكن متعارضة مع ما ذكره القرءان، فكتب أهل الكتاب قد تورد معلومات صادقة عن بعض الوقائع، وإلا لما اعتبرها القرءان وأحال إليها، ولذلك يمكن الرجوع إلى ما ذكره الكتاب المقدس عن نفس الوقائع المذكورة في القرءان، وقد ذكر الكتاب المقدس أن بني إسرائيل هم الذين طلبوا الرجوع إلى مصر المعروفة بالفعل وبالتحديد، ليس مرة واحدة بل مرات عديدة! وهذا هو السلوك الإنساني الطبيعي من قوم خرجوا من وطنهم إلى المجهول عندما يواجهون أية صعوبات، وهو أمر ثابت وواقع وملموس، فكل من خرج من وطنه طامعا في معيشة أفضل وُعِد بها سيكون أول رد فعل طبيعي عند مواجهة أية خطورة أو صعوبة أن يندم على تركه وطنه وأن يتمنى العودة إليه، وعندما قيل لهم ادخلوا الأرض المقدسة، وهي أي بلد أو أي مصر كما يقول المفسرون فإنهم طلبوا أيضًا العودة إلى مصر المعلومة كما ذكر كتابهم المقدس، وورد في التوراة سفر العدد الإصحاح الحادي عشر:4وَاللَّفِيفُ الَّذِي فِي وَسَطِهِمِ اشْتَهَى شَهْوَةً. فَعَادَ بَنُو إِسْرَائِيلَ أَيْضًا وَبَكَوْا وَقَالُوا: «مَنْ يُطْعِمُنَا لَحْمًا؟ 5قَدْ تَذَكَّرْنَا السَّمَكَ الَّذِي كُنَّا نَأْكُلُهُ فِي مِصْرَ مَجَّانًا، وَالْقِثَّاءَ وَالْبَطِّيخَ وَالْكُرَّاثَ وَالْبَصَلَ وَالثُّومَ. 6وَالآنَ قَدْ يَبِسَتْ أَنْفُسُنَا. لَيْسَ شَيْءٌ غَيْرَ أَنَّ أَعْيُنَنَا إِلَى هذَا الْمَنِّ!»،

وهكذا فإن بني إسرائيل أرادوا العودة إلى مصر المعلومة وليس إلى أي بلد، ولكن المفسرين المتفيقهين أرادوا أن يجعلوا "مصر" هي أي بلد خضوعا لما ظنوا أنه من قواعد النحو، والحقائق لا تخضع لنحوٍ ثبت أنهم يجهلون الكثير منه، كما أن القرءان كثيرا ما يضرب بما يسمونه بقواعد النحو المعروفة عرض الجدار لعدم دقة هذا النحو، فالقرءان كان قبل اشتقاق النحو، ومع ذلك فقواعد النحو تجيز تنوين العلم الثلاثي كما سبق القول، وقد كان يجب عليهم الرجوع إلى التوراة في شأن كهذا! ولكل ذلك فكلمة مصر في آية سورة البقرة لا تعني إلا مصر المعلومة.

ومن المواقف الأخرى التي أعلن فيها شعب بني إسرائيل ندمه على الخروج من مصر وتمنى العودة إليها ما حدث بعد أن عاد الجواسيس الذين أوفدهم موسى لاستطلاع أحوال أرض كنعان الموعودة، فوجدوها قوية حصينة، فندم الشعب وناح وصرخ وبكى وتذمر على موسى وعلى هارون، وخاف بنو إسرائيل على أنفسهم وقالوا كما جاء في سفر العدد، الأصحاحين الثالث عشر والرابع عشر:

31وَأَمَّا الرِّجَالُ الَّذِينَ صَعِدُوا مَعَهُ فَقَالُوا: «لاَ نَقْدِرْ أَنْ نَصْعَدَ إِلَى الشَّعْبِ، لأَنَّهُمْ أَشَدُّ مِنَّا». 32فَأَشَاعُوا مَذَمَّةَ الأَرْضِ الَّتِي تَجَسَّسُوهَا، فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ قَائِلِينَ: «الأَرْضُ الَّتِي مَرَرْنَا فِيهَا لِنَتَجَسَّسَهَا هِيَ أَرْضٌ تَأْكُلُ سُكَّانَهَا، وَجَمِيعُ الشَّعْبِ الَّذِي رَأَيْنَا فِيهَا أُنَاسٌ طِوَالُ الْقَامَةِ. 33وَقَدْ رَأَيْنَا هُنَاكَ الْجَبَابِرَةَ، بَنِي عَنَاق مِنَ الْجَبَابِرَةِ. فَكُنَّا فِي أَعْيُنِنَا كَالْجَرَادِ، وَهكَذَا كُنَّا فِي أَعْيُنِهِمْ».

1فَرَفَعَتْ كُلُّ الْجَمَاعَةِ صَوْتَهَا وَصَرَخَتْ، وَبَكَى الشَّعْبُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ. 2وَتَذَمَّرَ عَلَى مُوسَى وَعَلَى هَارُونَ جَمِيعُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَالَ لَهُمَا كُلُّ الْجَمَاعَةِ: «لَيْتَنَا مُتْنَا فِي أَرْضِ مِصْرَ، أَوْ لَيْتَنَا مُتْنَا فِي هذَا الْقَفْرِ! 3وَلِمَاذَا أَتَى بِنَا الرَّبُّ إِلَى هذِهِ الأَرْضِ لِنَسْقُطَ بِالسَّيْفِ؟ تَصِيرُ نِسَاؤُنَا وَأَطْفَالُنَا غَنِيمَةً. أَلَيْسَ خَيْرًا لَنَا أَنْ نَرْجعَ إِلَى مِصْرَ؟» 4فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «نُقِيمُ رَئِيسًا وَنَرْجعُ إِلَى مِصْرَ»

وقد ذكر العهد القديم أنه كلما هم ربهم أن يبطش بهم بسبب عصيانهم كان موسى يذكره: «لِمَاذَا يَا رَبُّ يَحْمَى غَضَبُكَ عَلَى شَعْبِكَ الَّذِي أَخْرَجْتَهُ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ بِقُوَّةٍ عَظِيمَةٍ وَيَدٍ شَدِيدَةٍ؟ 12لِمَاذَا يَتَكَلَّمُ الْمِصْرِيُّونَ قَائِلِينَ: أَخْرَجَهُمْ بِخُبْثٍ لِيَقْتُلَهُمْ فِي الْجِبَالِ، وَيُفْنِيَهُمْ عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ؟ اِرْجِعْ عَنْ حُمُوِّ غَضَبِكَ، وَانْدَمْ عَلَى الشَّرِّ بِشَعْبِكَ.

وإذا كان بنو إسرائيل قد تمردوا ورفضوا الأوامر بعد أن خرجوا من مصر كما يقرّ هؤلاء المفسرون، فمن البديهي أن يكون الأمر لهم عند تمردهم أن يهبطوا مصرا، وإلا فإنهم يكونون مطالبين بقتال سكان المدن الكنعانية والفلسطينية.

وبذلك يكون الأمر محسومًا، إن البلد المشار إليه في الآية هو مصر المذكورة في القرءان، وكان يجب على من يتصدون للتفسير أن يرجعوا إلى كتب الله السابقة التي هم مأمورون بالإيمان بها لحسم مثل هذه الأمور، وأن يكفوا عن الخوض في الأمور المحسومة، وأن يدخروا جهودهم لما هو أجدى.

ولورود اسم "مصر" صراحة في القرءان خمس مرات له معناه الهام.

وهناك من يشكك في أن مصر المذكورة في قصص الأنبياء هي مصر المعروفة! وذلك في الحقيقة تكذيب وكفر مستتر بقصص الأنبياء، ولدينا ما لا حصر له من البراهين لدحض كلامهم، وقد زعموا أن نقل قصة موسى والتوراة إلى مصر كان مجاملة لملك مصر بطليموس الثاني الذي استقدم بعض علمائهم لترجمة كتابهم المقدس، وقد كتبنا هذه المقالة الموجعة اللاذعة لكشف مزاعمهم وتفنيدها:

قصة تحريف الكتاب المقدس طبقا لاكتشافات المخرفين الجدد

كان الملك المصري بطليموس الثاني فيلادلفوس في القرن الثالث قبل الميلاد مولعا بالعلم والثقافة، أراد أن يضم إلى مكتبة الإسكندرية الكتب المقدسة لليهود لذلك أمر اثنين وسبعين من أحبار اليهود بترجمة كتابهم المقدس إلى اليونانية لغة الثقافة في ذلك العصر، وتم عزلهم عن بعضهم، ثم قام كل منهم بمفرده بعمل الترجمة، وتم مقارنة الترجمات فوجدوا، رغم العزل الصارم المحكم، تطابقا تاما فيما بينها، فاليهود كانوا يجيدون فن التواصل عن بعد Telepathy!! ولم تفلح وسيلة العزل معهم، كما كان لديهم أجهزة اتصالات حديثة من الجيل الثلاثين أحضرها بعض أقاربهم من القرن الأربعين، وقد اعتمد كاتبو العهد الجديد على هذه النسخة السبعينية.

ومجاملة لمصر والمصريين الذين كان اليهود يعيشون بينهم معززين مكرمين منذ أن فروا إليها تحت قيادة إرميا النبي هربًا من الغزو البابلي فقد نقلوا قصة نشأتهم إلى مصر، مع أنهم نشأوا أصلا في بوركينا فاسو التي لم يكن لها وجود في ذلك الوقت.

وحتى ينالوا رضا المصريين ولتنشيط السياحة في القرن الواحد والعشرين فقد جعلوا كتابهم المقدس قصيدة هجاء ضد مصر والمصريين، وملأوه بالنصوص التي تستنزل اللعنات والكوارث على مصر، وحتى لا يكتشف أحد يوما ما هذه الخديعة الكبرى فإنهم عقدوا مؤتمر قمة حضره كل ملوك مصر الذين ماتوا والذين لم يكونوا قد خلقوا بعد كما حضره كل حاخامات اليهود ومنظمة إيباك والماسونية الدولية والصهيونية العالمية والـ CIA والـ CIB والـ KGB والـ  KG1 والـ KG2 والـ ABC والـ XYZ وكذلك حضره سادة قريش وعمرو بن العاص وكعب الأحبار ورجل الأحبار ويد الأحبار وأصبع الأحبار...... الخ وتقاسموا ليحفظن هذا السرّ الرهيب.

كل هذا رغم أن اسم مصر قديما لم يكن مصر، وإنما كان اسمها "كمت" و"قبط"، فلما جاء عمرو بن العاص قرر أن يسميها مصر بناء على الاتفاق القديم!!! فتم عمل مؤتمر قمة في الدوخة عاصمة الخيمة المسماة بـ"قَذَر" وتم الاتفاق على ذلك، وتم عمل لوحات ضخمة تُعلق عند مداخل مصر في رفح وأيلة وبرقة مكتوب فيها: "هنا أنت في مصر وليس في قبط"، ---------------------------------"vous êtes en Misr, pas en Égypte Ici" وتم تشريع عقوبة الإعدام ضربًا بالسيف أو قذفًا بالرمح على كل من يخالف عن هذا القرار. 

ورغم كل هذه الاحتياطات المشددة فإنها لم تنطل على الكذبة الزوريين!! وتمَّ اكتشاف السرّ الرهيب، وهكذا لا تكاد توجد بلد همجستانية إلا وتزعم أنها هي مصر وأن موسى ينتمي أصلا إليها، وأنهم يحتفظون لديهم بالباسبور الخاص به وسيبرزونه عند اللزوم.

ولكن توجد صعوبات فنية بسيطة A simple technical difficulties يجهلها هؤلاء المخرفون، وهي أن لدى اليهود نسخة عبرية هي المقبولة لديهم، ولا شأن لها بالترجمة السبعونية، وهي مع ذلك متفقة تماما مع هذه الترجمة في كل ما يتعلق بجغرافيا الكتاب المقدس، كما توجد نسخة سامرية، وهم مستقلون عن اليهود، تتحدث أيضًا عن مصر المعلومة، وكذلك الأمر في كل ما اكتشف من نسخ للكتاب المقدس.

أما إذا ما قيل لهم إن الأوصاف الواردة في القرءان والتوراة تتحدث عن بلد ضخم به أنهار وخزائن ضخمة وكنوز وجنات وزراعة منتظمة وتماسيح وأوتاد وجيوش جرارة وصروح وصناعة كتان وشعب يكره رعاة الأغنام ويعتبرهم رجسا قالوا إن المقصود بالأنهار الوديان أو مجاري الصرف الصحي، والمقصود بالتماسيح السحالي والأبراص والمقصود بالأوتاد أوتاد خيمة .... الخ

*****

قال توفيق: السؤال التقليدي؛ من هو فرعون؟

قال أمجد: كان فرعون من ملوك أسرة الرعامسة؛ أي الأسرة العشرين كما يسميها المؤرخون، وكانوا كلهم باستثناء أعظمهم رمسيس الثالث ابن الملك ست ناختي مؤسس الأسرة ضعفاء مغمورين، وكان هو بخلافهم جبارا عاتيا مسرفا، كان هامان وزيره وكبير الكهنة، وكان له جيشه الخاص، وكان لفرعون إنجازات هائلة، ولكن فشله وهزيمته في مجتمع يقدس النجاح والانتصار دعا الناس إلى محو ذكره.

وقد تم تدمير كل ما يمت إليه بصلة ونهبه في الفوضى التي أعقبت سقوطه والتي انتهت إلى تقسيم مصر بين الملوك في الشمال وبين الكهنة في الجنوب.

قال محسن: اسمعوا هذه المزحة:

أحدهم اكتشف أن فرعون مصر هو: قابوس بن مصعب بن معاوية (ابن أبي سفيان بن حرب) بن نمير بن السلواس بن قاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح، وهو بالطبع لم يطلع على شهادة الميلاد الخاصة بفرعون والمسجلة في الشهر العقاري في الخيمة المركزية والمطبوعة في المطابع البعيرية، وإنما هو في الحقيقة نقل هذا الكلام من أحد أكابر المفسرين المخرفين، وقد توقف عند نوح لأن النسب من نوح إلى آدم معروف عندهم أيضا.

ور غم أنه لم يطلع على شهادة ميلاد فرعون القابوسي فإنه أكد أنه رأى فيها بوضوح وظيفة فرعون، فقد كان مكتوبا فيها بالخط الكوفي الجميل من قبل أن يوجد: "ولي عهد مصر".

وقد اكتشف أيضا أن هامان هو عنترة بن شداد العبسي، أما قارون فاتضح أنه الوليد بن المغيرة، ولكنه ينتظر ليفجر هذه القنبلة في الوقت المناسب.

وبغض النظر عن هذه الأسماء الخرافية المضحكة فقد كان نوح قبل فرعون بقرون كثيرة، ولم يكن يخطر ببال من ألف حكاية ألف ليلة هذه أن العلم سيتقدم وأنه سيمكن معرفة بعض أسرار التاريخ القديم.

قال أمجد: وبالمناسبة، فإنه طبقا للقرءان فإن ملك مصر المعاصر لموسى اسمه العَلَمي الخاص His proper name هو "فرعون"، فكلمة "فرعون" ليست لقبا، ولم تكن أبدًا لقبا لحكام مصر، ولم تكن اسما ولا سلالة للمصريين القدماء.

وقد ذكر القرءان بكل وضوح أن الذي تعرض للغرق ولتدمير الآثار ونهب الممتلكات هو قوم فرعون فقط؛ أي أسرة فرعون، وقولنا هو إنها أسرة الرعامسة؛ وهي الأسرة 20، وكان من الطبيعي بعد غرق جيشهم أن يقوم الناس بنهب ممتلكاتهم والاعتداء على قصورهم ومقابرهم وأن يستولي على الحكم غيرهم، وبالطبع فقد كان من تمَّ نهب أموالهم وتدمير قصورهم هم من كانوا معاصرين للأحداث فقط.

ويحاول بعض عتاولة الجهل والتخلف الزعم بأن مصر الهائلة العظيمة ذات الأنهار والمدائن المذكورة في القرءان والتي استعبدت (حسب التوراة) أكثر من مليون إسرائيلي (المقاتلة فقط كانوا أكثر من 600 ألف كما ذكرت التوراة) كانت "مولا" تجاريا صغيرا في صحراء العرب (العامرة) يتم فيها تزويد القوافل بالعلف والحمام الزاجل بالحبوب، هؤلاء بالطبع لن يفلح أي طبيب بيطري في علاجهم، ولا حل لهم إلا السخرية من جهلهم وتخلفهم وحقدهم.

وحتى المؤرخ الذي نقلوا عنه أن فرعون كان هو السلطان قابوس بن مصعب بن معاوية بن (أبي سفيان بن حرب) لم يجادل في حقيقة أن مصر القرءانية هي مصر المعروفة.

من الواضح أن القصاص كانوا يسخرون من المتطفلين الفضوليين بفبركة أي هراء وكان هؤلاء يتلقفونه ويتعالمون به على الآخرين.

*****

قال توفيق: ما قولكم في الأتراك، وعلاقتهم بمصر؟

قال أمجد: بدايةً لا يوجد أي عداء بين الشعبين المصري والتركي، وبالمناسبة كان أول من استقل بمصر من بعد أن فقدت استقلالها بهزيمة كليوباترا هو أحمد بن طولون التركي المتمصر، وقد أسس لها إمبراطورية كانت أقوى من الخلافة العباسية التي من المفترض أنه كان تابعا لها! وعندما مرض خرج المصريون إلى الصحراء يدعون له بالشفاء لعلمهم بحقيقة الأمر وقوة الشعور الوطني قبل أن ينشأ مفهوم الوطن الحديث، وقد خرجت كل طائفة بكتابها المقدس، المسلمون بالقرءان، والمسيحيون بالإنجيل واليهود بالتوراة، ولكنه قضى نحبه وخلفه ابنه خمارويه، وبلغت مصر في عهده ذروة هائلة من الثراء.

ومن بعد كان الأتراك مكونا رئيسًا من جيوش الأيوبيين، وكان كثير من المماليك من أصول تركية، والأتراك يشكلون جزءا من مكونات الشعب المصري، وقد أتوا إلى مصر قبل أن يذهبوا إلى البلد المسمى الآن تركيا! هذا مع العلم بأنه لا توجد سلالة محددة اسمها السلالة التركية! فهم خليط من عدة سلالات.

ولكن العداء هو بين مصر وبين الخلافة العثمانية الجهلوتية ومن يسعى إلى إحيائها.

*****

قال توفيق: بعضهم يشكك في مصرية بناة الأهرام!

قال محسن: مازال بعض المهاوييس يجادلون إلى الآن في جنسية بناة الأهرام!! إن بناة الأهرام –بكل بساطة- هم المصريون الذين كانوا موجودين على هذه الأرض وقت بناء الأهرام، وبافتراض أن بناة الأهرام قد أتوا إلى هذه الأرض المسماة بمصر من أي مكانٍ آخر أو مما يُسمَّى بقارة أتلانتا أو حتى من المريخ فقد استوطنوا هذه الأرض، ولم يخرجوا منها، وأصبحوا مصريين، وأحفادهم موجودون فيها الآن بكل تأكيد، ألا تكفي آلاف السنين لمن أتى إلى مصر ليكون مصريا؟ وهل يمكن أن يأتي أناس من أي بلد آخر ليبنوا هذه الأهرام الضخمة ثم يرحلون بكل بساطة؟

يمكن مثلا التشكيك في أن خوفو هو الذي بنى الهرم الكبر، ولكن من المضحك التشكيك في مصرية من بناها، هل أدركت كيف يدلسون؟

ولم يحدث على مدى التاريخ أن حدثت هجرة جماعية من مصر، أو أن شعبا جاءها وأباد الشعب الذي كان فيها وحلَّ محله، بينما حدث ذلك في كل دول أوروبا مثلا وأكثر دول الشرق الأوسط، فمصر وطن وليست سلالة عرقية، ولكن ما العمل مع لصوص الحضارات؟

والأشوريون عندما هزموا مملكة إسرائيل وكان فيها عشرة من أسباط إسرائيل لم يجدوا صعوبة في أسرهم جميعا والذهاب بهم إلى آشور، فعددهم كان قليلا، بينما لم يستطيعوا بالطبع فعل ذلك عندما دخلوا مصر، واكتفوا بأن عينوا عليها ولاة يدينون لهم بالولاء، ومن المعلوم أيضًا أن شعوب البحر قضوا قضاءً مبرما على الحيثيين، وهم قوة عظمى كانت في الشرق، فاختفوا تماما من التاريخ، وكذلك فعل الترك بشعوب آسيا الصغرى التي رغم عراقة بلادهم كانت موجات بشرية تأتي لتمحو تقريبا الموجات التي استقرت قبلهم فيها، لذلك فمن أراد أن يعرف تاريخ آسيا الصغرى المعروفة الآن في تركيا لن يجده في تاريخ تركيا وإنما في تاريخ اليونان!

قال أشرف: في الحقيقة مصر وطن استثنائي، فهي بمثابة الذاكرة العالمية التي تتراكم فيها إنجازات كل الحضارات الكبرى وأديانها وفلسفاتها، وذكرها صراحة في القرءان خمس مرات وضمنا عددا كبيرا من المرات يشير إلى أهميتها الفائقة، ولذلك يحاول بعض المهاوييس الجدد المصابين بالمصرفوبيا وبالكراهية المقيتة لمصر الزعم بأن مصر المذكورة في القرءان ليست هي مصر ويؤلفون الكتب لإثبات ذلك ويشكلون الجمعيات للترويج لضلالاتهم

*****

قال توفيق: هل أسماء ملوك مصر الأقدمين حقيقية؟

قال أمجد: كان المصريون القدماء يعلمون أن لكل كيان إنساني اسمًا حقيقيا، و الـ"رن" هو الاسم الحقيقي أو الاسم العلوي الخفي للإنسان، وهو جزء أساسي من الانسان حال كونه في الارض أو في العالم الآخر، وهو الجزء الخفي الثابت في الانسان، فهو المعبر عن أنيته His I-ness، فهو الثابت في عالم التغير، ومن آثاره في العالم المادي الحمض النووي RNA, DNA.

ولهذا الاسم مقابل في لغة محكمة غامضة، هي أم كل اللغات، وكانت المصرية القديمة من أقرب اللغات إليها، ويُطلق عليه أيضًا "رن".

وكان لكل كيان إنساني كبير مثل بلد أو مدينة أو قبيلة "رن" ايضًا، وبالنسبة لهذه البلاد فكان "رن" الخاص بها هو "مصر"، فكان اسمًا مقدسا لديهم، يعملون على الحفاظ عليه ويتهيبون النطق به.

وكان قدماء المصريين يعتقدون أنه يمكن تدمير الانسان عن طريق معرفة اسمه الحقيقي هذا، وكان محو الاسم أو الخرطوش من على آثار شخص ما تعنى محو ذكره وتكدير رحلته في العالم الآخر، وربما محوه تماما من الوجود.

وكان المصريون يعتقدون أن هذه المقولة سارية أيضًا على أسماء البلدان والقبائل، لذلك كانوا يقومون بعمل طقوس سحرية لتدمير أعدائهم عن طريق تكسير فخاريات منقوش عليها أسماؤهم السرية.

لذلك كان الاسم العَلَمي الأصلي للمصري القديم بصفة عامة وللملك بصفة خاصة من الأسرار، ولقد أخذ الغجر عن المصريين هذا التقليد أثناء إقامتهم بها قبل هجرة بعضهم إلى أوروبا، وظلت آثار هذا التقليد حية في مصر إلى عهد قريب.

ولقد كان موسى هو الذي أعلن اسم فرعون لعلمه به وواجهه به عندما قال:

{قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَـؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُورا} الإسراء102

وقد كانوا يؤمنون أيضا بأنه بإزالة اسم شخص متوفي يكون مصير كيانه الجوهري "كا" الزوال في العالم الآخر، ولذلك كان حرص الملك الجديد شديدا على محو أسماء من تصور أنهم ظلموه من أسلافه ولو كانوا أقرب الناس إليه، وقد فعل ذلك أعظم ملوك مصر القدماء تحتمس الثالث بتراث حتشبسوت.

وكان الاعتقاد أن رسم أو نقش ملك مصر يضرب عدوه أو يهزمه له نفس الفعل في العالم الحقيقي طالما بقي الرسم أو النقش، وكانت تصاحب عملية الرسم أو النقش تراتيل سحرية معينة لإحداث الأثر المطلوب، لذلك فقد كان المقصود من النقوش التي تمثل ملك مصر وهو يضرب الأفارقة أو الآسيويين أو يسحقهم تحت سنابك الخيل أو من عمل رؤوس العصي على شكل رؤوسهم بحيث يمسك بها أو من رسم أشكالهم بملابسهم على صندل يضع فوقه قدميه بها إلحاق هزائم فعلية بهم واستمرار السيطرة عليهم طالما بقيت هذه الرسومات والطلاسم، فلم يكن الأمر مجرد فخر بإنجازات تاريخية.

*******

قال محسن:

في عصر جمال عبد الناصر -الذي نحبه ونقدره ويتهمنا الناس بالانحياز إليه- قام المنافقون بتزوير التاريخ المصري لحسابه حتى يبدو وكأنه العملاق الأوحد في التاريخ المصري، فتضمن ذلك اختلاق مقولات شيطانية تتضمن تطاولا على تاريخ مصر وإهانة لها وظلمًا لها ولسلسلة هائلة من الحكام العظام أعظم بكثير من جمال عبد الناصر، ومازالت تلك المقولات تُستعمل للنيل من شخصية المصري وتحقيره وزيادة إحساسه بالنقص والدونية!!

وكان من المفتريات شيطنة أسرة محمد علي وتسفيه دوافعهم والزعم بأنهم أجانب أو محتلون، مع أن الحقيقة بسيطة جدا: محمد علي رجل متمصر، استقل بحكم مصر ورفع عنها عمليا النير العثماني الجهلوتي المتخلف، وأسرته من بعده هم حكام مصريون، كانوا بالطبع متفاوتين في الكفاءة والخبرات وقدرتهم على تحقيق العدالة، ولكن هذا لا يعطي لأحد الحق في التشكيك في كونهم مواطنين مصريين كانت مصر في عهدهم تحتل مكانة متميزة في العالم كدولة غنية قوية قائمة بذاتها، هل تستطيعون مثلا نزع الجنسية المصرية عن أحقر مجرم سفاح يستحق الإعدام عشرات المرات وقد يكون جده البعيد قد أتى من الصحراء العربية مثلا؟

وقد بنى محمد علي لمصر أكبر إمبراطورية في تاريخها، ولم تتفكك هذه الإمبراطورية إلا بفعل تحالف دولي من قوى العالم الكبرى كما حدث مع فرنسا وألمانيا مثلا.

أما حفيده إسماعيل فقد بسط سيطرة مصر على حوض النيل كله باستثناء الحبشة وجعل الجناح الغربي للبحر الأحمر من أول السويس إلى جيبوتي مصريا، وكان ذلك من أسباب التآمر ضده وعزله.

وتتعللون دائمًا بأن محمد علي كان يهدف إلى تكوين إمبراطورية يحكمها هو وأبناؤه من بعده!!!! وماذا كان يفعل غير ذلك الخلفاء الأمويون والعباسيون والعثمانيون وعملاؤهم الذين كانوا يطؤون رؤوس المحسوبين على الإسلام من أسلافكم بأقدامهم ومع ذلك ما زلتم تسبحون بحمدهم وتقدسون لهم؟!

قال سمير: والمشكلة أن هؤلاء المتسلطين كانوا، بصفة عامة، أعداءً للعلم، وقد ذكرت المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه في كتابها "شمس العرب تسطع على الغرب" مقتنيات مكتبة دار العلم في القاهرة بقولها: "وفي القاهرة رتب مئات العمال والفنيين في مكتبتي الخليفة مليونين ومئتي ألف من المجلدات". وقدر شوشتري مقتنيات المكتبة في كتابه "مختصر الثقافة الإسلامية" بثلاثة ملايين مجلد، وقد قُضِي على هذه المكتبة وضاعت كتبها في عهد صلاح الدين الأيوبي، حيث تذكر ذلك العديد من المصادر ومن بينها ما ذكره القلقشندي وأكده المقريزي بقوله: "في عهد صلاح الدين قضي على خزائن مكتبات الفاطميين وتشتت ما تبقى من كتبها بيعا على تجار الكتب وعطاء لبعض العلماء والقضاة فضلاً عما أهداه صلاح الدين للمقربين إليه، وحدد لبيع الكتب يومين كل أسبوع واستمر عشر سنوات، تولى تجار الكتب والدلالون مهمة البيع تحت إمرة قراقوش".

قال محسن: فالقضاء على الحضارة المصرية لم يكن حكرًا على المحسوبين على الإسلام فقط، نعم إن صلاح الدين أضاع وبدد وأحرق تراث عصر ذهبي من عصور مصر، ولكن من المعلوم جيدا أن المسيحيين المصريين هم المسؤولون عن أكبر جريمة ثقافية حدثت في التاريخ: محاولة القضاء التام على الحضارة المصرية القديمة وكذلك على الحضارة المصرية اليونانية العالمية (الهلنستية) التي كان مركزها العالمي الإسكندرية، وقد كان ذلك هو البداية الرسمية لعصر الظلمات، فلا يحق لهم التباهي بما دمروه.

ومن الجدير بالذكر أنه لم يكن قتل هيباتيا السكندرية مجرد القضاء على عالمة وفيلسوفة، ولكنه كان بداية عصر الظلمات، بدأت حملات تدمير مروعة لم تشهد لها البشرية مثيلا، تم القضاء على أكثر الآثار المصرية القديمة، انطوت صفحة مجيدة من التاريخ وضاعت أسرارها، اندثرت الفنون القديمة التي عاشت لآلاف السنين، تم القضاء على أكثر التراث القديم لمصر وللحضارة الهلنستية، تم القضاء على تيار الحضارة الكوزموبوليتاني Cosmopolitan civilization، غرقت المنطقة في جدل عقيم لا نهاية له في اللاهوت، انتشرت الرهبانية ومعها انتشر التماوت ونبذ الحياة الأرضية، صار المثل الأعلى هو الراهب الذي لم تلمس المياه جسده أو الذي لا يغادر مغارة عاش فيها أو عمودا جلس عليه.

ثم جاء الأعراب وأكملوا بكل همة القضاء على ما تبقى من آثار العالم القديم.

وقد ثبت بالأبحاث الجينية أن نسبة الهابلوجروب العربي-الإسرائيلي أعلى عند المسيحيين منها عند المسلمين، وأن هذا الهابلوجروب كان موجودا دائما في مصر قبل أن يظهر العرب على مسرح التاريخ، وبكل ذلك فالمسلمون أكثر انتماء إلى السلالة التي كانت سائدة في مصر قبل الغزو العربي الذي لم يكن له تأثير كبير على التركيبة السكانية في مصر.

كما ثبت أن كثيرا من المسيحيين ينتمون إلى أصول يونانية وشامية ورومانية وحبشية ونوبية وأرمنية ... الخ، وهذا يمكن للناس إدراكه بمجرد النظر، ولكن لا يجوز اتخاذ ذلك ذريعة لإحداث فتن، ويجب على الجميع التمسك بالمواطنة وآليات التعايش السلمي والبعد عن تهييج النعرات العنصرية والحديث عن أصحاب بلد أصليين وغير أصليين ... الخ، فكل من استوطن مصر هو مصري بغض النظر عن سلالته أو دينه أو مذهبه.

ومن المعلوم أن من أهم أسباب اشتداد ساعد التيار السلفي والتعصب في مصر وغيرها هو ما صدر عن بعض المسيحيين من تطاول على الإسلام والتخصص في مهاجمته والتمادي في ذلك، وقد كان هؤلاء يظنون أنهم يستندون إلى قوة الغرب العاتية ويبتزون الحكومات الدكتاتورية بذلك، ولكن عندما وقعت الواقعة تخلى عنهم الغرب، وتركهم يلقون مصيرهم، هذا ما حدث في العراق وسوريا ومصر، ولم يجد هؤلاء عندها من يقف بجانبهم إلا المسلمين المتنورين والوطنيين.

*****

قال سمير: إن من أعجب الأشياء أن تكون الهوية المصرية موضع جدل، يستطيع أحدهم أن يكتسب الجنسية الأمريكية أو الإنجليزية أو الكندية ... الخ بكل سهولة، بل يكتسبها ابنه إذا ولد هناك، ولكنه لا يريد لعربي عاش أجداده في مصر حوالي 1400 سنة أن يكون مصريا، فلماذا لا يتحدثون عن الأرمن الذين هاجروا إلى مصر في القرن الماضي فقط وهم الآن مصريون؟!

قال أشرف: إنه بغض النظر عن أصل محمد علي فبمجرد استيطانه مصر وربط مصيره بها فقد أصبح مصريا، هذه بديهية، وقد أسس جيشًا مصريا حارب به الأتراك الذين يُقال إنه منهم، وبالطبع فقد كانت أسرة محمد علي مصرية بغض النظر عن كونهم نجحوا أم فشلوا، والمشكلة أن الضباط الأحرار ومن نافقهم كانوا يريدون استعمال أي شيء لشيطنة أسرة محمد عليّ وجعل المصريين ينسون إنجازاتها، والآن يوجد من يقول إن جمال عبد الناصر لم يكن مصريا بل عربيا، وهناك من جعلوه يهوديا!!! وقد أطلق السادات كلابه يمزقون أوصاله للقضاء على مشروعه الوطني التقدمي وللتحالف مع أعدائه ومعاداة أصدقائه!! يا ليت القائمين على الأمور ينشغلون بتحقيق إنجازات جديدة بدلا من الانشغال بالطعن في إنجازات من سبقهم وشيطنتهم.

إن الجيش الذي هزم العثمانيين وكاد يقضي على الخلافة العثمانية هو جيش الفلاحين المصري، ومحمد علي وأبناؤه تمصروا وحققوا لمصر أمجادا هائلة، مصر وطن وليست قبيلة ولا سلالة عرقية، ومن المضحك أن ترى أحد النكرات يقول على حاكم مصري كان يعيش في مصر وكانت مصر في عهده دولة قوية مسيطرة: "إنه لم يكن مصريا"، وكأن هذا النكرة يعلم من أين أتى جده الخامس مثلا، وكأن معه شهادة بسلسلة نسب تمتد إلى منقرع!!

ومما ثير الضحك أكثر أن يقول مثل هذا الكلام شخص ينتمي إلى كيان هامشي لم يتكون إلا في القرن الماضي!!!

قال ياسر: في الحقيقة يرجع جزء كبير من المسؤولية عن تجهيل المصريين على عاتق الضباط الأحرار عندما تمردوا على الملك المصري فاروق وقاموا بعملية شيطنة للأسرة العلوية، فكان ما كان، وكان عاقبة ما فعلوه كارثية على كافة المستويات!

*******

عدد المنشورات الفرعية : 65

عدد المنشورات : 458