الإسلام والأمة والدولة والمذاهب المعاصرة

الرسول لم يؤسس دولة، وإنما أمة

الجدول

الرسول لم يؤسس دولة، هذا أمر ثابت، وهو متسق مع طبيعة الرسالة العالمية الخاتمة، التي لا تجمد ما هو قابل للتطور، لم يكن مطلوبًا في الرسالة الخاتمة أن تحدد شكلا لدولة بمثل ما أنه لم يكن مطلوبًا منها أن تحدد للناس وسائل الانتقال والسفر أو مواصفات بيوتهم!

والرسول كان يكتفي من القبائل العربية بإعلان إسلامها وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وكان يرسل إليهم أئمة وقضاة، وليس عاملين أو ولاة ومعهم تجريدات عسكرية، فقد كان يتركهم على ما كانوا عليه.

ولكن من مهام الرسول ومن مقاصد الدين العظمى تأسيس أمة مؤمنة، والأمة هي كيان إنساني كبير متماسك، ومحكوم بمنظومات قيم وسنن واحدة.

ولقد أسس الرسول هذه الأمة، واتخذ كل ما يلزم للحفاظ عليها، وولى عليها الإمام علي ليستكمل مهامه من التعليم والتزكية مع المسلمين الجدد، وكانوا هم الأغلبية الساحقة.

ولكن القرشيين أرادوا أمرًا آخر، أرادوا استثمار الأمر لفرض السيادة القرشية الصارمة على الأعراب، وهذا ما تبين بكل جلاء عندما لم يعيروا لما حدث في الغدير اهتماما، وعندما تسببوا في منع الرسول من كتابة كتاب للأمة لا تضل بعده أبدا.

والرسول باعتباره العبد المحض لله كان يتصرف في حدود مهامه المنوطة به، فلقد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وأشهدهم على ذلك فشهدوا، وحذرهم من أن يرجعوا بعده كفارا يضرب بعضهم رقاب بعض ففعلوا وضربوا، فأقاموا الحجج على أنفسهم بأنفسهم.

ولكنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ حاول أن يبعد رؤوس القرشيين عن مسرح الأحداث أثناء مرض رحيله، فعينهم جنودًا تحت إمرة الفتى أسامة بن زيد ذي السبعة عشر ربيعا، في الجيش الذاهب إلى الشام، وحذر من تخلف الجيش عن الانطلاق، ولن من تخلف، لكنهم تخلفوا، ومن معسكر الجيش فروا.

ثم كانت مهزلة السقيفة، وما حدث فيها من تلاسن، واعتداء على سيد الأنصار الخزرج، ومبايعة لأبي بكر، مع وعد زائف مكذوب باتخاذ وزراء من الأنصار.

وهكذا نجح المخطط القرشي، وأحدثوا للمتغلب القرشي لقب خليفة رسول الله، وهو لقب غير شرعي، وإنما أراد الحاكم القرشي أن يعطي لنفسه كل سلطات الرسول على الناس، وهو ليس لديه ما يلزم حتى لاستكمال مهامه.

هل سمعتم أن أحدًا من خلفاء قريش الثلاثة حاول نشر العلوم الدينية أو عهد إلى هيئة أو لجنة بذلك؟!

بل إن خلفاء قريش تصدوا لأي سعي لتعليم الناس أمور دينها.

ويجب هنا التمييز بين أمرين:

1. إحداث كتاب ديني يكون صنوًا للقرءان الكريم، وهذا ما منعه الخلفاء وكانوا محقين فيه، ولكن قرارهم هذا تسبب من بعد في كوارث، فقد أحدث الناس بعد فوات الأوان كتبًا دينية، بل جعلوها حاكمة وقاضية على كتاب الله، ويتبجح سفهاؤهم الآن بأنها مصدر جل الدين!

2. تدوين كل ما يتعلق بالعصر النبوي تدوينًا موثقًا، وهذا ما تصدوا له فكانت الكوارث.

ومن العجيب أن يتخذ المشركون من أفعال من عصوا الرسول سننًا دينية واجبة الاتباع!!! والحق أن كل وسيلة اتبعها القرشيون لاختيار القائم على الأمر هي سنة إبليسية يجب اجتنابها!

أما من زعموا أن الرسول كان يريد تأسيس دولة فهم كفار قريش وأتباع الأديان التي حلت محل الإسلام، وأتباع التنظيمات الإجرامية والدواعش وأعداء الإسلام من الغربيين، وشرذمة لا يُعتد بها من غثاء السيل، وإن كان عددهم أكثر من مليار ونصف مليار شخص.

لكل ذلك فالسؤال "ما شكل الدولة في الإسلام؟" لا يعني أي شيء أصلا! وهو أشبه بالسؤال "ما هو شكل البيت في الإسلام؟"

الإسلام يتحدث عن منظومات قيم وسنن يجب أن يلتزم بها أي كيان إنساني، ولا يحدد أي شكل لهيئة القائمين على الأمر في هذا الكيان.

*******

1

1.png