الأصل البابلي الفارسي لأسطورة المنتظر

الأصل البابلي الفارسي لأسطورة المنتظر


وأصل عقيدة الماشيَّح؛ أي المسيح المخلِّص فارسية بابلية، وقد بدأت هذه العقيدة تظهر أثناء التهجير البابلي، وقد صادفت هوى لدى اليهود نظرا للحالة البائسة والمزرية التي كانوا عليها، ولكنها تدعمت أكثر حينما رفض الفرس إعادة الأسرة الحاكمة اليهودية إلى يهودا مفضلين أن يسوسهم الكهنة.

لقد فقد اليهود الأمل في أن يكونوا قوة دنيوية عظمى، وكانوا قد عولوا كثيرا على قورش الفارسي حتى سموه بالمسيح، ولكنهم أيقنوا أن الإمبراطوريات الكبرى تظهر وتتلاعب بهم، ولا يملكون أي شيء حيالها، ولم يكن اضطرارهم لمصانعة الفرس بل والتسبيح بحمدهم وحمد قائدهم قورش بأقل ضررا عليهم من ويلات الأسر البابلي.

ولذلك ترسخت عقيدة المسيح المنتظر في الوجدان اليهودي، حتى أنه حينما اعتلى الحشمونيون (أسرة من الكهنة اليهود) العرش، كان ذلك مشروطًا بتعهدهم بالتنازل عنه فور وصول المسيح الذي لم يشكوا في حتمية مجيئه أبدا، وذلك لكون الحشمونيين لاويين، وليسوا من سلالة داود بن يسَّى.

وقد أخذت عقيدة الماشيَّح عند اليهود في البداية صورة دنيوية تعبِّر عن درجة خافتة للغاية من الحلول الإلهي، ولكنها أصبحت بعد ذلك تعبيرا عن حلول إلهي كامل في العالم المادي الطبيعي.

ووفقا هذه الصورة فإن الماشيَّح محارب عظيم سيعيد مُلْك اليهود ويهزم أعداءهم، وتزايدت درجة الحلول، ومن ثم ازدادت القداسة، فيظهر الماشيَّح بن داود على أنه ابن الإنسان أو ابن الإله، ولما لم تتحقق الآمال المشيحانية، ظهرت صورة أخرى مكملة للأولى، وهي صورة الماشيَّح ابن يوسف الذي سيعاني كثيرا، وسيخر صريعا في المعركة، وستحل الظلمة والعذاب في الأرض، وهذا التصور هو الذي انتقل مضخما إلى المسيحيين البولسيين وغذَّته روافد أخرى، ولكن، سيصل بعد ذلك الماشيَّح العجائبي الخارق من نسل داود بن يسَّى، والذي سيأتي بالخلاص.

ويؤمن الفرس الأقدمون بأن إله الخير أهورا مازدا، وهو الإله الأسمى في الميثيلوجيا الفارسية، قد خلق ميثرا لكي يكون عظيما وجديرا بالعبادة كأهورا مازدا، ولكي يقيم ويراقب العقود والصداقات بين الناس، كما أن روح ميثرا ستحل بجسم المنتظر شاشويانز الذي سيقود جيوش الخير ضد جيوش الشر في المعركة الأخيرة في آخر الزمان.

ومن الجدير بالذكر أن قصة ميثرا هي بعينها قصة المسيح بكافة تفاصيلها، نقلها بولس بحذافيرها، وكان ميثرا هو الإله المعبود في كافة أرجاء الإمبراطورية الرومانية، ويقال إن الفاتيكان قد بُني مكان معبده! وكان يُعبد معه إيزيس (العزى المصرية) حاملة الطفل حورس في كافة مواني البحر المتوسط، وقد انتقلت طقوس عبادتها وموسيقاها إلى المسيحية.

ولقد ناط اليهود بالمسيح المنتظر مهام عديدة على كافة المستويات، فهو سيأتي ليعدل مسار التاريخ اليهودي، بل البشري، فينهي عذاب اليهود ويأتيهم بالخلاص ويجمع شتات المنفيين ويعود بهم إلى صهيون ويحطم أعداء إسرائيل، ويتخذ أورشليم عاصمة له، ويعيد بناء الهيكل، ويحكم بالشريعتين المكتوبة والشفوية ويعيد كل مؤسسات اليهود القديمة مثل السنهدرين، ثم يبدأ الفردوس الأرضي الذي سيدوم ألف عام، وهذا الفردوس هو البديل الحقيقي عندهم عن اليوم الآخر، وهذه هي العقيدة التي تم دسَّها في التراث الإسلامي بعد إجراء ما يلزم من التعديلات، وهي نفسها التي تمكنت بها الصهيونية العالمية من استعباد أكثر من 70 مليون أمريكي وتسخيرهم لصالح إسرائيل.

فمفهوم المسيح المنتظر هو مفهوم يهودي صرف، ولذلك كان من الطبيعي أن يظهر عندهم من حين لآخر من يظن أو يدعي أو يدعي الناس له أنه المسيح المنتظر، مثلما حدث مع الرجل المصلوب في العهد الروماني ومع بر كوخبا الذي قاد ثورة اليهود الثالثة ضد الرومان وحقق انتصارات مذهلة في البداية، ولكن ثورته فشلت من بعد فشلا ذريعا، وتم إعدامه هو وقادة المجمع اليهودي بعد تعرضهم لتعذيب بشع وإبادة أكثر من نصف مليون يهودي وتسوية كل مدنهم وقراهم بالأرض واسترقاق من بقي منهم أو تشريده في الأرض.

ولقد كان المسيح الحقيقي خاتم من يحق أن يُقال إنه مسيح وفق مفهومهم، ولقد حذرهم من ظهور من يدعي أنه هو أو أنه المسيح المنتظر، ولكنهم رفضوا الاستماع إلى تحذيره، وظلوا ينتظرون المسيح بالمفهوم الخاص بهم، كما أن مفهوم المسيح الدجال قائم عندهم، فهو من نبع بيئتهم وتاريخهم، فهم الذين يترقبون المسيح المنتظر، وهم الذين يخشون أن يظهر من بينهم دجال يزعم أنه المسيح المنتظر، ومن هنا نشأ مفهوم المسيح الدجال.

أما المسلمون فالقرءان يلزمهم بالإيمان بأن المسيح قد أتى وأدَّى رسالته التي حملها إلى بني إسرائيل؛ فقد كان مرسلا إليهم وحدهم حصرا وقصرا بنصّ القرءان الكريم، وليس إلى غيرهم، وقد توفاه الله ورفعه إليه مثل كل من خلوا من الأنبياء، كما يلزمهم القرءان بالإيمان بأن النبوة قد ختمت في نصوص قطعية الدلالة، لذلك كان من المفترض ألا يكون لمفهوم المسيح المنتظر (أو المسيح الدجال) أي وجود في الكيان الإسلامي أو في الأمة الإسلامية، ولكن لما كان قد ثبت لدى اليهود أثر هذا المفهوم المدمر على الأمم فقد تمكنوا عن طريق عملائهم من دسّ هذه الأسطورة في التراث الإسلامي ليتبناها المحسوبون على الإسلام ولتكون من أسباب تحريف دينهم وتقويض حضارتهم، وقد دخلت بصورتين، ثم التوفيق بينهما فيما بعد!

ومن سخرية واضع المروية بسذاجة وضحالة المحسوبين على الإسلام أن أعطاهم علامة حتى يميزوا ربهم، وهي أنه ليس بأعور!!!!!!!!؟؟؟؟؟؟؟؟!!!!!!!!! وهذا القول يتضمن تسليم المروية والمسلمين بأن الإله شخص مثل البشر!!!!!!! وأنه يتميز عن الدجال بأن عيونه سليمة!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

فكلمة "الماشيَّح" تشير إلى كل ملوك اليهود وأنبيائهم، بل كانت تشير أيضاً إلى من أسدى لهم خدمات جليلة من الملوك مثل قورش ملك الفرس، أو إلى أي فرد يقوم بتنفيذ مهمة خاصة يوكلها الإله إليه. كما أن هناك في المزامير إشارات متعددة إلى الشعب اليهودي على أنه شعب من المشحاء.

ولأن إله اليهود لا يَحلّ في التاريخ فحسب، وإنما يحل في الطبيعة أيضًا، فإن العصر الذهبي (أو العصر المشيحاني) يشمل التاريخ والطبيعة معا، فعلى مستوى التاريخ، فالسلام، سيعم بسببه العالم، والفقر سيزول، وستُحول الشعوب أدوات خرابها إلى أدوات بناء، ويصبح الناس كلهم أحباء متمسكين بالفضيلة، ولكن صهيون ستكون بطبيعة الحال مركز هذه العدالة الشاملة، كما ستقوم كل الأمم على خدمة الماشيَّح. وفي رواية أخرى؛ ستسود صهيون الجميع وستحطم أعداءها، أما على مستوى الطبيعة، فإننا نجد أن الأرض ستُخصب وتطرح فطيرا، وملابس من الصوف، وقمحا حجم الحبة منه كحجم الثور الكبير، ويصير الخمر موفورا.

وعقيدة المسيح المنتظر تنشأ عن فكر حلولي متطرف يعبِّر عن فشل الإنسان في تصور أو تفهم العلو الإلهي المطلق على المخلوقات وعن فشله في إدراك مفهوم الألوهية والفارق الهائل بينها وبين كافة المفاهيم الأخرى، كما تعبر عن ضيق الإنسان بفكرة الإله المتعالي على الطبيعة والمادة والتاريخ، وعن ضيقه بفكرة حدود الإرادة الإنسانية والعقل البشري، كما تعبر عن عدم تفهمه للتاريخ باعتباره المجال الذي جعله الله تعالى للإنسان مجالا ليمارس فيه لوزام حقيقته من إرادة حرة واختيار، فهذه العقيدة تعبر عن ضيق صبياني بالوضع الإنساني وعن محدوديته بالنسبة إلى خالقه وعن عجزه عن تغيير واقعه وتحقيق المقاصد الإلهية الدينية.

فالكيانات الإنسانية عندما تتعرض لكوارث ماحقة تزلزل أعماق كياناتها تضيق بواقعها وتتخيل تساقط الحدود ليحل الإله في التاريخ والطبيعة والإنسان وينهي كل المشاكل دفعة واحدة إما بتَدخُّله الفجائي والمباشر في التاريخ أو بإرساله المخلِّص، وذلك مضاد للرسالة الدينية الحقيقية التي تجعل التاريخ مجالاً للفعـل الإنسـاني الحر والرقي التدريجي ومظهرا من مظاهر الإرادة الإلهية ومجالا لسريان السنن الإلهية الكونية، إنهم لم يستطيعوا فقه واستيعاب حقيقة الغنى الإلهي المطلق؛ أي لم يفقهوا ما جاء في القرءان:

{وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِين} [العنكبوت:6]، {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِين} [يونس:99].

كما أنهم لم يفقهوا أو بالأحرى لم يعلموا شيئا عن المقاصد الدينية أو المقاصد الوجودية.

*******

عدد المنشورات الفرعية : 63

عدد المنشورات : 416