16a

من منهجنا لاستخلاص الأمور الدينية1

أساس منهجنا الأصولي اللغوي هو الحلقة "النصّ-المعنى-المقتضى"

والنصّ The textهو القرءان نفسه أو أي آية من آياته أو مجموعة من آياته، ووحدته المعنوية هي الجملة القرءانية، فهي التي تعطي بذاتها معنى كاملا، مثل الجملة النحوية.

وهذا النص له صورة مسموعة، وصورة مكتوبة أو مرقومة.

والعلم بالنص يكون عن طريق إحدى صورتيه، هذا العلم هو الذي يسبب في نفس مَنْ علِمه سلسلة من المفاهيم المتدرجة من حيث الظهور أو الخفاء

ومن وحدات النصّ الجملة القرءانية بالمفهوم العام الكبير، وهي تتكون مما ورد في كل الآيات القرءانية التي تذكر شيئا عن المسألة قيد البحث، وهذه الجملة قد تكون جملة (بالمفهوم النحوي) من آية من آياته، وقد تكون مجموعة جمل من آيات من نفس السورة، وقد تكون مجموعة جمل من آيات موزعة على سور عديدة، ولذلك قد تكون إحدى الجمل من مكونات جمل أخرى عديدة، وقد تتضمن هي مجموعة من الجمل.

ويعبر عن ذلك أيضًا بالسياقات الآتية:

1. الآية القرءانية

2. السياق القريب؛ وهو الآية أو مجموعة الآيات التي تتضمن الجملة القرءانية التي تتحدث عن المسألة أو الموضوع محل النظر.

3. السياق المعنوي؛ وهو كل الآيات التي يرد فيها ذكر شيء عن المسألة أو الموضوع محل النظر، السياق القرءاني كله، هذا السياق يتضمن كل ما هو ثابت بالقرءان، إما بالنص الصريح، وإما بالاستخلاص من النصوص.

ولكل جملة قرءانية (بالمفهوم العام الكبير) معنى أو أكثر، وتتدرج هذه المعاني من حيث الظهور والخفاء، فأشدها ظهورا هو المعنى الذي يتبادر إلى ذهن من يجيد اللسان العربي، وهو المعنى الأولي، ثم يزداد خفاء المعاني ويقل عدد من لديهم القدرة على إدراكها، هذه المعاني هي المعاني الثانوية، فإدراك المعاني الأخفى لنصوص القرءان يتناسب مع درجة الرقي الجوهري للإنسان، أما تبيين هذه المعاني للناس فهو يستلزم رقي ملكة البيان، ومن هنا كانت أهمية أولي الألباب لأنفسهم وللناس.

وقد نسمي المعاني الثانوية وغير المباشرة بفحوى الآية أو الجملة أو العبارة القرءانية، ويغني ذلك عن مفهوم الموافقة الذي يحاولون استعماله لإثبات أحكام هي ثابتة أصلا بنص آيات القرءان.

وكذلك نستعمل كلمة إشارة للدلالة على معاني الآيات البعيدة أو الخفية، ولا علاقة لذلك بتعريف دلالة الإشارة عندهم.

والمعاني الأولية قد تكون ظاهرة، وقد تكون محكمة.

أما البنيان اللغوي لكل آيات القرءان فهم محكم، فالقرءان هو كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِير.

وإدراك المعاني القرءانية يستلزم إجادة التعامل مع القرءان وفق المنهج القرءاني، ولكن ذلك يستلزم بدوره إدراك مسبق للمعاني القرءانية، ولكن ذلك ليس دورًا، وإنما هو حلقة صاعدة ترقى بالإنسان، وتتحقق بذلك مقاصده، وهي مقتضى الحلقة الإلهية "الحكيم العليم-العليم-العليم الحكيم-الحكيم"، فالأمور الوجودية حلقية، وليست خطية، وهي بالنسبة إلى الذين أنعم الله عليهم حلقية صاعدة، ذلك لأن مقصدهم هو العلي الكبير المتعالي الذي له الكمال المطلق، فهم يسبحون في فلكه، ويسبحون بحمده ويعرجون إليه.

ولا ريب أنه برقي الإنسان يمكن أن يرى في نفسه أنه بدأ يدرك من المعاني من نفس العبارات القرءانية ما كان يخفى عليه من قبل، وذلك صحيح أيضًا بالنسبة للكيان الإنساني العام.

وكل معنى قرءاني يقتضي من الإنسان أمرًا، وكل أمرٍ من هذه المقتضيات هو أمر ديني، والأمر الديني يستلزم فعلا بالمفهوم العام للفعل، فهذا الفعل يكون من أفعال القلوب الذي تصدقه أفعال الجوارح.

فالعلم بخبرٍ أو نبأٍ قرءاني هو فعل قلبي، وهو يقتضي من الإنسان الإيمان به، وهذا فعلٌ قلبي آخر، وهذا الفعل يقتضي أفعالا من الإنسان بجسمه في عالمه الدنيوي المشهود.

ومن الأفعال القلبية: التقوى، الحبّ، الإخلاص لله، الولاء لله....

وهناك أفعال قلبية ذهنية: الفكر، الفقه، التدبر، العقل، الفهم ....

فالإنسان بعمله بمقتضى الأمر القرءاني يبدأ في التزكي على المستوى الجوهري، فيتزكى فقهه وعقله وإدراكه، فيعود إلى النصّ القرءاني مزودا بما اكتسبه من التزكي فيزداد علمًا بمعانيه ومقتضياته، وهكذا تستمر الحلقة الصاعدة، ويظل يعرج إلى ربه، مسبحًا بحمده.

وخطأ السلف (بصفة عامة) هو في إصرارهم على جعل الأمور الكونية خطية، لذلك تكونت لديهم مفاهيم خاطئة عن الأزل، والقدر، ومصير الإنسان وعن بداية الكائنات وعن السببية ... الخ.

وخطأ السلف أيضًا هو في إصرارهم على الاستبعاد العملي للأمور الوجدانية من الدين بالقول بأنها غير منضبطة، وغير ظاهرة، ولا تترتب عليها أحكام، وهذا بسبب اختزالهم الدين إلى مجرد مدونة قانونية.

أما خطأ الخلف فهو في إصرارهم على اتباع طريق السلف مهما تبين خطؤه ومحدوديته وبدائيته.

واشترك الجميع في اقتراف خطأ رفض تدبر الرسالات الإلهية المرسلة إليهم لترقى بهم.

ويتصف منهج السلف في دلالات الألفاظ والبحوث ذات الصلة بالفقر الشديد، والطنطنة قليلة الجدوى، ويمكن لكل إنسان أن يتحقق من ذلك بنفسه، فكل قواعدهم لا تصلح للتطبيق إلا على عدد محدود من أجزاء مقتطعة من آيات الأحكام، وهم لم يقدموا للناس شيئا يُعتد به من نتائج أبحاثهم بالنسبة للآيات الأخرى، وهي بضعة آلاف من الآيات.

مثال:

قال تعالى:

{فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ .....} [البقرة:152]

ما هي نتيجة تطبيق قواعدهم الأصولية على هذه الجملة؟ وهل خطر ببال أحدهم حقًّا أن يحاول تطبيق قواعدهم ومصطلحاتهم أصلا هاهنا؟!

نتائج منهجنا:

النص هو: 

{فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ}

هذا النص يمكن أن يراه الإنسان مكتوبًا، ويمكن أن يسمع أصواتًا تعبر عنه، فيعلمه، هذا النص ثابت ومحفوظ، ومحكم.

وهذا النصّ هو جملة قرءانية تامة، يمكن إدراك معانيها ومقتضياتها من ذاتها، وكذلك من سياقها المعنوي ومن السياق القرءاني، وكذلك مما هو معلوم مسبقًا من عناصر دين الحقّ.

المعنى الأولي المباشر: المسلم مأمور أمرا كبيرا قويا مؤكدا بأن يذكر الله، ومن يذكر الله يذكره.

هذا المعنى ظاهر، ومحكم.

المقتضى، وهو ما تقتضيه الجملة من الإنسان، أي ما تلزمه به: أن يؤمن بالصدق المطلق لما تذكره الآية وأن الثمرة أو جواب الشرط سيتحقق بتحقق الشرط.

أن يذكر الإنسان ربه بكل صورة ممكنة من صور الذكر بقدر وسعه.

وذلك يعني أن يجعل الإنسان ربه بباله، فلا يغفل عن ذكره، ولا ينسى حضوره.

ولكي يتحقق الإنسان بذلك ويذكر ربه يجب أن يوطن نفسه على ذكره بأن يردد بلسانه وبحضور قلبه ما يعلمه عنه، وأن يصطبر على ذلك.

وعلى رأس ما يجب أن يعلمه عن ربه أسماؤه الحسنى.

وفي القرءان صيغ كثيرة لذكر الله، وعلى رأسها ذكر الأسماء الحسنى والدعاء بها والتسبيح والتحميد، وهناك صيغ عديدة جرت على ألسنة المصطفين الأخيار من عباد الله الصالحين، وقد ذكرها القرءان.

معانٍ تالية: ذكر الله تعالى لذاكره هو ذكر خاص يترتب عليه تزكية الكيان الإنسان الجوهري، فالله تعالى لا ينسى شيئا مما خلقه أصلا.

*****

النص يشير إلى المعاني، هناك معانٍ يدركها ذو السليقة العربية بمجرد علمه بالنص، أي إذا سمعه أو رآه مكتوبًا، هذا هو المعنى الأولي المباشر، ونسميه نحن بالمعنى الظاهر أو المحكم، حسب قوة ظهوره، والجمهور يسمونه بالمنطوق.

وهناك معانٍ تالية يثيرها النص والمعنى الأولي في نفس الذي علم النص ونظر فيه وتدبره، هي المعاني الثانوية، وقد نسميها بفحوى النصّ أو فحوى الآية أو الآيات.

وقد اختلفوا في تسميتها ومن الأسماء التي قالوا بها: المنطوق عير الصريح، فحوى الخطاب، ... الخ.

*****

والمعاني الثانوية أو التالية تكون مترتبة على ما سبقها من المعاني الأولية والثانوية الأخرى، هذا فضلا عما لدى المتلقي من العلوم.

ويجب هاهنا التأكيد على أن لله تعالى منظومة أسماء الحكمة، ومنها الأسماء الواردة في حلقة الحكمة "الحكيم العليم-العليم-العليم الحكيم-الحكيم".

لذلك فكتابه حكيم، والحكمة سارية في آياته، ومن تجلياتها وجود مقاصد لآياته وأوامره.

والمقصد قد يتبين من الجملة ومن السياق القريب، وقد تلزم سياقات أكبر، وعلى سبيل المثال فالمقصد القريب من قوله تعالى 

{وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}

 هو بالأصالة تبيين حكم الربا وتبشيع فعل المرابي وتوعده حتى ينتهي الناس عنه، وليس الرد على من سووا بينهما، فقولهم لم يكن إلا مناسبة تنزيل، أما المقصد الأكبر فهو بناء الأمة الخيرة الصالحة، فالآية تقول:

{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون} [البقرة:275]

والمقتضى من الإنسان الكفّ عن إقراض الناس بالربا بغية مضاعفة أمواله، وأن يقرضهم قرضًا حسنًا لا يأخذ منه إلا رأسماله الأصلي بقيمته الحقيقية، وكل ذلك يتبين من الجملة القرءانية الكبرى التي تتضمن كل الآيات ذات الصلة بمسألة أو بموضوع الربا.

ومقتضى العبارة هو ما يجب تقديره من لفظ لازم لكي تعطي العبارة معناها، وبذلك تكون الدلالة واحدة من الدلالات المذكورة، وهذا اللفظ الواجب تقديره يكون واضحا من السياق والفقه القرءاني والإنساني.

وبعد تقدير هذا اللفظ تصبح العبارة دالة على معانٍ وفقًا لواحد من الأنواع المذكورة.

*****

مقتضى العبارة باصطلاحهم هو ما يجب تقديره من لفظ لازم لكي تعطي العبارة معناها، وبذلك تكون الدلالة واحدة من الدلالات المذكورة، وهذا اللفظ الواجب تقديره يكون واضحا من السياق والفقه القرءاني والإنساني.

فما يسمونه بدلالة الاقتضاء لا يجوز أن يدرج كدلالة مستقلة، فاللفظ المقتضى تقديره في العبارة هو خطوة أولى لازمة يمكن بعدها تصنيف الدلالة لتكون واحدة من الدلالات الأخرى.

أما مقتضى النص ذاته طبقًا لمنهجنا فهو ما يستلزمه النص من المخاطَب به، فهو الأمر الديني نفسه، هذا الأمر يشمل المعنى والحُكم والعلم (المعلومة)، فمقتضى النص: 

{وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيم} [الشعراء:217] 

هو أن يؤمن الإنسان بأن ربه هو الْعَزِيز الرَّحِيم، وأن يتوكل على الْعَزِيزِ الرَّحِيم بكل ما يعنيه التوكل من معنى.

والمقصود بكافة السياقات أن الأمر بالتوكل قد يأتي في آيات عديدة، فيجب العلم بها والعمل بها كلها، فهذه السياقات تشكل الجملة القرءانية بمفهومها العام الكبير.

فما يسمونه بدلالة الاقتضاء لا يجوز أن يدرج كدلالة مستقلة، فاللفظ المقتضى تقديره في العبارة هو خطوة أولى لازمة يمكن بعدها تصنيف الدلالة لتكون واحدة من الدلالات الأخرى.

فمقتضى النص ذاته هو ما يستلزمه النص من المخاطَب به، فهو الأمر الديني نفسه، هذا الأمر يشمل المعنى والحُكم والعلم (المعلومة)، فمقتضى النص: 

{وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيم} [الشعراء:217] 

هو أن يتوكل الإنسان على الْعَزِيزِ الرَّحِيم بكل ما يعنيه التوكل من معنى.

والأمر بالتوكل قد يأتي في آيات عديدة، فيجب العلم بها والعمل بها كلها، فهذه الآيات تشكل الجملة القرءانية بمفهومها العام الكبير، هذه الآيات منها:

{...وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلا}[النساء:81]، {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ فَإِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيم}[الأنفال:49]، {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم} [الأنفال:61]، {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم}[هود:56] وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيب} [هود:88]، {وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون}[هود:123]

{إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُون} [يوسف:67]، {كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِيَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَـنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَاب}[الرعد:30]، {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا} [الفرقان:58]، {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِين}[النمل:79] وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً}[الأحزاب:48] قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُون} [الزمر:38]، {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيب} [الشورى:10]، {رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِير} [الممتحنة:4]، {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا}[الطلاق:3]

فيجب أن يعلم الإنسان أن القيام بالأمر بالتوكل مقترن بذكر أسماء إلهية مذكورة في آيات التوكل، وأنه لكي يقوم بهذا الأمر يجب عليه العلم بمعاني الآيات التي ورد فيها الأمر وفقهها والعمل بمقتضياتها.

واللفظ عندنا هو كل الآيات القرءانية ذات الصلة بالمسألة المنظور فيها، واسمه عندنا هو النصّ، والمفهوم هو المعنى المتكامل للعبارة القرءانية الممتدة، وهذا المعنى يجب التوصل إليه بالنظر إلى العبارة في سياقها الخاص، وهو الآية القرءانية كاملة، وفي سياقها الأوسط وهو مجموعة العبارات المحيطة بها، وفي سياقها المعنوي، وهو كل الآيات التي ذكرت شيئا عن المسألة المنظورة، وفي سياقها القرءاني العام، أي هو ما تدل عليه العبارة المكونة من كل العبارات ذات الصلة ببعضها.

وبذلك فإن تصنيف المعاني أو المدلولات هو من حيث العبارة ككل، وليس من حيث معاني الألفاظ، فإذا كان قد أمكن تقسيم الألفاظ من حيث المعنى إلى ظاهر ومحكم، أو إلى اسم لغوي واسم شرعي فإن معاني العبارات تصنف إلى:

1. المعنى الأولي المباشر، فهو المعنى الظاهر، أو منطوق العبارة، وهو المعنى الأولي، وهو المعنى الذي يتبادر بمجرد سماع العبارة والمعتمد على إدراك معاني ألفاظها وأسلوبها في إطار الخبرة بالقرءان واللسان العربي.

2. المعنى التالي أو الثانوي، أي فحوى النص ومفهومه الثانوي، وهو مترتب على ما سبقه؛ أي مترتب على النص والمعنى الأولي، وهناك مصطلحات قريبة منه لديهم مثل: فحوى العبارة، دلالة الدلالة، دلالة المنطوق، وهو المعنى المترتب على فقه الدلالة الظاهرة، وهو فحوى ومفهوم العبارة.

3. إشارة العبارة، وهو المعنى الذي تشير إليه العبارة ودلالاتها، وهو يتداعى إلى قلب الإنسان لأسباب منطقية جوهرية، ربما لا يوجد من المنطق الظاهر ما يعبر عنها، ولابد من وجود لفظ يمكن أن تستند إليه الإشارة، وهذه الإشارة من الأمور المفتوحة، بمعنى أنها قابلة للاتساع برقي الإنسان في ذاته وباطراد التقدم ماديا ومعنويا.

وقد يُستعمل الفعل "يشير" مع النص للإشارة إلى أي معنى من معانيها طبقًا للمفهوم أو المعنى اللغوي، فالاستعمال الاصطلاحي لا يلغي المعنى اللغوي الأصلي.

ووفقا لمنهج دين الحق يجب تصنيف العبارات أيضًا من حيث نوعية معنى العبارة ككل، وكذلك من حيث مجالاتها؛ أي المسائل التي تتحدث عنها، هذه المجالات تشمل كل منظومات دين الحق، ويجب التمييز هاهنا بين عبارات تتحدث عن:

1. الغيب المطلق.

2. الغيب النسبي.

3. عالم الشهادة.

4. السنن بكافة أنواعها.

5. الأحكام.

6. القصص.

ويجب التأكيد دائما على مفهوم مقتضى النص، وهو جماع كل ما يقتضيه النص القرءاني من الإنسان بالنظر إلى كل الدلالات الممكنة لهذا النصّ.

هذا المقتضى يجب أن يكون مصوغًا بلسان ميسر للناس من حيث أنه ملزم لهم بقدر وسعهم.

عدد المنشورات الفرعية : 63