top of page

كتب أ.د. حسني المتعافي

من كتابنا رقم 202، القراءة الأوْلى والتجويد والقراءات الأخرى، 2022، (1)

هل يجب على قارئ القرءان الالتزام بقراءة معينة؟

الواجب على المسلم أن يتلو ويقرأ ويتدبر القرءان، بإجلال وخشوع واحترام، وأن يتحرى النطق الصحيح لحروفه وكلماته، وهو غير ملزم بتعقيدات أحكام التجويد.

والقراءة بالعينين، أو في داخل النفس، بحضور قلب هي أفضل ممن يقرأ وقلبه واجب يرتجف خوفًا من أن يقترف خطأ في مد حرف أو في إخفاء حرف أو في إدغام حرف.

وما هو مطلوب من المسلم أن يكون ملما بأساسيات اللغة العربية، وأن يقرأ القرءان بتدبر وتفكر في آياته، مع استحضار عظمة قدر من القرءان كلامه.

وقد قالوا: لا يستوي في المرتبة من حفظ القرءان بقراءة واحدة مع من حفظه بقراءتين مع من جمع العشر المتواترة كلها.

هذا الكلام لا علاقة له بدين الحق، وكم من أولياء عظام، وصلوا إلى مراتب الصديقين، لم يسمعوا بأي شيء عن موضوع القراءات أصلا.

الأكرمية عند الله بالتقوى والعمل بمقتضى أن الإنسان خليفة في الأرض، وليس بالمحاكاة الدقيقة للهجات ولكنات الأعراب، والقيام بحقوق القرءان هو بالعمل بما فيه من أوامر إلهية، ومنها النظر في آياته وتدبرها والتفكر فيها وتلاوته وقراءته، وأفضل ذلك أن يكون بالقلب.

أما اختيار هذه القراءات المعروفة فكان عملًا بشريا معلومًا، والمسؤول عنه أساسًا اثنان فقط، ابن مجاهد في القرن الرابع، وابن الجزري في القرن التاسع، أما عمل ابن مجاهد فقد تعرض لنقد لاذع وانتقاد شديد، فلم يكن التوثين قد تمكن من الناس، أما عمل ابن الجزري فلم يلق انتقادًا يعتد به، وبمجرد أن أضاف ثلاث قراءات إلى سبعة ابن مجاهد أصبحت توصف بالتواتر، رغم أنه هو نفسه ليس من القائلين به، فهو لا يقول بتواتر القراءة من القارئ إلى الرسول.

ومن المعلوم أن عمل كلٍّ من الإمامين كان اجتهادًا فرديا، ولم تعتمده أي جهة! ولم تكن توجد أي جهة يمكن أن يُعتدّ بها لتفعل شيئا من ذلك!

*******

قالوا: والحكمة الأساسية من تنوع القراءات القرءانية هو التيسير على الأمة والتخفيف عنها! ويستشهدون بآيات هي ضد زعمهم هذا، لقد جلبوا الشقاء على الناس، وجعلوا تعلم القرءان والتعبد به عسيرًا عليهم، وأوهموهم أن الدين هو التبحر في القراءات، فأرغموهم على اتخاذ القرءان مهجورا.

أما المقصد الأساسي من تكاثر القراءات ورواياتها وطُرُقها وشغل الناس بالتفنن فيها فهو شغل الأمة عما هو مطلوب منها من الأوامر القرءانية الحقيقية الكبرى، وتكريس اتخاذ القرءان مهجورا، واختلاق مصارف لتفريغ حب الناس للقرءان ورغبتهم في الاستزادة من العلم به، وخلق شعور زائف لدى الناس بأنهم قاموا بما يجب عليهم تجاه القرءان.

*******

هل يجوز لمن قرأ في المصحف أن يدع الغنة أو الإخفاء أو الغلوّ في المدَ والإدغام، وما أشبه ذلك، فالصواب في هذه المسألة أنه يجوز له ذلك وأن القراءة بالتجويد على حسب القواعد المعروفة إنما هي على سبيل الاستحباب لمن استطاع، وأما الواجب فإنه إقامة الحروف فقط بحيث لا يسقط حرفًا أو يزيد حرفًا، وأما الصفات العارضة للحروف من مد وغنة وإخفاء، وما أشبه ذلك، فإنه من باب الاستحباب وليس من باب الوجوب.

*******

الخلط الإبليسي

الحكم على أمور مثل نقل الحركة أو تقدير المدّ أو الإمالة لا يكون من حيث التواتر، ولكن يجب دراسة هذا التواتر، إن وجد، والنظر في حقانيته ومصداقيته.

فكما سبق القول يمكن أن تتواتر قراءة قبيلة ما، سكنت الكوفة أو البصرة أو الشام مثلا، ولكن من المعلوم أن هذه القبيلة كانت تقرأ القرءان بلغتها، هذا أمر ثابت بالمنطق وبالآثار الدينية وبالتاريخ، فلا مراء فيه.

ولذلك هناك أمرٌ يجب أخذه في الاعتبار، هل قراءة قبيلة ما ملزمة للمسلمين إلى يوم الدين؟

وهنا جاء دور إبليس اللعين، فقد لبس عليهم الأمر، فحدث خلطٌ بين الأحرف السبعة التي نزل عليها القرءان وبين لغات العرب.

وبذلك أصبح القول بأن القرءان نزل على سبعة أحرف يعني أن القرءان نزل بسبع لغات للقبائل العربية، وصار الأمر {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْءانِ} يعني "اقرؤوا القرءان بأي لغة عربية شئتم"، ومن قالوا بذلك كان عليهم أن يحددوا هذه اللغات السبع بطريقة قطعية يقينية، حتى لا يدخل فيها غيرها، وبالتالي أصبح هذا القول لا يعني إلا السماح لأي أعرابي أن يقرأ القرءان كما يحلو له، ليجيء من بعده من يعتبر قراءته قراءة منزلة، وموحىً بها.

أما الحقّ فهو أن السماح للقبائل العربية بقراءة القرءان بلغاتها هو من أحكام الاضطرار، وقد كان رخصة مؤقتة، وهو أشبه بالسماح للألثغ بقراءة القرءان، على أن يحاول النطق بالراء بقدر الاستطاعة، وبافتراض أنه تمكن من النطق بها، فإنه يكون ملزما بنطقها عند القراءة.

أما إذا كان هذا السماح هو سنة حاكمة وملزمة، فلم يرد أنه تمَّ إبطاله، وبالتالي يمكن الآن لأي عربي أن يقرأ القرءان باللكنة واللهجة التي يعرفها.

وكما فرض الأعراب تقاليدهم على الدين فقد فرضوا طريقة أدائهم للألفاظ على القرءان، بمجرد الزعم بأن القرءان أُنزل بسبع لغات عربية، والقرءان يدحض هذا الافتراء بكل قوة.

*******

قراءة كل مصر منقولة جيلا عن جيل، وهي لذلك متواترة، ولكنها في النهاية قراءة قبيلة أو أكثر، ولذلك كان من الممكن أن تتواتر قراءة الإمالة والغلوّ فيها لمن كان من هوازن وبكر بن وائل وسعد بن بكر، وأن يتواتر الغلوّ في الإدغام لمن كان من تميم وأسد.

ولكنهم يقفزون ويزعمون أن القرءان نزل به جبريل هكذا، وهم يقولون ذلك بثقة مذهلة!!

1

bottom of page