من فقه تاريخ القرن الأول

الأمة عوجلت، ثم غُلِبت على أمرها، في نهاية العصر النبوي كان السابقون الأولون قلة وسط محيط هادر من الأعراب الذين أسلموا، ولما يؤمنوا، كانت أمنية الرسول أن يتولى أمر الأمة الدينية خليفته وهارون الأمة حتى يستكمل مهامه في تعليم وتزكية هؤلاء، وأن يستكمل ذلك أئمة من بعده، وبذلك يتم ترسيخ دين الحق والتمكين له.

ولكن القرشيين لم يفقهوا أبدًا روح الدين ولا عالمية الإسلام، كانوا يظنون أن الأمر شرف لقريش، حظي به بنو هاشم أولا، ويجب أن يكون دولة في غيرهم من بطون قريش من بعد الرسول.

ولقد قال الله لرسوله: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيم} [التوبة:103]

فهذا كان حقًّا للرسول من حيث إنه الرسول، الذي له الصلاة المثمرة والذي أعطاه ربه إمكانات تطهير وتزكية الناس، وكانت هذه الأموال -على أية حال- تؤخذ من أغنيائهم، وتُردّ على فقرائهم.

ولكن أبا بكر تصور أن أخذ الصدقات هو حق له لمجرد أن من حضروا السقيفة قد بايعوه، فهو لم يكن يدري حدود سلطاته بمقتضى هذه البيعة! فتصور أن له على الناس حق الرسول عليهم، واعتبر امتناع بعض القبائل عن دفع الصدقة له ردة عن الإسلام تستوجب شن حروب دموية شعواء عليهم، فضلًا عن كونه تمردا على سلطة قريش، فألقى بالأمة في أتون حربٍ دامية ضروس هلك فيها عدد كبير من السابقين الأولين، ومن حفظة القرءان الكريم.

ومن قبل أن يفيق الناس من أهوال هذه الحروب قذف بهم في وجه فارس والروم، في حروب حرصوا على أن يكون قادتها من قريش، وهكذا فرضت نتائج الحروب واقعًا جديدا، بل دينًا جديدا، حاول بقايا السابقين الأولين المقاومة، ولكن كان عددهم بالطبع قليلا، وسط محيط هادر من الأعراب الذين أسكرتهم الغنائم الهائلة التي ظفروا بها.

أما أهل الحق فأخذت نسبتهم العامة تتناقص، وكانت أكثر جيوشهم من الناقمين على التسلط القرشي، وليس المدافعين عن دين الحق، أو من الفوضويين المتعصبين، فلم يشكلوا قوة يمكن الاعتماد عليها أو الوثوق بها.

لذلك أصبح الأمر محسومًا لصالح الدولة القرشية، ثم لصالح الأمويين، وهم أفسق بطونها وأكثرها عهرا ودهاءً وازدراء للدين وقيمه، كانت قوة الأمويين مستمدة من أجلاف الأعراب ومن رجال الدولة البيزنطية العميقة من نصارى الشام.

كان من الطبيعي ألا تقبل بذلك بطون قريش الأخرى، استمرت الثورات ضدهم إلى أن سقطوا تحت أقدام العباسيين وأنصارهم من الفرس.

ومن الواضح أنه طوال العهد الأموي ظل الباب مفتوحًا لكل من أراد أن يلقي في الدين ما يشاء، ولم يقصر شياطين الإنس في اهتبال الفرصة، وهكذا ظهرت الأديان التي حلت محل الإسلام.

لم ينجُ من شرهم إلا القرءان الكريم، ولقد حاولوا أيام الأموي عثمان بن عفان ومعاوية أن يحذفوا حرف الواو من الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيم} [التوبة:34] وذلك لجعل عقوبة الكنز والامتناع عن الإنفاق تنطبق فقط على الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ فتصدى لهم أولو البقية من السابقين، فآثروا ألا يغامروا بما لديهم من سلطان وأن يبحثوا عن سبل أخرى لتهميش القرءان، فوجدوها!

*******

عدد المنشورات الفرعية : 63

عدد المنشورات : 412