نظرات في المذاهب

16b

من منهجنا لاستخلاص الأمور الدينية2

الجدول

لابد لفقه القرءان من الإيمان بكل ما وصفه رب العالمين به، وهذا يستلزم اتخاذ القرءان مصدرا أوحد للأمور الدينية الكبرى، ومصدرا أعلى للأمور الثانوية، وكذلك اتخاذه مجمعًا للبينات والبديهيات والمسلمات والإيمان بأنه تبيان لكل شيء من أمور الدين، والإيمان بأنه كتاب متسق، لا اختلاف فيه، وأن آياته مبينات مبيِّنات متكاملات يصدق بعضها بعضا ويقيد بعضها بعضا ويفصِّل بعضها بعضا ويبين بعضها بعضا، والعمل بكل ذلك يقتضي عند استخلاص رأي القرءان في مسألة استفتاء كل الآيات ذات الصلة بنفس المسألة.

والقرءان هو بلسان عربيٍّ مبين، لذلك لابد من اكتساب السليقة اللغوية العربية ليمكن فقه القرءان فقها صحيحا، وهذا شرط ضروري، ولكنه ليس بكافٍ A necessary but not a sufficient condition.

ويجب على الإنسان أن يبدأ دائمًا بما ثبت عنده من علوم القرءان، وأن يعمل بمقتضى ذلك، فإذا كان قد آمن بأن القرءان كتاب حكيم، فيجب أن يسلم بأن الحكمة سارية فيه ومتجلية به، وأنها تظهر في المقاصد الموزعة على آيات القرءان.

والدلالة هي ما يتوصل به إلى معرفة الشيء، كدلالة الألفاظ على المعاني، وسواء كان ذلك بقصد ممن يجعله دلالة أو لم يكن بقصد، كمن يرى حركة الإنسان فيعلم أنه حيّ.

وأصل الدلالة مصدر كالكتابة والأَمارة، والدال: من حصل منه ذلك، والدليل: في المبالغة، كعالم وعليم، وقادر وقدير، ثم يسمى الدال والدليل دلالة، كتسمية الشيء باسم مصدره، فالدلالة هي أن يكون الشيء بحالة يلزم من العلم بها العلم بشيء آخر، فالعلم بالدالّ يؤدي إلى العلم بالمدلول، فالتنفس دلالة على الحياة، فدلالة اللفظ على المعنى هي أن يلزم من العلم به العلم بمعناه عند العالم بوضعه، ودلالة اللفظ على المعنى قد تكون:

دلالة المطابقة، وهي أن يدل اللفظ على تمام المعنى الذي وضع له.

وهي دلالة اللفظ على تمام مسماه كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق، وسميت كذلك لأن اللفظ طابق المعنى.

دلالة التضمن، وهي دلالة اللفظ على جزء المعنى الذي وضع له.

وهي دلالة اللفظ على جزء معناه، كدلالة الإنسان على الحيوان، فاللفظ تضمن ما دل عليه.

ومن ذلك الرد على سؤال بما يفهم منه الإجابة ضمنا وليس هو المقصود بسوق الكلام

دلالة الالتزام، دلالة اللفظ على لازم ذهني لا ينفك عن معناه.

فهي دلالة اللفظ على لازمه كدلالة البيت على بانٍ له ودلالة المصنوع على صانعٍ له ودلالة الأسد على الشجاعة، حيث ينتقل الذهن عند سماعه اللفظ منه إلى المعنى اللازم

واللفظ قد يدل على المعنى دلالة قطعية لا احتمال فيها، وقد يدل عليه دلالة احتمالية فيكون قابلا للتفسير أو التأويل.

فالدّلالة (المدلول عليه باللفظ) هي مفهوم اللَّفظ، فإنَّ اللَّفظ إذا أطلق فُهم منه معنًى معيَّن، أي إنَّ اللَّفظ إذا أُطْلِق فإنَّ له مفهومًا معيَّنًا.

فالصيغة الصوتية أو المرقومة للفظ ترمز أو تشير إلى معنىً أو معانٍ معينة.

وقد تستحث في الإنسان معانٍ أخرى لأي سبب من الأسباب فضلا عن أنها من الممكن أن تثير في نفسه مشاعر معينة.

فالإنسان عندما ينطق تصدر عنه أصوات يعبر بها عن معنى أو إحساس ما، فيكون الناتج منطوقًا، ويُطلق عليه "نطق" أيضًا، ففي اللسان العربي قد يُعبر بالمصدر عن اسم المفعول.

فالمقصود من المنطوق هو المعنى، والمنطوق يدلّ عليه ويشير إليه، فالمنطوق بذلك يدلّ على معنى؛ أي هو دلالة على معنى، ولكنه ليس الدلالة الوحيدة عليه، فقد يُعبر عن نفس المنطوق بحروف مكتوبة.

فالمعنى الذي يدركه إنسان ما عند سماعه عبارة قرءانية هو نفس المعنى الذي تدل عليه نفس العبارة عندما يراها مكتوبة أمامه.

لذلك فلا جدوى من التمييز بين منطوق وبين مفهوم، وإنما يمكن تصنيف المعاني والمفاهيم من حيثيات معينة.

فهناك لنفس العبارة مفهوم أو معنىً أولي Primary meaningومفاهيم أو معانٍ تالية أو ثانوية Secondary meanings، وكلمة "ثانوية" لا تعني أبدًا أنها أقل أهمية، ولكن ذلك يشير إلى تراتبية الإدراك البشري، فالمعاني الأولية هي أول ما يدركه الإنسان عادة من العبارة، ثم يبدأ كلما ارتقى ذهنيا ووجدانيا في إدراك المعاني التالية.

والمفهوم الثانوي هو متسق بالضرورة مع المفهوم الأولي، وإن كان لابد من تميزه عنه بما يجعله مفهومًا آخر.

والمعاني التالية ذاتها قد يمكن إثبات دلالة اللفظ عليها بالطرق الذهنية المنطقية، وبالتالي تكون ملزمة لمن علمها.

وقد لا يمكن ذلك، وإنما يجد الإنسان إحساسًا ذاتيا بها لا يقل عنده عن الإدراك الذهني، فيمكن أن تُعتبر من باب الإشارة، وليس له بالتالي أن يلزم أحدًا بها.

والجمل القرءانية مقصودة ومقدرة لتعطي كل ما يمكن أن يُستخلص منها من المعاني المتسقة مع دين الحق، فلا يجوز المبادرة بالقول: هذه الجملة مسوقة لكذا، وغير مسوقة لكذا، والأصوليون المولعون بإحداث مصطلحات والاستكثار منها يقسمون الدلالات بناءً على نظرتهم هذه.

والمعنى الأولي هو ما يسمونه بالمنطوق، فهو المعنى (المفهوم) الذي دل عليه اللفظ في محل النطق، أي أن دلالته تكون من مادة الحروف التي ينطق بها، فهو المعنى الذي يؤخذ من اللفظ أو بتعبير آخر هو الذي دل عليه اللفظ نطقا. وقد يقال: ما دل عليه اللفظ في محل النطق.

ومعنى قولهم: في محل النطق، أي: في العبارة المنطوق بها، أي إن إدراك المعنى هو بسبب هذه العبارة.

فالمنطوق لغة: اسم مفعول من (نطق)، يقال: نطق الناطق ينطق نطقًا ومنطوقًا؛ أي: تكلَّم، والمنطق: الكلام، ومنه: نطق ينطق نطقًا ومنطقًا ونطوقًا، تكلَّم بصوت وحروف تُعرَف بها المعاني.

بينما عرَّف الأصوليون المنطوق بتعريفات عدة، منها: (ما دلَّ عليه اللفظُ في محل النطق)، ومنها: (ما فهم من دلالة اللفظ قطعًا في محل النُّطق).

وفي القول المنطوق هو ما دلّ عليه اللفظ بمجرد العلم بالنصّ، والعلم بالنصّ يعني سماعه أو رؤيته مكتوبا.

فالمنطوق معنى يستفاد من اللفظ للسبب المذكور، أي أن العلم به لا يتوقف على شيء أكثر من سماع النطق باللفظ أو رؤيته مكتوبا.

ومن أمثلته: قوله تعالى: 

{وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا .....} [آل عمران:75]

فالقنطار والدينار معلومان من اللفظ بمجرد النطق به، وحكمهما هو الأداء عند الائتمان.

1

عدد المنشورات : ٥٤٤

1.png