13

الاستصحاب

الاستصحاب في اللغة: اعتبار المصاحبة، وفي اصطلاح الأصوليين: وهو الحكم على الشيء بالحال التي كان عليها من قبل، حتى يقوم دليل على تغير تلك الحال، أو هو جعل الحكم الذي كان ثابتا في الماضي باقيا في الحال حتى يقوم دليل على تغيره.

فإذا سئل المجتهد عن حكم عقد أو تصرف، ولم يجد نصا في القرءان أو السنة ولا دليلا شرعيا يطلق على حكمه، حكم بإباحة هذا العقد أو التصرف بناء على أن الأصل في الأشياء الإباحة، وهي الحال التي خلق الله عليها ما في الأرض جميعه، فما لم يقم دليل على تغيرها فالشيء على إباحته الأصلية.

وإذا سئل المجتهد عن حكم حيوان أو جماد أو نبات أو أي طعام أو أي شراب أو عمل من الأعمال ولم يجد دليلا شرعيا على حكمه، حكم بإباحته، لأن الإباحة هي الأصل ولم يقم دليل على تغيره.

وإنما كان الأصل في الأشياء الإباحة، لأن الله قال في كتابه الكريم: 

{هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم} [البقرة:29]،

 وصرّح بأنه سخر للناس ما في السماوات وما في الأرض،

 {وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون} [الجاثية:13]،

 ولا يكون ما في الأرض مخلوقا للناس ومسخرا لهم إلا إذا كان مباحا لهم، لأنه لو كان محظورا عليهم ما كان لهم.

والاستصحاب آخر دليل شرعي يلجأ إليه المجتهد لمعرفة حكم ما عرض له ولهذا قال الأصوليون: إنه آخر مدار الفتوى وهو الحكم على الشيء بما كان ثابتا له مادام لم يقم دليل يغيره. وهذا طريق في الاستدلال قد فطر عليه الناس وساروا عليه في جميع تصرفاتهم وأحكامهم. فمن عرف إنسانا حيا حكم بحياته وبني تصرفاته على هذه الحياة، حتى يقوم الدليل على وفاته، ومن عرف فلانة زوجة فلان شهد بالزوجية ما دام لم يقم له دليل على انتهائها. وهكذا كل من علم وجود أمر حكم بوجوده حتى يقوم الدليل على عدمه، ومن علم عدم أمر حكم بعدمه حتى يقوم الدليل على وجوده.

وقد درج على هذا القضاء، فالملك الثابت لأي إنسان بسبب من أسباب الملك يعتبر قائما حتى يثبت ما يزيله. والذمة المشغولة بدين أو بأي التزام تعتبر مشغولة به حتى يثبت ما يخليها منه. والذمة البريئة من شغلها بدين أو التزام تعتبر بريئة حتى يثبت ما يشغلها.

والأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت ما يغيره.

فالاستصحاب هو باختصار الحكم على الشيء بما كان عليه لعدم قيام الدليل على خلافه، وهو بذلك ليس أصلا من أصول الدين، وليس بأصل اجتهادي، وإنما هو جماع مجموعة من الأحكام والقواعد الفقهية، منها:

- الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت خلافه.

- الأصل في الأشياء الإباحة.

- ما ثبت باليقين لا يزول بالشك.

- الأصل في الذمة البراءة.

فالاستصحاب ليس إلا استبقاء دلالة هذا الدليل على حكمه، فهو حجة للدفع لا للإثبات، أي على بقاء ما كان على ما كان، ودفع ما يخالفه حتى يقوم دليل يثبت هذا الذي يخالفه، وليس حجة لإثبات أمر غير ثابت، ويوضح هذا ما قرروه في المفقود وهو الغائب الذي لا يدري مكانه ولا تعلم حياته ولا وفاته، فهذا المفقود يحكم بأنه باستصحاب الحال التي عرف بها حتى يقوم دليل على وفاته، وهذا الاستصحاب الذي دل على حياته حجة تدفع بها دعوى وفاته والإرث منه وفسخ إجارته، وطلاق زوجته، ولكنه ليس حجة لإثبات إرثه من غيره لأن حياته الثابتة بالاستصحاب حياة اعتبارية لا حقيقة.

الاستصحاب يمكن أن يكون اسمًا جامعًا لمجموعة من السنن التشريعية مثل: الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت خلافه، الأصل في الذمة البراءة، الأصل في الفروج والدماء وأموال الآخرين الحرمة، ... الخ.

وما يلزم الدين منه هو من عناصر منظومة السنن التشريعية الثابتة بالقرءان الكريم، فالعمل بمقتضى منظومة السنن التشريعية يغني عنه.

وهو بصورته الموجودة في كتب الأصول إنما يصلح للحكم في القضايا الجزئية والخصومات والمعاملات بين الناس.

عدد المنشورات الفرعية : 63

عدد المنشورات : 418