46

من القول في المنطوق والمفهوم

المنطوق به، مهما كان نوعه، معنىً أو حكمًا أو أمرا، هو أيضا مجال للفقه، الذي يسمونه بالفهم، فما يسمونه بالمنطوق هو أيضًا من المفهوم، ولكن يمكن تسميته بالمفهوم المباشر، أو بالمفهوم الأولي، ونفضل نحن أن نسميه: الفقه الأولي والمباشر للنص.

فالمعنى المستفاد من صريح اللفظ في محل النطق أو ما دل عليه اللفظ في محل النطق أو في محل العبارة المنطوق بها هو ما يفقهه الإنسان من اللفظ، وقد لا يتساوى الناس فيه، ذلك لأن هذا الفقه يعتمد على مدى إلمام الإنسان بأسس دين الحق ومدى تمكنه من اللسان العربي ومدى رقيه على المستوى الجوهري.

وكذلك الأمر بالنسبة لما يسمونه بالمفهوم أو لما يسمونه بدلالة الإشارة.

أما ما يسمونه بالمفهوم، فنفضل أن نسميه بالفقه التالي للنص، أو بالمفهوم الثانوي.

وفي دين الحق فالأولوية هي للأمر أو العنصر الديني، فمنطوق أو مفهوم العبارة 

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا}

 ليس فقط مجرد المعنى الحرفي للألفاظ، ولكنه يستلزم استفتاء كل آيات القرءان ذات الصلة بالأمر.

فلا يمكن اختزال المسألة إلى الصورة التي قال بها الأصوليون، فذلك يؤدي بالضرورة إلى اختزال الدين وإهمال لبه وجوهره، ذلك لأن الأصوليين قد غلبت عليهم النزعة القانونية وجعلوا شغلهم الشاغل هو الأحكام والمعاملات.

ولذلك فهم يتعمدون اقتطاع أصغر جزء ممكن من الآية واستنطاقها بكل ما يؤكد تعريفاتهم أو أحكامهم كما هو واضح في المثال الذي يستعملونه كثيرا، فهم يقتطعون العبارة 

{فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ}

 من آيته وسياقه القريب، وهو: 

{وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) } [الإسراء:23].

وبعد هذا الاستقطاع يستعملون الجزء المقتطع من سياقه لاستنتاج ما هو أصلًا منصوص عليه في السياق القريب، وكذلك في السياق المعنوي والسياق القرءاني الكلي.

فهم يقولون إن هذه العبارة بمنطوقها تحرم قول "أف" للوالدين! أما بمفهوم الموافقة والأولى فتحرم ضربهما وشتمهما!!

وهذا الكلام لا يرقى إلى المستوى اللائق للتعامل مع القرءان.

أما وفقًا لدين الحق فباستقراء القرءان يتبين أنه يوجد أمر قرءاني خاصّ بأسلوب معاملة الوالدين، وقد وردت تفاصيله موزعة على الآيات، ومنها آيتا الإسراء، والنهي عن قول "أفّ" للوالدين ليس إلا تفصيلا وأسلوبًا بلاغيا للنهي عن أي نهرٍ لهما، وذلك بدوره من لوازم وتفاصيل الأمر العام بالإحسان إليهما.

فلا حاجة إلى استعمال تعريفات وأساليب الأصوليين لاستنتاج ما هو منصوص عليه بالنص المباشر الصريح.

عدد المنشورات الفرعية : 63

عدد المنشورات : 412