نظرات في المذاهب

12

العُـرف

الجدول

قالوا: العُرف هو ما تعارفه الناس وساروا عليه، من قول، أو فعل، أو ترك، ويسمى العادة. وفي لسان الشرعيين: لا فرق بين العرف والعادة، فالعرف العملي: مثل تعارف الناس البيع بالتعاطي من غير صيغة لفظية. والعرف القولي: مثل تعارفهم إطلاق الولد على الذكر دون الأنثى، وتعارفهم على أن لا يطلقوا لفظ اللحم على السمك. والعرف يتكون من تعارف الناس على اختلاف طبقاتهم عامتهم وخاصتهم بخلاف الإجماع فإنه يتكون من اتفاق المجتهدين خاصة، ولا دخل للعامة في تكوينه.

والعرف نوعان: عرف صحيح، وعرف فاسد.

فالعرف الصحيح: هو ما تعارفه الناس، ولا يخالف دليل شرعيا ولا يحل محرما ولا يبطل واجبا، كتعارف الناس عقد الاستصناع، وتعارفهم تقسيم المهر إلى مقدم ومؤخر، وتعارفهم أن الزوجة لا تزف إلى زوجها إلا إذا قبضت جزءا من مهرها، وتعارفهم أن ما يقدمه الخاطب إلى خطيبته من حلي وثياب هو هدية لا من المهر.

وأما العرف الفاسد: هو ما تعارفه الناس ولكنه يخالف الشرع أو يحل المحرم أو يبطل الواجب، مثل تعارف الناس كثيرا من المنكرات في الموالد والمآتم.

والعرف الصحيح يجب مراعاته في التشريع وفي القضاء، وعلى المجتهد مراعاته في تشريعه؛ وعلى القاضي مراعاته في قضائه؛ لأن ما تعارفه الناس وما ساروا عليه صار من حاجاتهم ومتفقا ومصالحهم، فما دام لا يخالف الشرع وجبت مراعاته، والشارع راعي الصحيح من عرف العرب في التشريع، ففرض الدية على العاقلة، وشرط الكفاءة في الزواج واعتبر العصبية في الولاية والإرث.

ولهذا قال العلماء: العادة شريعة محكمة، والعرف في الشرع له اعتبار، ومن العبارات المشهورة: "المعروف عرفا كالمشروط شرطا، والثابت بالعرف كالثابت بالنص"

وفي فقه الحنفية أحكام كثيرة مبنية على العرف، منها إذا اختلف المتداعيان ولا بينة لأحدهما فالقول لمن يشهد له العرف، وإذا لم يتفق الزوجان على المقدم والمؤخر من المهر فالحكم هو العرف، ومن حلف لا يأكل لحما فأكل سمكا لا يحنث بناء على العرف.

وأما العرف الفاسد فلا تجب مراعاته لأن في مراعاته معارضة دليل شرعي أو إبطال حكم شرعي.

والأحكام المبنية على العرف تتغير بتغيره زمانا ومكانا، لأن الفرع يتغير بتغير أصله، ولهذا يقول الفقهاء في مثل هذا الاختلاف: إنه اختلاف عصر وزمان، لا اختلاف حجة وبرهان.

والعرف ليس دليلا شرعيا مستقلا: وهو مأخوذ في الاعتبار في المصطلحات التي تتنوع وتتسع مدلولاتها بتغير العصر والمصر، فتعريف المسكين وتعريف أوسط الطعام وتعريف الفقير يعتمد على هذا العرف.

وما قالوه عن العرف إنما يصلح في الأحكام والمعاملات والمنازعات بين الناس، ولا يصلح لإحداث أحكام دينية.

إن المشكلة هي في خلطهم بين الأمور الدينية من ناحية وبين الأحكام الجزئية المتعلقة بالمعاملات وبالمنازعات بين الناس.

ولقد كان ذلك من أسباب الجمود والاستعصاء على التطور الذي ضرب الشعوب المحسوبة على الإسلام في شبه مقتل.

1

1.png