مدينة خسيسة 2

صاحب تضخمَ أمواله ازديادُ نفوذه وكثرة أتباعه، صار أقوى من شرطة المدينة، أغدق عليهم من ماله، أصبحوا رهن إشارته وطوع بنانه.

أعمى الجشع بصيرته، أصبح غشاشًا مخادعا، لم يكن أمام سكان المنطقة إلا الرضا بما هم عليه، كان جند المدينة يدينون له بالولاء التام، كما أن تكاليف الذهاب إلى أقرب مدينة لشراء اللحوم كانت باهظة بالنسبة لهم، لذلك لم يجدوا إلا الصبر انتظارا للفرج، أما هو فرغم تدهور أخلاقه كان فيه بقية من خير لنشأته القديمة، كان يجود على الفقراء في المواسم والأعياد، وكان يوفي الكيل لبعض من يرى فيهم شدة العوز.

وذات يوم قرر أحد عتاة المجرمين من الحاصلين على لقب مسجل خطر قلب الأوضاع في هذه المدينة رأسًا على عقب، كان من أهل هذه المدينة أصلا واسمه جزار، كان على دراية تامة بكل أساليب جزار الأمانة لأنه هو نفسه كان يعمل صبيا عنده، ضبطه الجزار عدة مرات وهو يسرق، لم يُجدِ معه أي نصح أو علاج، قرر طرده.

جاءه الصبي بأمه التي أخذت تبكي وتتوسل إلى جزار الأمانة أن يعطيه فرصة أخرى، استجاب مرة، ولكن الصبي لم يتراجع عن سلوكه، وإنما أصبح، فقط، أكثر حرصا وحذرا، ضبطه الجزار مرة ثانية وقرر حسم أمره.

جاءه الصبي بأمه مرة ثانية، أخذت تبكي وتتوسل من جديد، رفض بشدة هذه المرة، أكبت على قدميه تقبلهما، ولكن دون جدوى، حاولت إفهامه أن هذا الصبي هو عائلها الوحيد ويعول معها أخواته من البنات الصغار، كان ذلك آخر ما في جعبتها.

ولكن الجزار لم يبد تجاههما أي رحمة، لما تمادت في الاستجداء ضاق بها ذرعا فجاء أعوانه وألقوها وابنها خارج الجزارة.

لم يعد أمام الصبي إلا أن يمتهن السرقة، لم يكن بالطبع متمرسا فسقط في أيدي الناس عدة مرات، وناله في كل مرة قدر هائل من الضرب والتجريس، كان ذلك مما يرسخ في نفسه النزعات الإجرامية ويجرده من كافة النزعات الإنسانية.

في النهاية لم يعد أمامه هو وأسرته المعدمة إلا الرحيل من المدينة إلى مدينة أخرى لا يعرفهما فيها أحد، في المدينة الجديدة اضطر إلى احترف الإجرام رسميا، انضم إلى إحدى العصابات، بدأ يحقق نجاحات بسيطة، وشيئا فشيئا بدأت مهاراته تتزايد وأحدث لنفسه أسلوبه الخاص.

بدأت أرباحه من السرقات تزداد وإن لم تلاحق تصاعد الأسعار وغلاء المعيشة والاحتياجات المستمرة لأسرته وتكاليف علاج أمه.

وذات يوم فوجئ جزَّار بأحد زملائه في عصابته وقد انقطع عن العمل مدة طويلة، أخذوا يبحثون عنه دون جدوى، أيقنوا أنه قد حدث له مكروه، يأسوا من أمره، فكفوا عن البحث عنه.

وبعد فترة من الزمن ليست بالقصيرة فوجئوا به يزورهم في وكرهم العتيد وقد أخذ المظهر السلفي العتيد.

فوجئوا جميعا بما حدث، لم يكن يخفى عليهم أمر رفيقهم القديم، فقد كان أفجرهم وأخسهم طبعا، تحلقوا حوله، وقد استبد بهم الفضول، وأخذت أسئلتهم تنهال عليه.

قال لهم إن هذا التحول جاء بمحض الصدفة، وأنه فوجئ بتغير نظرة الناس إليه في قريته النائية عندما أخذ هذا المظهر، وأن ذلك قد أتاه -بالإضافة إلى احترام الناس- بمكاسب وحياة هنيئة تغنيه عن احتراف الإجرام.

التقط جزار الفكرة وتشبث بها، يستطيع العودة الآن إلى مدينته القديمة مظفرا والانتقام من جزار الأمانة، سأل رفيقه عما يلزم ليكون مثله، قال له:

"إن الأمر في غاية السهولة، بل هو أسهل بكثير من ممارسة الإجرام الشاقة والخطرة، عليك أن ترتدي الزي السلفي التقليدي، العبارات التي يجب أن تحفظها وأن ترددها قليلة، سأعلمك إياها عن طيب خاطر بحكم صداقتنا القديمة، عليك أن ترهب الناس فلا يفكرون فيما تقول، يجب أن تظهر أمامهم في مظهر الذي يعلم كل شيء، ولا يخفى عليه شيء، وسأعطيك بعض الأشرطة لتستمع إليها وأنت تأكل أو فيما تيسر من أوقات الفراغ لتلتقط منها بعض ما يمكنك أن ترهبهم به وتسيطر به عليهم، لا تهتز أمامهم، وإذا لم تجد ما تقوله قل أي شيء، وسيصدقونك، لا تنس أن أكثرهم مجرد بهائم، أعداؤك الحقيقيون هم المثقفون، وهؤلاء لا تجادلهم، بل اشغلهم بالدفاع أمام الناس عن أنفسهم، وسأعطيك قائمة من الشتائم والاتهامات عليك أن تبادر بقذفهم بها إذا ما تعرضوا لك، وستجد أكثر الناس ضدهم ومعك".

تعلم جزار كل ما يلزم من صديقه، استوعب بسرعة كل ما كان يعلمه، وهو لم يكن كثيرا، أشاد زميله بقدرته على الاستيعاب السريع، علمه كيف يستزيد إذا أراد، ولكنه شدد على أهمية الأداء الجيد.

بعد مزيد من التدريب الذي استلزم منه المواظبة على حضور خطب الجمعة مُكرَها في مسجد السلفية القريب من وكْرهم رأى أنه قد حان وقت العمل.

رسم خطته جيدا، أعدّ للأمر عدته، كان بصحبته مجموعة من عتاة البلطجية الذين تمسلفوا مثله، كانت خطته تقضي بالهجوم على جزرة الأمانة والاستيلاء عليها وطرد صاحبها منها بالقوة وفرض الأمر الواقع الجديد على الجميع.

عدد المنشورات الفرعية : 65

عدد المنشورات : 457