الإنسان كميزان

إن الاسم الرحمن الذي خلق الإنسان هو الذي وضع الميزان، لذلك فثمة ارتباط محكم بين حقيقة الإنسان ووظيفة الميزان، فالإنسان هو حقًّا أداة التقدير والتمييز الأساسية، فبه يتميز عالم الغيب عن عالم الشهادة والماضي عن الحاضر والدنيا عن الآخرة، كما أن به تتميز وتظهر كثير من التصورات والمفاهيم مثل الحرارة والبرودة والألوان المتعددة والروائح كما يمكن بيانها أي التعبير عنها.

وقد يقول قائل إن الاختلاف بين الحرارة والبرودة ليس اختلافًا كيفيا بل هو اختلاف كمي، فهو مجرد اختلاف في سرعة حركة الجزئيات وهذا ليس بصحيح، فإن اكتشاف سبب الإحساس بالحرارة أو اكتشاف الأسباب المؤدية إلى إحساسٍ ما لدي الإنسان لا ينفي موضوعية هذا الإحساس ولا المفهوم الوجداني الذي يستعمله الإنسان للدلالة عليه، فمعرفة أسباب المظاهر أو الظواهر لا ينفي أهمية وموضوعية تلك المظاهر، وبالمثل فإن معرفة أن اختلاف الألوان لدي الإنسان يرجع إلى اختلاف الأطوال الموجية للأشعة الضوئية لا يعني أكثر من بيان سبب واحد من أسباب الاختلاف، وهذا لا ينفي الأهمية البالغة لصور الأشياء كما تبدو للإنسان ولا ينفي أن كل الأمور قد قدِّرت من قبل كما قدرت أو صممت ملكات وحواس الإنسان ومداها وقدراتها لتبدو له الأشياء هكذا، كذلك فإن القول بذاتية الإحساس لا تنفي موضوعيته ولا حقانيته بالنسبة لصاحبه وإنما يبين طبيعته، كما أن اختلاف طبيعة الأحاسيس أو الأمور الوجدانية عن طبيعة الكيانات المادية لا ينفي تلك الموضوعية.

*******

عدد المنشورات الفرعية : 65

عدد المنشورات : 458