04

نسبة (السنة) إلى القرءان

قالوا: ((أما نسبة (السنة) إلى القرءان، من جهة الاحتجاج بها والرجوع إليها لاستنباط الأحكام الشرعية، فهي في المرتبة التالية له بحيث أن المجتهد لا يرجع إلى (السنة) للبحث عن واقعة إلا إذا لم يجد في القرءان حكم ما أراد معرفة حكمه، لأن القرءان أصل التشريع ومصدره الأول، فإذا نص على حكم اتبع، وإذا لم ينص على حكم الواقعة رجع إلى السنة فإن وجد فيها حكمه اتبع)).

وهكذا هم دائما، يقولون إن القرءان أصل التشريع ومصدره الأول، أما عمليا فدينهم مأخوذٌ أكثره مما نسبوه إلى الرسول في كتب المرويات، وهم لا ينكرون ذلك بل يفخرون به، ويتبجحون به، ومنها أخذوا هيكل وبنيان الدين والتشريعات، ومن كلام أسلافهم أخذوا المقاصد.

وكان يجب القول بأن القرءان هو أصل الدين ومصدره الأول، فكلمة "التشريع" أصبحت لا تعني عندهم إلا الأحكام العملية من طقوس ومعاملات وعقوبات.

وقولهم "المجتهد لا يرجع إلى (السنة) للبحث عن واقعة إلا إذا لم يجد في القرءان حكم ما أراد معرفة حكمه" يوضح حقيقة نظرتهم إلى الدين، فهو عندهم يكاد يكون مدونة قانونية للمعاملات وللحكم في المسائل (الفقهية) والخلافات بين الناس في المسائل الجزئية.

وهذا القول منهم هو مجرد زعم أو ادعاء، ذلك لأنه حتى وإن كان الحكم منصوصًا عليه في القرءان فإنهم سيأخذون بالحكم الوارد بالمرويات وإن اختلف عن الحكم القرءاني، وذلك اتساقًا مع أساس دينهم الذي جهر بعضهم به، بينما لم يجرؤ آخرون على مثل هذا الجهر وإن التزموا تمامًا به، وهو: "السنة حاكمة وقاضية على القرءان وناسخة له عند التعارض"، أما الأساس الذي هو أعلى من ذلك، وهم يأخذون به علموا بذلك أم جهلوا فهو أن ما يسمونه بالسنة هو المصدر الأعلى والأكبر في الدين، ولا يؤخذ من القرءان إلا ما يتسق معها، أما باقي القرءان فيُتلى للتبرك والحصول على حسنات التلاوة.

*****

قالوا: ((إن (السنة) إما أن تكون سنة مقررة ومؤكدة حكمًا جاء في القرءان، فيكون الحكم له مصدران وعليه دليلان: دليل مثبت من آيات القرءان، ودليل مؤيد من سنة الرسول، ومن هذه الأحكام الأمر بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت، والنهي عن: الشرك بالله، عقوق الوالدين، قتل النفس بغير حق، شهادة الزور، ... الخ، وغير ذلك من المأمورات والمنهيات التي دلت عليها آيات القرءان وأيدها سنة الرسول، ويقام الدليل عليها منهما)).

هذا النوع من الآثار علامة صحته ومصداقيته أن يمكن الاستغناء عنه بالقرءان، وقد صدرت أصوله عن الرسول ليبين لقومه أمور القرءان بلسانٍ أقرب إلى لسانهم، وكذلك ليجمع لهم في حديث واحد ما ورد في القرءان موزعا على السور، وكذلك ليخبرهم بالقول القرءاني المستخلص من آياته العديدة، فهو الذي تلقى القرءان في قلبه وهو بالضرورة أعلم خلق الله به، ولم يكن لكل فردٍ من قومه علم بكل ما نزل من القرءان، ومن المعلوم أن الرسول كان مرسلا إلى قومه خاصة وإلى الناس كافة، فكثير من أقواله كانت من حيث ذلك؛ أي موجهة إلى قومه بصفة خاصة، هذا بالإضافة إلى أنه كان من مهامه تعليمهم وتزكيتهم.

وطالما ورد الحكم في القرءان فلا وجه للبحث عنه في الآثار، فخطاب الرسول في مثل هذه الأمور إنما كان موجهًا إلى قومه بحكم أنه كان مرسلًا إليهم بصفة خاصة بالإضافة إلى رسالته العامة، ويُلاحظ أنهم هاهنا يتناقضون مع أنفسهم في قولهم السابق، وهو: ((أما نسبة (السنة) إلى القرءان، من جهة الاحتجاج بها والرجوع إليها لاستنباط الأحكام الشرعية، فهي في المرتبة التالية له بحيث أن المجتهد لا يرجع إلى (السنة) للبحث عن واقعة إلا إذا لم يجد في القرءان حكم ما أراد معرفة حكمه، لأن القرءان أصل التشريع ومصدره الأول، فإذا نص على حكم اتبع، وإذا لم ينص على حكم الواقعة رجع إلى السنة فإن وجد فيها حكمه اتبع)).

*****

قالوا: ((إن (السنة) إما أن تكون مفصلِّة ومفسِّرة لما جاء في القرءان مجملا، أو مقيِّدة ما جاء فيه مطلقا، أو مخصِّصَة ما جاء فيه عاما، فيكون هذا التفسير أو التقييد أو التخصيص الذي وردت به السنة تبيينا للمراد، فمن الذي جاء في القرءان لأن الله سبحانه منح رسوله حق التبيين لنصوص القرءان، ومن هذا السنن التي فصلت إقامة الصلاة، وحج البيت، لأن القرءان أمر بإقامة الصلاة، وحج البيت، ولم يفصل عدد ركعات الصلاة)).

وصف الله تعالى كتابه بأنه مبين ومبيِّن وتبيان لكل شيء، كما ذكر أنه مفصَّل على علم وأنه أُنزل مفصلا، ويجب على كل مؤمن الإيمان الحقيقي بكل ما ذكره القرءان والعمل بمقتضى ذلك، والرسول كان مأمورا بأن يبين للناس آيات القرءان بتلاوته عليهم، فيخرجه بذلك من بطون إلى ظهور، وكان مأمورا بأن يبين لهم ما نزِّل إليهم بما أُنزل إليهم؛ أي بالقرءان نفسه، قال تعالى: 

{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44)} النحل.

ومن البديهي أن الرسول كان يعلمهم آيات الكتاب وأن يعطي الإجابة لأسئلتهم عندما يكون ذلك لازما ونافعا لهم، وطبقا لما سبق بيانه فقد كان كل ذلك من وحي القرءان ومن استعمال منهجه، وعندما كان الرسول يدرك أنه آن أوان نزول آيات تتضمن نصوصا قرءانية خاصة بما يسألون عنه فقد كان ينتظر هذا النزول.

أما أشكال العبادات العملية مثل كيفية أداء الصلاة وبعض تفاصيل الحج فقد سبق الحديث عنها، وهي منقولة بالتواتر الحقيقي، ولا مشكلة في أن يكون الرسول قد اختار لهم بعض أذكار وكيفيات إقامة الصلاة، فقد كان مفوضًا في اختيار بعض تفاصيل العبادات، فاختار الأيسر لأمته.

عدد المنشورات الفرعية : 65