نظرات في تاريخ السلف

معاوية 1

الجدول

معاوية؛ زعيم أهل البغي وعبيد الدنيا

لماذا نجح معاوية؟

لماذا نجح معاوية رغم كونه زعيم أهل البغي وعبيد الدنيا والداعين إلى النار؟

نجح لما يلي:

1. لكونه بالفعل زعيم أهل البغي وعبيد الدنيا، كان براجماتيا مكياڤيلليا، لا قيمة عنده للقيم والمثل الدينية الرفيعة، يعرف هدفه جيدا، وهو الاستيلاء على السلطة، وتأسيس أسرة حاكمة، لم يأخذ من الدين إلا ما يمكنه من تحقيق أهدافه، أخذ ما يلزم للسيطرة على الرعية وحكمها واستغلالها لتوسيع ممتلكاته، كما أخذ ما يشغل أفرادها من أمور الدين الشكلية.

2. كان عبيد الدنيا قد أصبحوا الأكثرية الساحقة، ولم يعد أحد -إلا قلة قليلة- مستعدا للعودة إلى مثاليات الإسلام التي تحرمهم من الاستمتاع بالدنيا والتقلب فيها ظهرا لبطن.

3. أكثر الأعراب لم يتلقوا أي قدر يُعتدّ به من التعليم والتزكية في العصر النبوي، وسرعان ما ألقوا بهم في أتون الحروب على الفرس والروم، فلم يعد ثمة مجال لتلقي شيء من ذلك، خاصة وأن الأعراب طُبعوا على العنجهية والوحشية وازدراء العلم ومكارم الأخلاق اللطيفة والأمور الوجدانية، فهم لم يؤمنوا، وإنما أذعنوا وانقادوا، هؤلاء كانوا أعوانا لمعاوية حتى وإن كانوا في معسكر أهل الحقّ.

4. لدخول جهاز الدولة العميقة الذي تركه الروم في الشام في خدمته وانتفاعه التام بهم.

5. لدخول أحبار أهل الكتاب المتخصصين في تحريف الأديان في خدمته.

6. أن أكابر الحزب القرشي مهدوا له تمهيدا؛ عمدًا أو جهلا، فأبو بكر استعان بطلقاء قريش ليتمكن من مواجهة العترة النبوية والأنصار، وكان منهم عائلة أبي سفيان، أما عمر بن الخطاب فقد كان معاوية هو فتاه المدلل، فجعله فوق الحساب والمساءلة وأطلق يده في الشام، وقد قضى لحسابه على مستقبل خالد بن الوليد، بطل (الفتوحات) الحقيقي، أما في عهد عثمان الأموي فقد استقل معاوية بالشام استقلالا حقيقيا، وأسس جيشًا محترفًا يدين له هو وحده بالطاعة والولاء مستغلا جهل الشاميين بالدين، وبذلك أصبح معاوية ملكًا تقليديا من ملوك القرون الوسطى.

7. تمرد أصحاب الجمل (السيدة عائشة، طلحة، الزبير، يقودهم ويسرهم عبد الله بن الزبير) على إمام الأمة، فهؤلاء () تسببوا في مقتل الآلاف من خيرة المسلمين وفي ذهاب هيبة المثل الدينية وفي ضعضعة وزعزعة معسكر أهل الحقّ وفي خلق أعداء جدد له، وكان المنتفعون الأساسيون بجهودهم شياطين الجن والإنس، وعلى رأسهم معاوية.

فمعاوية كان بكل المقاييس أصلح الناس لتأسيس دولة دنيوية بقشرة دينية على نمط دول القرون الوسطى، وبالتالي كان المرشح الشيطاني لتقويض أسس دين الحق والقضاء على أنصاره وإعداد دين بديل يتناقض يتجاهل مقاصد دين الحق العظمى وجوهره وقيمه وأركانه الكبرى.

*******

طليق وصعلوك، ومن المؤلفة قلوبهم، وأمير أهل البغي وعبيد الدنيا، والمتآمر، مع مجموعة العقبة لاغتيال الرسول، وقاتل ما لا حصر له من خيرة المؤمنين عمدًا مع سبق الإصرار في سبيل الدنيا والسلطان، قرة عين الشيطان، وابن هند وأبي سفيان، والمؤسس الحقيقي للدين الأعرابي الأموي الذي حلّ محل الإسلام، جعلوه رغم أنف كل الحقائق كاتب الوحي الأعظم، كفروا في سبيله بدين الحق وبكل القيم الإنسانية، وأصبحوا بذلك، بلا منازع، شرّ البرية.

من هو؟!

*******

عبيد غبار نعل معاوية ينسبون إليه كذبًا كل (الفتوحات) التي حدثت من قبله ومن بعده في سبيل الدفاع عن جرائمه الكبرى، كما زعموا كذبًا أنه كان كاتب وحي، وقد كان طليقًا ابن طليق كما هو معلوم، لم يسلم إلا مع أبيه أبي سفيان قائد معسكر الكفر بعد أن رأى آلهته تُحطَّم أمامه، ويُلقى بها خارج الكعبة، ووقف مع أبيه في حنين يتمنيان الهزيمة للمسلمين، حتى أن صفوان بن أمية الذي كان على كفره أزعجه موقفهما الخسيس الذي لا يتفق حتى مع أعراف الجاهلية، وهكذا سيكون حال دولة معاوية، ستقضي على منظومة القيم الإسلامية، وعلى فضائل العصر الجاهلي، وستسود بدلا من ذلك الخسة والإرهاب المجنون، كما شارك مع أبيه في محاولة اغتيال الرسول عند عقبة تبوك.

ولكن لماذا يُدافع سدنة الدين الأعرابي الأموي عن مهاوية وأمه الهاوية؟

هذا لأن هذا الدين إنما صاغه المنافقون وأهل الكتاب لحساب معاوية المكياڤيللي البراجماتي، الذي كان لا يعنيه من الدين إلا تثبيت سلطانه.

لا مخرج من تلك الكوارث التي تعصف بالدين إلا بتطهيره من تأثير معاوية والتصدي لكل من عوى أو عاوى لحسابه أو عبده من حثالة المعاويع والنعاليل والعباغير، معاوية هو أكبر المسؤولين عن القضاء على خير أمة أُخرِجت للناس وعلى اختفاء دين الحق لحساب الذين الذي صنعه سرجون الرومي ومنافقو الشام.

ما هي القيمة الإسلامية أو الإنسانية الرفيعة التي جسدها معاوية للناس؟! ماذا فعل طوال العصر النبوي؟ ماذا قدَّم من تضحيات تبرر أن يستولي على الدين والأمة وأموال الأمة؟!

*****

هل يمكن لأي إنسان لديه شيء من دين أو نخوة أو شرف أو إنسانية أن يتأسَّى بالمعاوية؟ لو علم شياطين الإنس مدى أفضاله عليهم لكرَّموه ولأقاموا له تماثيل في أكبر مدنهم، ألا يكفي أن السلفنجية يعتبرونه الربّ الحقيقي لدينهم ويتصدون بشراسة لكل من يذكر شيئًا عن حقيقته؟

لن تفلح أمة تقدس المعاوية، وستظل تحت نعال ألد أعداء الإسلام.

*******

القائل "وأين هؤلاء الذين يعبدون معاوية؟" لو نظر في المرآة لرأى أحدهم

*******

نعم، توصل بعض المستشرقين الغربيين إلى أن ما يسمونه بالإسلام الأرثوذوكسي، أي الدين الأعرابي الأموي الأثري، تمت صناعته على يد والي الشام (البيزنطي) عندما أراد أن يستقل عن السلطة المركزية، وأن يؤسس أسرة حاكمة كأباطرة الرومان.

وما يسمونه بالوالي البيزنطي هو معاوية، معبود الجنس السلفي، وهو من الكوارث الكبرى التي ضربت البشرية.

*******

عبيد شسع نعل معاوية

عبيد شسع نعل معاوية هم الذين يؤمنون بأن معاوية هو الحق المطلق، ومقياس الحق والباطل، ويجعلون معاوية فوق الدين والمنطق والقانون والقيم الإسلامية والإنسانية، فمن آمن بمعاوية فهو في جنتهم وإن كان كفَّارا شقيا، ومن تحدث عنه كبشر خطاء فهو في نارهم وإن كان صديقا وليا.

وأشد الطوائف تقديسًا لمعاوية هم أتباع النسخة الوهابية من الدين الأعرابي الأموي، يليهم باقي أتباع الدين الأعرابي الأموي السني، ولا عجب في ذلك فهو المؤسس الحقيقي لدينهم، ولذلك ذهب بعض المجتهدين في الغرب إلى أن (الإسلام)، وهم يقصدون الدين السني، قد صنعه في الشام الوالي (البيزنطي المسيحي) معاوية ليؤسس مملكة لحسابه.

وقد ظهر عبيد جدد لمعاوية في العصر الحديث، وهم بعض المثقفين ثقافة زائفة ممن لا دين لهم ولا خلاق لهم وأتباع (القومية العربية) الذين لا يعرفون الفرق بين الدين كمنظومة قيم وسنن ونظام كامل للحياة البشرية وبين المذهب الاجتماعي أو الأيديولوجي.

ويقول عبيد شسع نعل معاوية إن كل ما ذكره التاريخ عنه ربما لا يكون صحيحا! فلماذا تأخذون من المنشور عنه ما يوافق شرككم وتؤمنون به؟ ولماذا ترفضون ما لا يوافقه؟ ولماذا إذًا تشتعلون غضبا دفاعًا عنه؟ الناس يهاجمون تلك الشخصية الموجودة في كتب التراث والتي اقترفت كل هذه الجرائم والموبقات حتى لا تكون مثلا أعلى للناس! ألا ترون أن قاطعي الرؤوس وآكلي الأكباد والطغاة وتجار الدين يتخذون من هذه الشخصية مثلا أعلى؟ ألم يكفروا بمنظومة القيم الإسلامية بسببها؟

هل يجب تحريف الدين والتخلي عن كافة القيم الإنسانية وإنكار كل تاريخ المسلمين من أجل معاوية؟

وكيف استولى معاوية على السلطة بعد الخلفاء الراشدين مع أن كتبكم ذاتها تقول إنه كان طليقًا ابن طليق؟

ولماذا تحاولون تأويل المروية التي تجعله زعيم الطائفة الباغية؟

لقد كان يوم استيلاء معاوية على السلطة واحدا من أسوأ أيام البشرية، وستظل تدفع ثمنه باهظًا إلى يوم القيامة، ويتحمل الوزر معه من مهدوا له تمهيدا ومن اتخذوه مثلًا أعلى من الطواغيت والمجرمين وعبيد الدنيا والسلطة وسدنة الدين السني وخاصة نسخته الأعرابية الأموية.

*******

اضحك وكركر مع (الصحابي الجليل) معاوية

معاوية (خفيف الظل) يستمتع بإيقاع الرعب في قلوب أنصاره

كان من أركان دولة معاوية سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وكذلك مروان (مضروب القفا، خيط باطل) بن الحكم (الوزغ، طريد رسول الله) ابن أبي العاص بن أمية، وهما أقرب إلى عثمان من معاوية، فهو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية.

كتب معاوية إلى سعيد بن العاص وكان واليه على المدينة أن يهدم دار مروان ويقبض أمواله كلها ليجعلها صافية ويقبض منه فدك وكان قد وهبها له، فراجعه سعيد بن العاص في ذلك فأعاد معاوية الكتاب بذلك، فلم يفعل سعيد، واحتفظ بالكتابين عنده، فعزله معاوية وولى مروان، وكتب إليه يأمره بقبض أموال سعيد بن العاص وهدم داره، فأخذ العمال وسار إلى دار سعيد ليهدمها، فقال له سعيد‏:‏ " يا أبا عبد الملك أتهدم داري؟" قال‏:‏ "نعم، كتب إليَّ أمير المؤمنين، ولو كتب إليك في هدم داري لفعلت‏"،‏ فقال‏:‏ "ما كنت لأفعل‏"! . ‏ قال‏:‏ " بلى والله‏ ".‏ قال‏:‏ " كلا‏"، ‏ وأراه كتاب معاوية "، فجاءه بالكتابين، فلما رآهما مروان قال‏:‏ " كتب إليك فلم تفعل ولم تعلمني؟ " فقال سعيد‏:‏ " ما كنت لآمن عليك، وإنما أراد معاوية أن يحرض بيننا‏.".! فقال مروان‏:‏ " أنت والله خير مني‏"! وعاد ولم يهدم دار سعيد، وكتب سعيد إلى معاوية‏:‏ " العجب مما صنع أمير المؤمنين بنا في قرابتنا‏!‏ إنه يضغّن بعضنا على بعض، فأمير المؤمنين في حلمه وصبره على ما يكره من الأخبثين وعفوه وإدخاله القطيعة بيننا والشحناء وتوارث الأولاد ذلك! فوالله لو لم نكن أولاد أب واحد لما جمعنا الله عليه من نصرة أمير المؤمنين الخليفة المظلوم واجتماع كلمتنا لكان حقًا على أمير المؤمنين أن يرعى ذلك‏"، ‏ فكتب إليه معاوية يعتذر من ذلك ويبوس القدم ويبدي الندم!

والآن، ماذا كان قصد معاوية من ذلك، وما هو المسوغ الديني لأفعاله هذه؟ وهل يستطيع الآن رئيس أحقر دولة على وجه الأرض أن يرسل إلى محافظ إحدى المحافظات أن يهدم دار قريب مشترك لهما وأن يصادر أمواله دون إبداء أي سبب من الأسباب؟!

ويبدو أن الصهاينة قرأوا سيرته وأخذوا عقوبة هدم بيوت الناس منه، ولكنه لم يوضح سببا لهدم بيوت أخلص أتباعه من الأمويين، بينما يتذرع الصهاينة بأي شيء موجه ضدهم، هل كان يستمتع بإيقاع الرعب في قلوب أنصاره؟

*******

مرويات الشام وعبادة معاوية

هناك مرويات تجعل كل الشام الأرض المقدسة وتجعل أهلها ملائكة، وأنه لن يضرهم أحد، ولكن التاريخ الحقيقي يثبت أن الشام كانت دائما منبع المحدَثات والفتن ومركز النواصب ومركز صناعة الدين الأعرابي الأموي! وأن أهل الشام استعملوا لتقويض الدين وللقضاء على السابقين الأولين، وأن المغول أبادوا أكثر سكان مدنها عدة مرات وفرّ الكثير من الباقين إلى مصر!! وأن الصليبيين أبادوا أكثر سكان القدس ومستعمراتهم حتى اضطر صلاح الدين إلى استجلاب سكان لها من المغرب ومصر، فالإبادة والتهجير التي حدثت في هذا العصر ليست بجديدة!!! مع الاعتذار للقلة المؤمنة الصالحة!

وعبادة معاوية لم تنشأ في نجد، وإنما في الشام، وكلما خبت نارها بفعل التحسينات التي كانت تدخل على الدين الأعرابي الأموي ظهر لها مجددون عبر القرون، وقد حمل الراية من بعدهم وهابية نجد، ومنها انتشرت في ديار الذين ظلموا أنفسهم، ولكن مازالت عبادة معاوية قائمة في الشام.

*******

معاوية عندهم فوق كل مصادر وأوامر الدين

جاء في صحيح مسلم:

حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ إِسْحَقُ أَخْبَرَنَا وَقَالَ زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّ الْكَعْبَةِ قَالَ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ فَأَتَيْتُهُمْ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فَمِنَّا مَنْ يُصْلِحُ خِبَاءَهُ وَمِنَّا مَنْ يَنْتَضِلُ وَمِنَّا مَنْ هُوَ فِي جَشَرِهِ إِذْ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ جَامِعَةً فَاجْتَمَعْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلَاءٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا وَتَجِيءُ فِتْنَةٌ فَيُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ هَذِهِ مُهْلِكَتِي ثُمَّ تَنْكَشِفُ وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ الْمُؤْمِنُ هَذِهِ هَذِهِ فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنْ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ وَمَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ إِنْ اسْتَطَاعَ فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَقُلْتُ لَهُ أَنْشُدُكَ اللَّهَ آنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَهْوَى إِلَى أُذُنَيْهِ وَقَلْبِهِ بِيَدَيْهِ وَقَالَ سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي فَقُلْتُ لَهُ هَذَا ابْنُ عَمِّكَ مُعَاوِيَةُ يَأْمُرُنَا أَنْ نَأْكُلَ أَمْوَالَنَا بَيْنَنَا بِالْبَاطِلِ وَنَقْتُلَ أَنْفُسَنَا وَاللَّهُ يَقُولُ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا قَالَ فَسَكَتَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ أَطِعْهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَاعْصِهِ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ.

هذه مروية واردة في صحيح مسلم وغيره من الكتب المقدسة الحقيقية لدى أتباع الدين الأعرابي الأموي يقول بأن معاوية يأمرهم بأن يأكلوا أموالهم بينهم بالباطل وبأن يقتلوا أنفسهم، فلماذا لا يأخذ بها أتباع هذا الدين، ولماذا يطرمخون عليها ولا يذيعونها مثلما يذيعون المرويات الموضوعة والملفقة التي تتحدث عن مآثره، ذلك لأن معاوية عندهم يعلو فوق كل مصادر الدين، فلمعاوية وتصرفاته الحكم والقضاء على الكتاب و(السنة) والمنطق والقيم الإنسانية ونسخها عند التعارض.

*******

السلف وعبادة معاوية

روي مسلم عن ابن عباس قال: كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَفتواريت خلف الباب فقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اذهب وادع لي معاوية قال فجئت هو يأكل قال ثم قال لي اذهب فادع لي معاوية قال فجئت فقلت هو يأكل، قالصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا أشبع الله له (أي معاوية) بطنا.

تلك مروية من المرويات التي أفلتت وتبين حقيقة معاوية، فلقد دعاه رسول الله وولى أمر الأمة الذي منَّ عليه وعلى والديه رغم كل جرائمهما السابقة في حق الإسلام والمسلمين، هذا بالإضافة إلى أنه قربه وجعله من كتبة رسائله (وليس من كتبة الوحي كما يزعمون)، ولكنه عصى الأمر مرتين بحجة أنه يأكل، ولكن هل سيترك عبيد الطغاة من حثالة البشر الأمر للناس ليستخلصوا منه ما هو بيِّـن وواضح؟ كلا إنهم كعادتهم حاولوا تبرئة معاوية وإعلاء قدره على حساب النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ !! هذا مع أنه لو قيل لأي مسلم ماذا كنت ستفعل لو دعاك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ لقال: كنت سأسرع إليه ولو حبوا على الثلج، فمنهم من قال: إن هذا الدعاء منه غير مقصود وكأنهم عرفوا ما في نفس النبي، وأما المحدث الألباني فقال يمكن أن يكون ذلك منه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بدافع البشرية التي أفصح عنها هو نفسه عندما قال للسيدة عائشة: أو ما علمت ما شارطت عليه ربي اللهم إنما أنا بشر فأي المسلمين لعنته أو سببته!!؟ فاجعله له زكاة وأجرا (رواه مسلم مع المروية المذكورة في باب واحد هو باب من لعنه النبي أو سبه أو دعا عليه وليس أهلا لذلك!!! كان له زكاة وأجرا ورحمة).

وقد زعم مسلم أن معاوية لم يكن مستحقا الدعاء عليه وتحمس غيره وجعل الأمر كله من مناقب معاوية؟! وبهذا قال الذهبي متفوقا على الجميع، ويلاحظ أنهم كلهم أجمعوا على ألا يسأل أحدهم نفسه هذا السؤال البديهي: لماذا رفض معاوية بإصرار الامتثال لأمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ وفضل أن يتابع تناول طعامه؟ولكن هيهات أن يجرؤ أحدهم على المساس بمعاوية، إنه كان من الأهون عليهم أن يتطاولوا على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ الذي يدعون أنهم حماة سنته وأن يجعلوه يسب الناس ويلعنهم بدون وجه حق وأن يكذبوا بالآيات التي أثني عليه الله فيها ووصفه بالخلق العظيم؟ وهكذا تدفع الأهواء بعض الأعلام إلى التدني إلى أسفـل سافلين واستحداث تأويلات تمس النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ الذي شهد له الله تعالى بالخلق العظيم في سبيل تبرئة ساحة معاوية حتى لا يطعن أحد فى ولايته وعدالته، والحق هو أن مواقفهم هذه إنما تطعن في عدالتهم هم وتبين مدى جنايتهم على تلك الأمة، ولو أنهم تلقوا قدرا من تزكية النفس وهى ركن ديني ولو أنهم آمنوا بالرسول الخاتم وعرفوا له شيئا من عظمة قدره وهذا ركن ديني آخر لما ضلوا وأضلوا وضلوا عن سبيل الله تعالى.

إنه على عبيد معاوية أن يقرؤوا بتدبر ما يلي: 

{وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ } الأعراف179.

وإلى عبيد معاوية هذا السؤال من جديد: لو أن أحدكم دعا من له عليه ولاية لأمر هو من صميم عمله فرفض الإجابة وعصى الأمر هل يعد ذلك من مآثر العاصي؟ وهل يُلام الوالي إذا دعا على العاصي أو عاقبه؟ ولو أن وزيرا في أحقر دويلة محسوبة على الإسلام استدعى موظفا بسيطا عنده فرفض المجيء مرتين بحجة أنه يأكل ماذا كان سيفعل به؟ ولماذا كل هذا الجهد المضني لتبرئة ساحة معاوية وحده ولو بالتطاول على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، هل كان هؤلاء حقا يحبون رسولهم الكريم كما يحبه الآن أبسط المسلمين؟ ومن العجب العجاب أن يقول مسلم (باب من لعنه النبي أو سبه وليس أهلا لذلك ...؟!). فهل تصلح هذه العبارة عنوانا لباب في كتاب من أقدس كتب أهل السنة؟ ألا يتضمن هذا العنوان تطاولا على قدر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ وعلى كرم أخلاقه؟ ومن هو الأصدق حديثا؟ رب العالمين الذي شهد لرسوله بالخلق العظيم أم مسلم ورواته؟ ألم يعلم مسلم وشركاؤه أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ لم يكن سبابا ولا لعانا ولا صخابا في الأسواق وأنه كان أشد الناس حياءً؟

ألم يسأل أحدهم نفسه هذا السؤال: هل من الممكن لمن وصفه الله بالخلق العظيم أن يسبّ الناس وأن يلعنهم بدون وجه حق؟

إن كل ذلك يبين أن الرواة والمحدثين جمعوا ودونوا مروياتهم في جو معبأ بالولاء المطلق لمن أسموهم بالصحابة وخاصة معاوية ومن في حزبه خاصة بعد أن أدرك الطاغية أبو جعفر المنصور أنه هو الامتداد الطبيعي لطغاة بنى أمية وأنهم هم الذين مهدوا له السبيل وصار يشيد بهم علنا بعد أن أبيدوا وأُمِن شرهم واستقر المذهب الموالي لأمثال هؤلاء وساد وسيطر واعتبر كل معارض له مبتدع آثم خارج على الجماعة لا أهلية له ولا يؤخذ منه ولا يعتد به.

أما كل المرويات التي تحاول إظهار النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَسبابا أو لعانا فإنما هي من وضع عملاء الأمويين وهي تعارض آيات القرءان وبالتالي فيجب إهمالها إعمالا لما وضعه المحدثون أنفسهم من قواعد ومعايير، ومن المعلوم أن معبودهم معاوية هو الذي سن لعن الإمام علي وغيره من عترة النبي وأنصاره علي المنابر، أما تهديدات عبيد المرويات ورميهم منكري أمثال هذه المرويات بكل ما في جعبتهم من اتهامات فينبغي أن يضرب بها عرض الحائط، وإلى كل منهم يجب القول: اتق الله في هذه الأمة وكن شجاعا ولا تمالئ مرويات تعارض صريح القرءان وتنال من قدر الرسول الأعظم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ومن المثل الإسلامي الأعلى، ولقد مضى الزمن الذي كان يخشى فيه المؤمنون معاوية وحزبه، ولقد تقوضت دولة الأمويين وانتقم منهم العباسيون أبشع انتقام وهم أيضاً سنيون، ولا ينبغي أن يظل أولئك وهؤلاء حربا على الأمة ورجالها بعد مماتهم بعد أن كانوا كذلك في حياتهم ولا يمكن أن يستمروا في الحيلولة بين الناس وبين إعداد الأمة الخيرة بعد مماتهم بعد أن قضوا على خير أمة في حياتهم.

فإذا كان الأسلاف يرهبون معاوية وحزبه فلقد مضى هذا إلى ربه وصار رهين عمله ولن يجديه دفاعكم عنه نفعا وإنما سيكرس انهيار الأمة، ولكن ما هي السنة التي تتضمنها هذه المروية؟ وهل يجوز اعتبارها وحياً ثانيا ملزماً للناس كافة إلي يوم الدين؟

إن المروية تبين أن من مناقب معاوية أنه خالف الأوامر القرءانية العديدة التي تأمر المؤمنين بطاعة الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما أنه لم يستجب للرسول مخالفاً أمراً قرءانياً آخر، وبما أن معاوية هو (صحابي) يهتدي من اقتدي به فهل يهتدي من تجاهل أوامر الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وباعتبار أن المروية هي السنة، فهل من السنة تجاهل أوامر صاحب السنة؟

والمروية المذكورة تبين أن ابن عباس كان غلاما صغيرا في تلك الفترة أي بعد فتح مكة ومع ذلك عدوه من الصحابة ونسبوا إليه رواية ما يزيد على الألف حديث ودافعوا عن إمكانية ذلك بشراستهم المعهودة، ومع ذلك وجد منهم من حمل عليه بشدة بسبب مروية رزية الخميس والتي تروي كيف امتنع عمر بن الخطاب عن الاستجابة لأمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ عندما أمرهم بإحضار ما يكتب فيه لهم وصية لا يضلون بعدها أبدا ونسب إليه قول ما لا يصح قوله، وأدى هذا الموقف إلى تنازعهم حتى أمر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ بإخراجهم، وهكذا يكيل النقاد والمحدثون بمكيالين ويتبعون أهواءهم وينطلقون معها أينما حملتهم.

*******

1

1.png