25b

المُتَشَابِه2

إنه ليس للآيات التي تذكر بعض السمات والشئون والأفعال الإلهية ظواهر توهم تجسيما أو تشبيها بحيث يستدعي الأمر صرفها عن معانيها الظاهرة المزعومة، ذلك لأنه وفقا لقواعد اللغة فالأمور المضافة إلى كيانٍ ما إنما تضاف إليه كما يليق بهذا الكيان ووفقا للأساليب اللغوية المعلومة، فإضافة اليدين إلى الرحمة أو الكتاب ليس كإضافتها إلى الإنسان مثلا، ومعنى الإضافة يعتمد على سياق الكلام أيضا، فإضافة اليد إلى الإنسان في سياق قد لا يكون المقصود بها جارحته المعلومة.

ولقد صيغ القرءان بحيث يكون كتابا مبينا، فآياته يفسر ويبين بعضها بعضا، وكل شأن إلهي مذكور في آية فإنه مبين في الآيات التي ذُكر في سياقها أو في الآيات الأخرى ذات الصلة، وثمة أساليب لغوية معلومة تستعمل للدلالة على معان محددة ومعلومة للعربي القح.

*****

لقد أثبت الله تعالى لنفسه في كتابه الأسماء الحسنى والسمات، ولكي تثبت السمة لابد من ورودها صراحة أو ورود الاسم الذي يشير إليها، ولله من سمات الحسن ما لا يتناهى من حيث النوع أو المدى.

ولا يجوز أن تشتق سمة من فعل ورد منسوبا إليه سبحانه، فلا يجوز القول مثلًا بأن من سماته النزول والمجيء.

فهذا الاسم المشتق لا يجوز اعتباره من الأسماء الرسمية التي يجب الإيمان بها والمعروفة بالأسماء الحسنى.

ولقد نفى الله عن نفسه في نصوص محكمة صفات مثل الظلم والنوم والسِنة والموت والجهل والنسيان واللعب واللغوب......، فما نفاه منها هو ما يعرفه الإنسان ويدركه بخبرته وذوقه عنها؛ أي إنه نفى عن نفسه النوم المعلوم والظلم المعلوم واللغوب المعلوم....، وتلك الأمور منفية أصلاً بإثبات ما له من الأسماء الحسنى، ولكنه أوردها في كتابه في نصوص محكمة كتفصيل وبيان لما أثبته لنفسه ورحمة بخلقه ولكي تُردّ إليها النصوص المتشابهات.

ومن المعلوم المثبت له مثلا في الآيات المحكمة أنه لا ينسى، 

{قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى }طه52، {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا}مريم64،

 ومع ذلك فقد نسب سبحانه إلى نفسه أنه سينسى بعض الناس مثل المنافقين وبعض أصناف العصاة، 

{الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }التوبة67، {وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمْ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ }الجاثية34،

 فلا يجوز القول بأنه يجب الأخذ بالمعنى الذي يسمونه بالظاهر أو بالمعنى الحرفي الدارج، فإنه لا ظاهر لمثل هذه العبارات، كما أن الأخذ بما يسمونه بالظاهر ويقصد به المعنى الدارج يوجب اختلافا بين الآيات، ومن المعلوم أنه لا اختلاف في القرءان، وإنما يجب أن تُفقه العبارات في إطار الآيات المحكمة والآيات التي تتضمن الأسماء الحسنى الثابتة، وهكذا يجب العلم والإيمان بأن الله تعالى لا ينسى، وأن الآيات الأخرى يجب أن تُفقه في هذا الإطار، ومن الناحية البلاغية لا مشكلة في اعتبار الآيات تستعمل أسلوبا مجازيا، فهي من مجاز المشاكلة، هذا مع العلم بأن المجاز لا يقابل أو يضاد الحقيقة، وإنما هو أسلوب بلاغي للتعبير عنها وإبرازها.

ونفي بعض الصفات هو من باب بيان ما له من سمات الكمال، وهو أيضا من باب نفي ما ادعاه في حقه المبطلون، إذ كان لابد من نفي ما نسبته الفئات الضالة إليه من السمات خاصة إذا كانت تلك الفئات كبيرة وعديدة وكانت عقائدها منتشرة وذائعة.

ولكن من سوء الأدب أن يأخذ أحدهم في نفي ما لا يتصور أنه يمكن أن يكون صفة أو فعلاً للإله أو ما لم تقل به إحدى الفئات من قبل، ومن ذلك أنه بعد نفي الصاحبة والولد لا مبرر ولا ضرورة لأن ينفي أحدهم الحفيد مثلا، وبعد نفي أن يكون له كفؤ أو مثل لا مبرر ولا ضرورة لنفي الأخ مثلا، فلا ضرورة هاهنا للنفي المفصل، وينبغي الاكتفاء بالنفي الوارد في آيات القرءان، كما يجب أن ينفي عنه سبحانه كل تصورات ومفاهيم البشر، ولكن لا يجوز الإسراف في تفصيل ما نُفي عنه خاصة وإذا كانت الأمور المنفية مما لا يليق أن يوصف بها بعض المخلوقات أصلًا، ولقد كان المتكلمون في مسلكهم هذا متأثرين بالفلاسفة الذين بنفيهم لجل السمات الإلهية كادوا يجعلون إلههم مجرد معنى أو كادوا يجعلونه أقرب إلى العدم، ولكل ذلك لا يجوز أن يوصف بعبارات يمكن أن تنطبق على المعدوم المحض مثل القول بأنه ليس بداخل العالم ولا خارجه، رغم أن المعنى صحيح، والأولى أن يقال إن له سبحانه الإحاطة التامة بالعالمين وبالزمان وبالمكان فلا يتقيد بشيء من ذلك.

ويجب العلم بأنه لا يمكن أن يدرك أي مخلوق عن الله تعالى أي شيء فيما يتعلق بما له من ذات أو كنه أو كيان أو نفس، فله سبحانه الغيب المطلق من حيث ذلك بكل ما للإطلاق من معان، أما من حيث مرتبة الأسماء فيجب إثبات كل كمال له، ومن مراتب الإثبات أن يُدعى بما هو له من الأسماء الحسنى، كما يجب إثبات ما أثبته لنفسه في كتابه من الشئون والأفعال، وهذه هي المرتبة الشرعية المتاحة للناس كافة والمأذون لهم بها.

*****

إن سمات الذات الثابتة والتي لها الكمال المطلق تقتضي وتستلزم مجالات تتصف بما لا يتناهى من التغير، ولما كان هو الذي لا يتقيد بالزمان أو المكان كان لابد لمجالات سماته من إطارات زمكانية.

*****

إنه لا مبرر لحصر السمات الإلهية ولا بتقييدها بعدد معين كما فعل الأشاعرة وغيرهم خاصة وأنهم قد جعلوا بعض الأفعال صفات واشتقوا منها أسماءً، ويجب الإيمان بكل ما ذكره الله لنفسه من السمات التي تشير إليها الأسماء الحسنى، بل يجب العلم بأن اتسام الأسماء بالحسن هو لكونها تشير إلى سمات لها الحسن المطلق، فالأسماء اللفظية الواردة في القرءان والتي أمر الله سبحانه الناس أن يدعوه بها هي في الحقيقة بمثابة أعلام عليه، والاسم العَلَمي يتسم بالحسن عندما تكون السمة التي يشير إليها ويدل عليها هي سمة حسنة وحقيقية وذاتية للمسمى، والاسم المذكور في القرءان هو بالضرورة أفضل من غيره حتى وإن ظن الناس أنه يقاربه في المعنى.

*****

لقد نفى بعضهم الأفعال الاختيارية عنه سبحانه وقالوا إن الذي عنده هو أمر واحد، والحق هو أن هذا الأمر الواحد إنما يكون بعد أن يمارس سبحانه عملا من أعمال الربوبية هو الاختيار، فسريان قوانينه وسننه على مخلوقاته قد يترتب عليه تعين حلول ممكنة وعديدة لنفس المسألة وكلها تحقق مقاصده، وقد تتساوى احتمالات بعض هذه الحلول، فهو الذي يختار من بينها ما يحققه، فأمر الوجود ديناميكي متطور وليس باستاتيكي، والله سبحانه يمارس مقتضيات ألوهيته في كل عالم من حيث هذا العالم وبآلاته وأدواته التي خلقها في هذا العالم، وقد تمارس بعض الكائنات كالجنود والملائكة الاختيار في المجالات التي هو موكلة بها وذلك عن أمره؛ أي وفق قوانينه وسننه؛ فينسب إليه عندها فعل الاختيار ونتيجته، أي ينسب إليه ما ترتب عليه.

*****

إن تغير وتجدد عناصر ما للسمات من مجالات لا يعني أبدًا تغيرا في الذات، بل إن ذلك من لوازم طلاقة ولاتناهى السمات، وهو سبحانه من حيث الأسماء يمارس في كل عالم مقتضيات ألوهيته، فهو سبحانه لا يكف عن الفعل ولا تأخذه سنة ولا نوم، وهو ليس بجماد بل له الحياة الذاتية التامة المطلقة، ويتصور البعض أنه خلق كل شيء وقدره في بداية الكون ثم لم يبق إلا تحقق ما خلقه وقدره، والحق هو أنه يمارس في كل عالم وفي كل نقطة زمكانية الخلق والتقدير وسائر مقتضيات ألوهيته وأسمائه.

*****

إن إثبات سمة من سمات الكمال أو فعل من أفعال الكمال لا يعني فقط نفي أن يتسم سبحانه بالصفة المضادة لها وإنما قد يتضمن أيضا كمالا خاصا، أي كمالا تظهر آثاره في بعض الناس وليس فيهم كلهم، قال تعالى: 

{فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} البقرة152،

 فالذكر المنسوب إليه سبحانه هاهنا هو الذكر الخاص الذي يحظى به من ذكر الله، وهذا الذكر هو من لوازم نمو وتزكي الكيان الإنساني الجوهري.

*****

إن إثبات السمات والأفعال لله بإثبات الأسماء الحسنى يقتضي ويستلزم نفي ما يناقضها وكما يقتضي ويستلزم تنزيه الله عما لدى الناس من تصورات عنها؛ فكل اسم من أسمائه سبحانه مقدس ومنزه وهو يشير إلى سمة هي بالأصالة له، فلا حاجة ولا ضرورة إلى ما قال به المتكلمون من تقسيم الصفات إلى صفات ثبوتية وصفات سلبية.

*****

إنه لا ضرورة إلى تقسيم الصفات الإلهية الثبوتية إلى صفات ذاتية وإلى صفات فعلية، فكل سماته تتسم بالذاتية والإطلاق والوجوب، أما الأفعال فهي من مقتضيات كل منظومة الأسماء الحسنى.

ويجب العلم بأنه له سبحانه من أنساق الأسماء ما لا يتناهى، وأعلى نسق هو نسق الأسماء الحسنى الوارد في القرءان، ولقد أورد القرءان معه نسقاً ثانياً هو نسق الأسماء الحسنى المفردة، وقد تتداخل تلك الأنساق، وتترتب هذه الأنساق من حيث الإحكام والتفصيل، ويتضمن كل نسق بعض تفاصيل النسق السابق الأكثر إحكاما.

*****

ما يضاف إلى الله أو إلى ضمير يرجع إليه: إن كان اسما يدل على عين قائمة بنفسها فهذه العين هي ملك له، وثمة بالضرورة مقصد من هذه الإضافة مثل التشريف أو بيان الاختصاص.....، ومن ذلك: إضافة أعيان منفصلة فمما ورد في القرءان: العبد، الرسول، الروح، البيت، الناقة، فهذه إضافة مملوك إلى مالكه ومخلوق إلى خالقه، لكنها تقتضي بيانا أو تخصيصا أو تشريفا يتميز به المضاف عن غيره، أما إن كان المضاف اسم معنى أو مصدراً يشير إلى معنى لا يقوم بنفسه بل لابد له من كيان ليقوم به فهذا المعنى هو سمة لله تعالى، ومن السمات التي أضافها الله إلى نفسه صراحة العلم والرحمة والعزة والمغفرة، وقد نسب إلى نفسه أفعالا عديدة إما بأن يضيف إلى نفسه المصدر أو اسم المعنى الذي يدل على الفعل، ومن ذلك أنه أضاف إلى نفسه الرحمة والكلام والقول والفلَق والبطش والأخذ، وإما بأن يضيف إلى نفسه الأفعال بصورة من صورها.

والفعل يمكن أن يكون من مقتضيات اسم واحد من الأسماء الحسنى إذا كانت الألفاظ التي تشير إلى الاسم والفعل مشتقة من اسم معنى أو مصدر واحد، ذلك لأن للاسم الحقيقي كل الأسماء الحسنى، فهو الذات بما لها من الأسماء من حيث اسم معين، أما إذا لم يرد الاسم اللفظي المشترك مع الفعل في المصدر فيمكن أن يكون الفعل من مقتضيات منظومة أسمائه الحسنى كلها، ومن ذلك الكلام والمشيئة والإرادة الكونية.

*****

إن ما سمَّى به الله نفسه يشير إلى سمات حقيقية، بل إن سماته هي السمات الحقيقية، وما صفات الناس إلا من آثار تلك السمات، ولكن أساليب ذكر الأسماء في القرءان معلومة، ولا يجوز أن يجعل بعضهم من أسماء الجوارح الواردة في أساليب عربية معلومة صفات له، وهذا لا يعني أبدًا تأويلا، ولقد كان من الأولى بالسلفية والمتكلمين أن يعرفوا مراد الله منهم في العبارات التي تضمنت ذكر الوجه واليد واليدين....بدلاً من أن يظنوا أن المراد منها تبيين وتوصيف الكيان الإلهي، ومن ذلك أنهم كادوا يجعلون مروية النزول قرءانا يتلى واستخدموها لتمزيق الأمة وأخذوا يصنفون الناس من حيث موقفهم من هذا النزول، وكان من الأولي بهم أن يعلموا أن كل المراد هو بيان أهمية الاستغفار والدعاء والتعبد في الأسحار، وهم بموقفهم هذا يجعلون الإسلام أضحوكة للناس في هذا العصر الذي تكشفت للناس فيه الحقائق الفلكية.

*****

إن الآيات التي تتضمن ذكرا لأسماء الله وسماته وشئونه وأفعاله أو تضيف إليه كيانات أو أعيانا قد تستعمل المجاز المشهور للإشارة إلى معان يمكن إدراكها والعمل بمقتضاها، ولكنها أيضًا من الآيات المتشابهات، والآيات المتشابهات تتحدث عن أمور غيبية يأتي تأويلها حيناً بعد حين، وقد تتحدث عن أمور من الغيب المطلق، وهذه قد يتحسن إدراك الناس لها باطراد الرقي والتقدم، ولكنهم لن يعرفوا أبداً تأويلها النهائي، ومن ذلك الآيات التي تتحدث عن سمات وشئون إلهية، ومع ذلك فالآيات المتشابهات لابد أن تتضمن إلزامات للناس وأموراً محكمة وأوامر شرعية هي التي ينبغي أن يعمل الناس بمقتضاها، أما الكيان الإلهي فهو فوق كل إدراك وتصور، ولا يمكن أن يرقى إليه مفهوم مستخلص من هذا العالم الطبيعي، ولا يمكن لمخلوق حادث أن يحيط بشيء من شئونه، ويجب ألا يشغل المسلم نفسه بأكداس الكتب التراثية للسلفية أو للمتكلمين، وعليه بالأحرى أن يوثق صلته بربه عن طريق ذكره وتلاوة كلامه، وعليه أن يعلم أن واضعي الكتب التراثية قد أفضوا إلى ما قدموا وأنهم لن يغنوا عنه من الله شيئا وأنه مأمور بأن يتبع ما أنزل إليه من ربه وألا يتبع من دونه أولياء، وعلى المسلم أن يأخذ مادة إيمانه من كتاب الله وحده وأن يحاول أن يتعايش معها وأن يتذكرها، وعليه ألا يشغل باله بما هو من دون ذلك، وعليه ألا يعبأ بدعاوى الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ مهما روعوه أو استرهبوه، وعليه أن يعلم أن هؤلاء لا يملكون لأنفسهم فضلا عن غيرهم نفعًا ولا ضرا ولا يملكون مفاتيح الجنة، وهم أحوج شيء إلى التوبة.

*******

يجب العلم بأن للقرءان أنساقًا أو طبقاتٍ من المعاني، فمن لم يعرف أو لم يكن في وسعه أن يعرف إلا المعاني الظاهرة أو الطبقة الأولى من المعاني يجب أن يسلم بوجود المجاز! وإن لم يفعل سيكون بالضرورة مشبها مجسما ضالا، وسيمرق من الدين كالسهم مثل الأثرية والحشوية، فالقرءان كتاب عربي، يستعمل الألفاظ والقواعد النحوية والأساليب البلاغية العربية لإيصال ما يريد من المعاني، وهو يستعملها للحديث عن أمور غيبية، ومن هنا ينشأ التشابه، وللقرءان طبقات أعلى من المعاني تتكشف للناس حيناً بعد حين وباطراد الرقي والتقدم فتجعلهم أحسن إدراكاً للحقائق الإلهية، ومن الأمور الحديثة التي ساهمت في ذلك: إدراك نسبية الزمان والمكان، اكتشاف الكيان الزمكاني، اكتشاف تكافؤ المادة والطاقة، معرفة الكثير عن خصائص الكيانات الدقيقة والمجالات....الخ.

*******

إنه يجب دائما تذكر أن إضافة اليد أو اليدين أو الأعين أو ما شابه ذلك إلى الله هو إشارة إلى أن لله كياناً حقيقيا فعالا وأن الآيات التي أضافت مثل هذه الأشياء إلى الله ذات تشابه مطلق؛ أي لا يمكن أن يرتفع ارتفاعا تاما، فهي مجال للإيمان، ومع ذلك فإن تلك الآيات تتضمن معاني يدركها من كان ذا إلمام كافٍ باللسان العربي، وهذه المعاني ملزمة للناس.

*******

إن الآيات التي نسبت إلى الله أفعالا أو أمورا لها معانيها الحقيقية المحكمة والملزمة للناس كافة، وهي أيضًا آيات متشابهات لما يأتهم تأويلها لأنها تتحدث عمن له الغيب المطلق، فلا يجوز تقييدها بتصورات الناس الدارجة سواء أكانت مادية أو معنوية، فبالأحرى أن يكون الأمر كذلك بخصوص الآيات ظاهرة التشابه، فلا يجوز تفسير أو تأويل الاستواء على العرش بالجلوس عليه ولا بالاستيلاء عليه، وكما لا يجوز تشبيه شئون وسمات الإله بمحسوسات عالم الشهادة والمباني كذلك لا يجوز تشبيهها بكيانات عالم الأمر والمعاني.

*******

إن القول بأن المجاز المشهور مستعمل في بعض العبارات التي تذكر شيئا من الشئون الإلهية لا يعني بالضرورة أنه ليس ثمة إلا المعاني التي يقتضيها هذا القول، ولكنه يعني بالضرورة تنزيه الإله عن المعنى الحسي الدارج الذي يسمونه بظاهر العبارة أو المعنى المعلوم، ولكن يجب أن يؤخذ في الاعتبار أن هذه العبارات تتحدث عمن له الغيب المطلق والذي هو فوق كل التصورات، فهي عبارات متشابهات، بمعنى أنه لا يعلم تأويلها إلا الله، فلا يعلم حقيقة السمع الإلهي إلا الله، وقد أدرك الإنسان مثلاً الكثير عن الجهاز السمعي الخاص به وبغيره من المخلوقات الأرضية، ولكنه لن يصل في يومٍ ما إلى إدراك حقيقة أو كنه السمع الإلهي، وما يعني الإنسان هو أن يدرك أن ما يلفظ به من قول يسمعه الله من حيث اسمه السميع البصير وأنه يجب أن يعمل بمقتضى ذلك وكذلك أن يدرك أن السمع سمة متميزة عن العلم مثلا.

ويجب عند التعامل مع أمثال هذه العبارات أن يؤخذ في الاعتبار أن القرءان هو كتاب عربي مبين وأنه يستعمل الأساليب العربية المعلومة والمشهورة، فلا يجوز أبدًا إنكار وجود المجاز في القرءان أو في العبارات التي تذكر شيئاً عن السمات والشئون الإلهية، فالمجاز من الأساليب العربية المشهورة، ولقد استعملها القرءان كلها، ولقد قال تعالى: 

{وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} الأعراف179.

فهم بالتأكيد يبصر بعضهم بعضا ويسمع بعضهم بعضا، ولكنهم لم ينتفعوا بما أوتوا من حواس انتفاعا ينجيهم في الدار الآخرة، فبالنسبة للإنسان العربي العادي فالآية تستعمل أسلوبا مجازيا بلا ريب، ولكن قد يكون ظاهر الآية أنها تستعمل أسلوبا مجازيا بينما هي تشير إلى أمور غيبية يجهلها الإنسان عادة مثل الحواس الباطنة، والآيات الآتية تبين ذلك: 

{وَاللّهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ }النحل65، {أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاء أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ}الأعراف100، {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ }يونس67، {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلا}الفرقان44، {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ } السجدة26.

فمن الواضح أن الإشارة إنما هي للملكة القلبية المسماة بالسمع أيضا، فإن جل الناس يسمعون بجهازهم السمعي المعلوم ولكنهم لا يدركون أن الأمور الذكورة في الآيات القرءانية هي من الآيات الكونية.

وقد يكون المجاز المشهور أولى من الحقيقة، فإضافة أسماء الجوارح مثلا إلى أسماء المعاني كالرحمة أو العذاب أو إلى الكتاب هو بالضرورة من المجاز، بل إن هذه التعبيرات لشهرتها غلَّبت المعنى المجازي على المعنى الحقيقي وأصبح من الممكن اعتبارها أسلوبا بلاغيا للدلالة على المعنى الذي كان مجازيا، ولقد استعملت اليد واليدين والأيدي في أساليب متنوعة للدلالة على أمور عديدة، ولم يكن المراد منها أبداً إثبات الجارحة للإنسان أو إثباتها للكتاب أو الرحمة، ولا يجوز أن يقال إن للرحمة يدين لائقين بها أو إن للرحمة يدين ولكن بلا كيف.

ولكن الحكم على عبارة بأنها مجازية أو على حقيقتها هو أمر نسبي، فالعبارة المجازية على مستوى العالم المشهود قد تصبح عبارة حقيقية على مستوى عالم ألطف، وكمثال على ذلك فإنَّ كلمة أعمى موضوعة في اللغة لمن فقد حاسة البصر، ولكنها استعملت في القرءان الكريم للدلالة على من ضل عن سبيل الحق، فهذا الاستعمال من وجهة النظر البشرية هو من المجاز، ولكن الحقيقة هي أن لكيان الإنسان الجوهري بصره الخاص أيضاً، وهو أهم للإنسان من بصره الحسي، وقد يؤدي تراكم آثار الأعمال السيئة إلى عمى هذا البصر فيضل الإنسان ويهلك هلاك الأبد، فالحكم على عبارة بتضمنها مجازاً هو أمر نسبي.

*******

إن الاسم الحقيقي لابد أن يشير إلى سمة إلهية، والسمة الإلهية الحقيقية لابد أن يشار إليها باسم حقيقي، فالاسم العليم يشير إلى سمة العلم، والاسم ذو الفضل يشير إلى سمة الفضل، والاسم رب العزة يشير إلى سمة العزة...، أما الأسماء التي وضعت أصلا للإشارة إلى الجوارح والأعضاء المعلومة فلا تصلح كأسماء أو سمات (صفات) إلهية، ومع ذلك يجب العلم بأن للمفردات المذكورة في القرءان مضافة إلى الله معانيها الأصلية وفقاً للغة العلوية المحكمة، وهي تشير بالضرورة إلى سمات وفعاليات إلهية أدرك بعضها الأشاعرة، والجوارح المعلومة هي من آثارها ومقتضياتها على المستوى المادي.

عدد المنشورات الفرعية : 65

عدد المنشورات : 458