الجدول

نظرات في التاريخ العام

صلاح الدين الأيوبي 3

صلاح الدين الأيوبي 3

كانت الدولة الفاطمية قد دخلت في طور الاحتضار، استنجد آخر خليفة فاطمي بنور الدين زنكي، سلطان الدولة الزنكية، وهي دولة تركمانية من بقايا السلاجقة، فأرسل جيشًا بقيادة شيركوه عم يوسف الأيوبي، وكان السلطان الفاطمي هذا هو الذي أطلق على يوسف اسم صلاح الدين، وبذلك أثبت أن أئمة الشيعة الإسماعيلية خزعبلاتية، ولا يعلمون الغيب كما كانوا يشيعون، ولو كان يدري ما سيفعله هذا الصلاح بالفاطميين من جرائم لم تخطر ببال بشر من قبل لسمَّاه خراب الدين.

حدثت وقائع عديدة أجاد صلاح الدين استثمارها ليجد نفسه صاحب السلطة الأقوى في مصر، وكما حدث مرات عديدة في مصر، من قبله ومن بعده، قرر أن يؤسس لنفسه مملكة فيها وأن يستقل بها عن سيده نور الدين.

اتبع أساليب بشعة للقضاء على أي خطر يهدده في مصر، أباد عشرات الألوف من الجند السودانيين المناصرين للفاطميين، عندما فرّ بعض الشيعة إلى اليمن لاحقهم، ففروا إلى الهند، كان عدوا لدودا للفكر والثقافة والحضارة، فقضى على دار الحكمة، واستولى على كنوز الفاطميين، وأغدقها على كل من هبّ ودبّ، ماعدا المصريين.

قرر سيده نور الدين تأديبه فقرر الزحف على مصر، ولكنه توفي فجأة!!! فقرر صلاح أن يستولي هو على مملكته، وهكذا كان الأمر، في العلاقات بين الدويلات (الإسلامية)، هي شريعة الدين الأعرابي التي هي شريعة القبائل الأعرابية، كل كيان إما آكل أو مأكول، وبذلك زحف صلاح الدين على الشام، واستولى على مدنه واحدة تلو الأخرى، مستغلا مشكلة سوريا الأزلية، وهي أنها مكونة من واحات أو مدن-دول مستقلة، ومن الصعب أن تكون كيانا موحدا، أو تتحد لتواجه أي خطر.

ولكن صلاح الدين كان يدرك تمامًا أن أكبر خطر يهدد مشاريعه هو الخطر الصليبي، وكان الطرطور العباسي في بغداد يجاهد ضد الصليبيين بأن يبعث إلى صلاح الدين يحرضه على حربهم، رغم أن هذا الطرطور كان يحكم نظريا إمبراطورية تمتد من حدود الصين إلى المغرب!! وحتى لا يذهب أحد بعيدا، لم يكن هذا الحكم يعني إلا أن يدعو له المشايخ على المنابر الأدعية المعلومة، هذه هي الخلافة التي يقدسها الغوغاء والسفهاء.

خرج أخيرًا إلى الصليبيين في الشام، فتربصوا به، وهزموه هزيمة منكرة في موقعة تل الجزر، مونجيسار، أو الرملة، 1177م، وأبادوا جيشه، كان الجيش الصليبي الصغير بقيادة الغلام بلدوين الرابع، ذي الستة عشر ربيعا، وقد خلد بلدوين انتصاره بإقامة دير بندكتي في ميدان القتال مكرس للقديسة كاثرين السكندرية.

عاد صلاح الدين إلى مصر في حالة يُرثى لها، وكان قد أشاع أنه انتصر، حتى لا ينتهز الناس الفرصة ويثورون ضده، ولكنه أدرك أنه لابد مما ليس منه بد، وقرر إعداد العدة لينتقم من الصليبيين انتقامًا مريعا، فذهب إلى الإسكندرية!!!! وأخذ دروسًا في الفقه من الشيخ أبي طاهر بن عوف، وسمع عليه موطأ مالك، بروايته عن الطرطوشي.

وفي أثناء ذلك مات ملك حلب، الملك الصالح بن نور الدين، فزحف إلى هناك فورًا واستولى عليها، فلا مشكلة في أن تجمع بين الفقه، وبين سفك دماء المسلمين الآخرين والاستيلاء على بلادهم، حتى وإن كانوا على نفس مذهبك.

لم يشف كل ذلك غليل صلاح الدين من الصليبيين، فهاجم الموصل سنة 1183م، التي كان يحكمها الأمير عز الدين بن مسعود، ولكته لم يستطع (فتحها).

انتهز البرنس الشهير أرناط فرصة جهاد صلاح الدين ضد المسلمين والدين، وقرر الاستيلاء على مكة والمدينة، فاستولى على أيلة (إيلات)، وأنزل أسطوله في البحر ليسير بحذاء الساحل المصري، ثم ليهاجم ميناء عيذاب المصري، ويخربه تخريبا، ثم ليغرق سفينة للحجاج.

تحرك الأسطول المصري بقيادة حسام الدين لؤلؤ، وجد الأسطول الصليبي في ميناء ينبع، فدمره وقتل كل من كان فيه، وأرسل بعضهم ليذبحوا في منى.

لم تزد هذه الواقعة صلاح الدين إلا تصميما على الثأر من الصليبيين، فزحف بالجيش وهاجم الموصل!!!! و(فتحها) أخيرا سنة 1185م.

ولكن المشكلة أن البرنس أرناط ذا الدم الحامي المتقد ضاق ذرعًا ببرود صلاح الدين، وتشاغله عنهم بالحروب ضد المسلمين الآخرين، فقرر أن يبادر هو بالهجوم بدلا من أن ينفجر من الغيظ.

وهكذا هاجم أرناط قافلة تجارية، كانت متجهة من مصر إلى الشام، استولى على كل ما فيها، وأخذ من فيها أسرى، وأخذ يسخر من الإسلام.

ولكن هيهات، لم تحرك هذه التصرفات الصبيانية صلاح الدين، وأرسل إلى أرناط يُطالبه بردّ الأموال والإفراج عن الأسرى فتجاهله، وبذلك لم يكن ثمة بد من الحرب التي ورط فيها الأحمق أرناط الصليبيين، وكانوا في غنى تام عنها.

ومن حسن حظ صلاح الدين أن حماقة أرناط في السياسة كانت لا تقل، بل تتفوق، على حماقته في القيادة، وهكذا ذهب بكل صلف وخيلاء إلى المكان الذي اختاره صلاح الدين للمعركة، قاد أرناط الصليبيين إلى هزيمة منكرة في حطين، وكانوا هم في غنى تامّ عن خوض هذه المعركة أصلا.

والمشكلة أن القوميين العرب اعتبروا صلاح الدين رمزًا، وربما نبيا، للقومية العربية، وأصبحت أفعاله سننا مقدسة، رغم انتهاء أمره ومشروعه بالفشل الذريع.

ولقد أثبت الملك الصالح نجم الدين، ومن بعده المماليك، أن مصر لوحدها، بثقلها وتجانسها، تكفي تماما لتحقيق ما هو مطلوب، دون أن ينخرط حاكمها في مغامرات مشرقية.

أما من حاول التأسي بصلاح الدين فقد فشل فشلا ذريعا.

تسلم الزعيم الخالد مصر دولة قوية وغنية، وبها نظام ديمقراطي ليبرالي عريق، وقوى اقتصادية فردية نشطة وماهرة، فأقحمها في مغامرات مشرقية، وجرى وراء السراب السوري، ثم استدرج إلى حرب اليمن ليجد أنه يحارب تحالفًا دوليا يضم بريطانيا التي كانت في اليمن الجنوبي والسعودية وإيران والأردن وإسرائيل، والولايات المتحدة، فضلًا عن أغلبية اليمنيين، ثم استدرج بنفس الطُعم السوري إلى حرب 67، ونتائج كل ذلك معلومة.

وتكرر نفس الأمر مع القائد الهرّ الضرورة صدام، الذي تسلم بلدًا ذا ثروات وموارد أسطورية، ولكنه تقمص شخصية صلاح الدين، فحاول القضاء على إيران الشيعية، كما فعل صلاح الدين بالدولة الفاطمية، ثم استولى على الكويت، كما استولى صلاح الدين على سوريا، فأدى ذلك في النهاية إلى إذلال وتدمير بلاده، وتمَّ القصاص منه بطريقة بشعة، وأصبح عبرة لمن يعتبر، ولمن لا يعتبر.

1