نظرات في التاريخ العام

من النظرات في تاريخ أهل القرن الأول

الجدول

  1. أسس الرسول أمة خيرة تتكون من بضعة آلاف من المهاجرين والأنصار، كان عدد محدود منهم يستظهر القرءان كله، هذا الاستظهار لا يعني بالضرورة أن صاحبه قد اكتسب عصمة ملائكية، أو أنه أصبح من السابقين الأولين، ولكن كان يحفظ كل سورة العدد اللازم لحفظ القرءان.

  2. ولقد ذكر الله تعالى له أنه هو الذي ألَّف بين قلوبهم من أجله؛ أي من أجل انتصار الرسالة، وأن هذا الأمر لم يكن ممكنًا، ولو أنفق ما في الأرض جميعًا، وهذا يكشف الحالة الحقيقية لهؤلاء القوم، وأن العصبية القبلية كانت متجذرة في قلوبهم بطريقة بشعة مهلكة، وأنها كانت تعلو في نفوسهم على قيم الدين ومثله، ويكفي تذكر موقف قادة معركة الجمل من الإمام علي وأبنائه للدلالة على ذلك.

  3. أما باقي من أسلموا من الأعراب فقد كان أكثر من مائة ألف، هؤلاء أسلموا، ولم يؤمنوا، ولم يهاجروا، وقد كان الرسول يتمنى أن يستكمل مهامه معهم وليُّ أمر الأمة من بعده، وأقربهم إليه على كافة المستويات، وخاصة المستوى الجوهري، لذلك أعلن عليهم القول "من كنت مولاه، فعلي مولاه"، وكان قد أعلن من قبل أنه منه كهارون من موسى، وأنه منه كنفسه، وقد أشار القرءان إلى ذلك في آية المباهلة.

  4. ولم يؤسس الرسول دولة بأي مفهوم قديم أو معاصر، فذلك متنافٍ تماما مع مهامه، ومع سمات الدين العالمي الخاتم، ولكنه كان يعلم أنه لا مفرّ من أن تتحول الأمة إلى دولة، ولذلك اجتهد، رحمة بالناس، لاتخاذ ما يلزم لكي يضمن للإمام عليّ رئاسة هذه الدولة إذا تحتم قيامها، وهذا أمرٌ خارج نطاق الرسالة، ولذلك لم يذكره صراحة، ولم يشأ أن يحملهم عليه، لقد كان العبد المحض لله، وقد كان يعلم أنه لا مفرّ من أن يتفرقوا وأن يذوق بعضهم بأس بعض.

  5. وتجربة تولي الإمام علي الخلافة تثبت أنه لا جدوى من المثاليات والاعتصام بالقيم العليا لتصريف أمور أمة من البشر في الحالة العادية، فالسنن تقتضي أنه لا يصلح لذلك إلا من يمثل أو يقترب من المتوسط العام لهم، وأنه من العسير أن يتأقلموا مع من يتفوق عليهم تفوقًا هائلا، وأنه لن يثبت مع الحق إلى النهاية إلا فئة قليلة جدا، فأهل الحق هم في الأحوال الطبيعية قلة من قلة من قلة، لن تستطيع فرض كلمتها على الحشود الهائلة والتيار الجارف من عبيد الدنيا، وأن هذه المحاولة أمام باطل راسخ ومتشبث بمكاسبه لن يترتب عليها إلا المزيد من سفك الدماء، وتقوية معسكر الباطل بانضمام الموتورين الجدد والطامعين الجدد إليه.

  6. أما تجربة الإمام الحسن مع القوم فتثبت أن هؤلاء المذبذبين قد يستبد بهم الحماس الوقتي، ولكنهم سرعان ما يتهاوون ويخلدون إلى الأرض، ويتخلون عن إمامهم ويسلمونه إلى أعدائه، كما تثبت أنه حتى بمهادنة الباطل حقنًا للدماء فإن الباطل لا يرضى إلا باستئصال الحق.

  7. أما تجربة الإمام الحسين فتثبت أنه لا جدوى من التعويل على من سبق أن خذلوا الحق واستكانوا إلى الباطل، وأن الباطل يكتسب بالتقادم المزيد من الجرأة والوحشية والدموية، وأن المتخاذلين القدامى والجبناء أشدّ خطرا على الصفوة الأخيار من أهل الباطل الصرحاء.

  8. وقد يظن الناس أن معاوية قد حقق أهدافه، لم يحقق هذا الصحابي الشيطاني الجليل والإمام المقدس للدين السني إلا أهداف سيده الشيطان، لقد كان يودّ أن يعلو ذكره فوق ذكر (أخي هاشم) بأن يظل الملك في الذرية المعاوية إلى قيام الساعة، كان يتعذب عذابًا أليمًا بسماع اسم الرسول كل يوم في الأذان خمس مرات، ولكنه كان يعلم جيدًا أنه لا يستطيع المغامرة بمنع ذلك.

  9. لم يحقق معاوية هدفه الأكبر، ولم يحكم ابنه اللعين إلا أقل من أربعة سنوات، وتبرأ حفيده معاوية الثاني منهما معا، ورفض أن يخلفهما، وبذلك خسر الشيطان الأموي نفسه في سبيل الشيطان وغيره، وسيقوم الشيطان الأموي الجديد بالتنكيل بذريته!

  10. ثار الناس ضد الأمويين، وأوشكت مملكتهم أن تنهار، ولكن وجد حزب الشيطان بغيته في مضروب القفا مروان بن الوزغة الحكم طريد رسول الله.

  11. بدأ هذا المضروب بالقضاء على الكثير من أنصار أسرة معاوية، وعندما فرق شملهم وشتت جمعهم وحُملت رؤوسهم إليه، زحف بجيشه إلى مصر وأخذها من الزبيريين.

  12. عندما تولى عبد الملك ابن مروان استولى على العراق القريب منه وقطع جيشه رأس مصعب بن الزبير واليه الزبيري، وبذلك أصبحت أغنى البلدان، مصر والعراق، في حوزته، بينما كان الحجاز في حوزة عبد الله بن الزبير، لم يكن لدى الداهية عبد الملك ابن مروان ما يغريه بمحاولة غزو الحجاز فموارده قليلة وسكانه صانعو متاعب Trouble makers، وكان مركز صناعة المرويات الشامي قد جعل من الشام أرضًا مقدسة، وأرض المحشر، فشرع هو في استكمال المسيرة بإعداد بديل عن المسجد الحرام والكعبة، فبدأ بناء المسجد الأقصى وقبة الصخرة.

  13. ولكن واليه ويده الباطشة الحجاج الثقفي كان يغيظه ويستفزه وجود هذا الصحابي الجليل ابن الزبير المفتون بنفسه، فرأى في المنام أنه يذبحه ويسلخه، كان يريد أن يستمتع بتحقيق ذلك واقعيا، طلب من سيده السماح بغزو الحجاز والقضاء عليه.

  14. أخذ فرقة صغيرة من الجنود مع منجنيق، وحاصر بن الزبير، بدأ الناس ينفضون من حوله، حتى تخلى عنه ابناه، كان يمكن للحجاج أن يتركه ليموت جوعًا، ولكنه أبى إلا أن يشفي غليله، فهدم الكعبة فوق رأسه.

  15. حُزّ رأس ابن الزبير، وأُرسِل إلى عبد الملك بن مروان، وصلب الحجاج بدنه مُنكّسًا عند الحجون بمكة، فما زال مصلوبًا، حتى مر به عبد الله بن عمر ثم بعث للحجاج قائلا: "أما آن لهذا الراكب أن ينزل؟ فأُنزل ودُفن هناك، بعد أن صلى عليه أخوه عروة، وأمه يومئذ حَيّة، ثم توفيت بعد ذلك بأشهر بالمدينة، وأمه هذه هي السيدة أسماء؛ أخت السيدة عائشة، عاشت لترى آثار ما فعلته أختها ونتائجه!    

1

1.png