مسألة العترة

مسألة العترة


ورد في مرويات ذات أصول صحيحة منسوبة إلى الرسول أن الإمام عليا هو ولي كل مؤمن كما ورد التوصية بالعترة أهل البيت الذين لن يفترقوا عن القرءان، كما ثبت أن الرسول أعلن عليهم الولي من بعده، وهو الإمام علي، وكان المعني أساسا بكل هذه التوصيات القرن المعاصر للرسول، ولكنهم خالفوا عن أمره!!

والولاية كما شرحنا كثيرا هي القيام بالمهام التي كانت منوطة بالرسول مثل التعليم والتزكية والإنذار والتبشير والحكم (القضاء) بينهم وتبيين القرءان لهم...الخ، وليس لها أي مدلول سياسي، فالرسول لم يكن ملكا ولم يؤسس مملكة ليورثها لأحد، بل أسس أمة تحكم نفسها بنفسها، أما تحويل الأمة إلى دولة فالمسئول عنه هو الخليفة أبو بكر!

ولقد انتشرت ذرية أهل البيت في الأمصار، وأكثرهم الآن لا يعرفون أنهم من أهل البيت، فقد انتقل الأمر من ظاهر إلى باطن بمجرد رفض الأمة الالتزام بالأمر النبوي، ولذلك فكثير من الأولياء الصالحين والمصلحين الحقيقيين هم من أهل البيت.

فالإمام عليّ قد عُيِّن وليا لأمر الأمة التي أسسها الرسول محققًا بذلك مقصدًا من مقاصد الدين العظمى، ولم يعين حاكمًا سياسيا لدولة لم يكن لها وجود، ولا يمكن أن يقوم الرسول صاحب الرسالة الخاتمة بمخالفة مقاصد الدين العالمي.

ولقد انتشرت ذرية أهل البيت في الأمصار، وأكثرهم الآن لا يعرفون أنهم من أهل البيت، فقد انتقل الأمر من ظاهر إلى باطن بمجرد رفض الأمة الالتزام بالأمر النبوي، ولذلك فكثير من الأولياء الصالحين والمصلحين الحقيقيين هم من أهل البيت، ومن لم يكن منهم، ولكن حقق مطالب معينة فإنه يُلحق بهم مثل سلمان الفارسي.

أما المسلمون الآن فهم ملزمون باتباع من ينطبق عليه التعريف المذكور، وهو أنه لا يفترق عن القرءان، فمن لديه القدرة على استنباط الأمور من القرءان هو من العترة، وهو من أهل البيت.

ويجب الكف عن عبادة المقابر تحت أي مسمى، ويجب الكف عن كل ما أحدثه الناس في الدين!

*****

هناك وراثتان: وراثة مادية ووراثة جوهرية، العبرة بالوراثة الجوهرية لا يعلمها إلا الله تعالى!

*******

نعم العترة التي لن تفترق عن الكتاب باقية، ولكنهم الآن أخفياء في الناس، يظهرهم عملهم وليس سلسلة نسب من نقابة الأشراف!

*****

في الحقيقة لا يمكن أن تنقرض ذرية أهل البيت، ولكن الذين انقرضوا هم كل من حاول إبادتهم من الأمويين والعباسيين وكل من كره الرسول ممثلا فيهم، قال تعالى: {إنَّ شانِئَـك هُوَ الأبْـترُ} الكوثر، هذه سنة كونية راسخة.

وهذا هو مصير كل من حمل الراية الشيطانية من بعد هلاك الأمويين والعباسيين!

*****

مروية الاثني عشر إماما كانت تتضمن شرطا، وهي تعني أنه لو ولي أمر الأمة كأمة من بعد الرسول اثنا عشر إماما متتابعين من أهل البيت لاستقام الأمر ولنجحت الأمة ولظل أمرها ماضيا، ولكن الأمة فشلت، فتُركت لنفسها، وأتيحت لها فرصة أخرى بتولي الإمام علي إمارة المؤمنين، ولكنها فشلت مرة ثانية، فعوقبت هذه المرة عقابا أليما.

*******

الوصية بالإمام علي والعترة

على مستوى عالم الشهادة كانت الوصية للإمام علي، وللعترة، خاصة بالقرن الإسلامي الأول (أي من يسمونهم بالصحابة)، وقد عصوها، وهم يتحملون أوزار ذلك.

أصبح تقدم الإمام علي والعترة الحقيقية أمرًا خاصًّا على المستوى الجوهري.

الأمور التي هي على المستوى الجوهري تظل أمورًا ذاتية إلا إذا ثبتت بحجج ظاهرة، والحجج تكون قرءانية أو علمية أو تاريخية أو منطقية.

القرءان هو المصدر الأوحد لأمور الدين الكبرى، وقد نص على أن الأكرمية عند الله بالتقوى.

لا يحق لأحد أن يقول للناس الآن: اتبعوني لأني من أهل البيت أو من سلالة أهل البيت، ولا يحق له أن يتكسب بذلك.

بالنسبة لهيكل دين الحق وبنيانه، لا توجد أفضلية لقبيلة على أخرى فيما يتعلق بولاية الأمر.

أولو أي أمر هم المؤهلون لكي يصدروا قرارات صائبة ومجدية في هذا الأمر، وكما لا يحق لأحد أن يتصدى لعلاج الناس إلا إذا كان مؤهلا لذلك، كذلك لا يحق لأحد أن يتولى أمر كيان أو أمة إلا إذا كان مؤهلا لذلك، والانتماء إلى والدٍ ما أو إلى قبيلةٍ ما ليس تأهيلا.

كل ما حدث من بعد الرسول وقائع تاريخية، كان أبطالها رجالا تاريخيين، ومتبع دين الحق ليس مأمورا تجاههم إلا بالاستغفار لمن سبق بالإيمان منهم.

يمكن لمتبع دين الحق ألا يعلم أي شيء عن تاريخ (الصحابة)، إلا ما يلزم لفقه آيات القرءان.

لا يحق لأتباع أي دين من الأديان التي حلت محل الإسلام أن يتخذوا من حديث العترة ذريعة لترسيخ الشرك بالله وتكريس عبادة المقابر والخرافات والخزعبلات، ولا للتصدي لأي تجديد في الدين

*******

من بعد أن رفض الناس ولاية الإمام علي الظاهرة رغم الإعلان النبوي الصريح والحاسم انتقل الإرشاد الروحاني والتعليم والتزكية وكل الأمور الدينية الجوهرية إلى المستوى الباطني.

فالعترة الذين يجب التمسك بهم هم من تتحدث عنهم علومهم القرءانية، وليس من يقدس معاوية ويعبد (الصحابة) مثل سائر المغضوب عليهم والضالين.

*******

دين الحق هو في كيانه وصياغته مثله مثل أي علم؛ هو نظام من السنن والقيم والبديهيات والمسلمات والنظريات، ولا علاقة له بالأمور الشخصية أو التاريخية، ولذلك يختلف تمامًا عن الكتاب المقدس الذي جعله العبرانيون وورثتهم اليهود كتابًا لقبيلتهم، وتاريخها وملاحمها وكافة شؤون حياتها، ينظم لهم كل شيء حتى أمور خرائهم!!

لذلك لم يورد القرءان، كتاب الإسلام المقدس، أي تفاصيل تاريخية عن الأنبياء، وإنما تحدث عن جوهر رسالاتهم، ولم يورد أسماء أحد من المعاصرين للعهد النبوي إلا مرة واحدة فقط، ولم يذكر إلا ما يلزم لإصلاح أمر المسلمين والبشرية معهم.

لذلك فكل الوصايا النبوية الخاصة بالعترة كانت خاصة بالقرون (الأجيال) الإسلامية الأولى، صدرت عن الرسول باعتباره الرحمة المهداة، ولو استمعوا إليه لأفلحوا، ولأفلحت البشرية معهم.

وكان أهم تلك الوصايا هو وجوب أن يتخذوا من الإمام علي مولى لهم وخليفة للرسول في كل مهامه الخاصة بالأمة الوليدة.

ولكنهم أبوا وتمردوا وانقلبوا على أعقابهم، فكانت النتيجة أن عوقبوا عقابا شديدا، وتحملوا وزر تبديد التراث النبوي، ورغم استيلائهم على ثروات أغنى شعوب الأرض فقد ضربتهم المجاعة والوباء والحروب الأهلية الدامية، وتسلط عليهم مجموعة من أسوأ المتسلطين من أول معاوية إلى آخر طرطور عثمانلي، وضلوا وأضلوا وضلوا عن سواء السبيل، وفرقوا دينهم، وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُون، وكل شيعة منهم تود لو أبادت الأخرى وخاضت في دمائها خوضًا، وتعتبر الأخرى ألد أعدائها.

وكان أشدهم تطرفًا أتباع الدين الوهابي الهمجي الإجرامي، وهؤلاء تحالفوا مع كل شياطين الإنس والجن ضد كل من اختلفوا عنهم، ليس في المذهب فحسب، بل حتى في الأمور السياسية العادية، فجعلوا من أنفسهم عملاء أذلة للصهاينة والإمبريالية الغربية، فكانوا صهاينة أكثر من الصهاينة، وسخَّروا كل مواردهم وطاقاتهم للقضاء على كل من حاولوا التصدي للهيمنة الصهيونية والغربية على المنطقة، ولم يجد الشيطان منذ أن تمرد على ربه أعوانًا له خيرًا منهم.

*******

القرشيون كانوا يأملون أن يظل الأمر دولة بين بطون قريش، وكانوا يعلمون جيدًا أنه لو أخذه أحد من العترة النبوية فلن يخرج منها، وأنهم يكفيهم شرفًا أن الرسول كان منهم، وكانوا يعلمون أن المسلمين الجدد سيكونون أميل إليهم.

أكابر القرشيين لم تخشع قلوبهم أبدًا لذكر الله وما نزل من الحق، ولم يُجْدِ شيء في معالجة قسوة قلوبهم وإلزامهم الأدب مع الرسول، ومما لم يفقهوه أن الأمر أمر رسالة عالمية، وليس مجرد شرف لقريش، مع أنه كان شرفًا بالفعل لهم.

*******

وقد كان عدد المسلمين عند انتقال الرسول حوالي من مئة وعشرين ألفا لا يحفظ القرءان كاملا منهم إلا عدد محدود جدا، وكان عدد السابقين الأولين الذين تلقوا تزكية يُعتد بها لا يعدو بضع مئات، كان لابد من تعليم وتزكية هذا العدد الهائل، ذلك لأن أكثرهم لم يسلم إلا في السنتين الأخيرتين من البعثة، ولم يهاجروا ولم يحظوا بالتعليم والتزكية النبوية، ولم يكن مطلوبا الانخراط في حروب طاحنة تستهلك حفظة القرءان.

لذلك كان يجب أن يتولى أمرهم الديني الإمام السابق عليهم، فقد كان هو وحده المؤهل لاستكمال مهام الرسول المعلومة مثل التعليم والتزكية بالنسبة للمسلمين الذين لم يستكملوها في العصر النبوي.

فما حدث في الغدير لم يكن عبثا، بل إنه إعلان للمسلمين بالولاية الدينية للإمام عليّ عليهم، وهي بعينها الولاية على الأمة كأمة كما كانت في العصر النبوي؛ وليس كدولة، ولم يكن مطلوبا أن تتحول الأمة إلى دولة.

فالرسول استخلف عليهم الإمام علي ليقوم بأمر الأمة، وليستأنف مهامه، ولذلك فقد كان بالنسبة لهم إمامًا وخليفة، كما كان الرسول، وليس ملكًا، ولا حاكمًا سياسيا.

كان الرسول يتمنى أن تسير الأمور هكذا، يتولى أمرهم الإمام علي، ثم تسير الأمور على المنوال المذكور إلى أن يتم توطيد أركان الإسلام، وتدوين كل ما يتعلق به تدوينًا موثقًا

ولكن الرسول كان العبد المحض لله، وكان يعلم أن مهمته الظاهرة بالنسبة لقومه ستتغير بانتقاله، فيصبح محض شهيدٍ عليهم، من بعد أن أشهدهم على أنفسهم بأنه بلَّغ الرسالة وأدَّى الأمانة.

ومن حيث إنه كان رحمة للعالمين فلم يشأ أن يوثق عليهم أمرًا كان من المقدر أن يعصوه، أي بمحض اختيارهم.

بدأ التمرد عندما رفضوا أن يكتب لهم كتابًا خشية أن يوثق عليهم القبول بولاية الإمام.

ثم ترك أبو بكر وعمر المعسكر بالمخالفة عن أمر الرسول، حتى لا يتم إبرام أي أمر يتم فرضه عليهما كأمرٍ واقع، ويكون من الصعب إن لم يكن من المستحيل تغييره.

وبمجرد انتقال الرسول هرع الأنصار على سقيفتهم، وكان ذلك خطأً جسيما، ولكنهم كانوا يريدون التداول في كيفية إدارة أمور مدينهم من بعد الرسول، فقط لا غير، ولكن بعد وصول الوفد القرشي أخذت الأمور مجرى آخر.

أجاد الوفد القرشي، بما تراكم عندهم من البراعة على مدى التاريخ، اللعب بكل الأوراق، حتى اكتسبوا في النهاية تأييدًا حماسيًّا عارمًا من الأنصار، سيدفعون من بعد ثمنه باهظا، ولم يستمع الأنصار إلى زعيمهم وأولي الأمر منهم.

كان الأمر بمثابة صدمة مروعة لبني هاشم وأنصارهم، وللقبائل العربية الأخرى، ولكن أبا بكر المنتشي بانتصاره في السقيفة اعتراه شيطانه الذي كان دائم الشكوى منه، أصر على استعمال القوة الغاشمة ضد كل معارض لقرار السقيفة، أرسل فرقة من الجند لتحاصر منزل السيدة فاطمة، وفيه أنصار أهل البيت، وهدد عمر بن الخطاب بإحراقه بمن فيه، لم يستطع هؤلاء حتى احترام أحزان العترة النبوية الذين أضناهم ومزَّق نياط قلوبهم الرحيل المفاجئ للنبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ.

خرج عليهم الزبير بن العوام، الذي كان حتى هذه اللحظة من أنصار بني هاشم، ممتشقًا سيفه، فتكاثروا عليه وكسروا سيفه، وطرحوه أرضًا، ما تلا ذلك من أحداث هو الذي أدى إلى أن قضت السيدة فاطمة نحبها، وهي في ريعان شبابها، فصعدت شهيدة إلى ربها.

خشي أبو بكر مغبة التصعيد من هذه الناحية، التي أمن جانبها، لعلمه بزهد العترة في أمور الدنيا، وتنزههم عن التورط في مؤامرات من أجل شيءٍ منها، وترك الأمر للزمن ليعالجه، خاصة وأنه أبى أن يدفع إليها حقها من إرث أبيها، وهذا كان يعني بالنسبة له أنها لن تستطيع أن تستميل أنصارا

*******

الوصية باتباع العترة كانت أساسًا خاصة بالمسلمين المعاصرين للرسول، بمعنى أن كل من بلغهم الخطاب النبوي كانوا ملزمين بالتمسك بالعترة، وهذا يعني بكل وضوح اتخاذ سابق الأمة وليا وإمامًا دينيا لتسير الأمور كما كانت عليه في العصر النبوي.

وهذا بالضبط ما رفضه الحزب القرشي رفضًا باتًّا، وعملوا على تأسيس دولة قرشية توسعية، وهم بذلك يتحملون وزر المخالفة عن الأمر النبوي وكل الأوزار التي ترتبت على ذلك.

ولا يوجد الآن أي شخص يحمل بطاقة هوية مكتوب فيها أنه من العترة الواجب على الناس التمسك بها، وإلا هلكوا، هذه حقيقة ثابتة، فلا يحق لأحد المتاجرة بشيء من ذلك، ولا طلب العلوّ على الناس بذلك، فهذا ضد قيم وسنن الدين العالمي الخاتم.

أما على المستوى الجوهري فالمجددون الحقيقيون للدين لهم قرابة خاصة بالرسول، وعلامتهم الاتباع الحقيقي للقرءان وتلقي علومه التي أصبح الناس مهيئين لها في عصرهم، وهذا القول المروي عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ يبين الأمر:

"يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالِ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلِ الْجَاهِلِينَ"

فإلقاءات الشيطان تتمثل في تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالِ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلِ الْجَاهِلِينَ.

وأكثر الأسس التي تقوم عليها المذاهب التي حلت محلّ الإسلام هي من تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالِ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلِ الْجَاهِلِينَ.

فالمجدد يطهِّر الدين من تحريفات الغالين وانتحالات المبطلين وتأويلات الجاهلين وإلقاءات الشياطين ومحدثات المغضوب عليهم والضالين وخزعبلات المخرفين وضلالات المتمذهبين ويظهر وجهه النقي الطاهر السمح للعالمين، ويبين الدين الحق للناس بما أصبحوا يألفونه من المصطلحات والمفاهيم والتصورات.

*******

قال الرسول عند غدير خمّ:

"وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ ) فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: ( وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي"

فكان أول شيء فعلوه أن استأثروا بالأمر من دونهم، ثم استولوا على نصيب السيدة فاطمة من ميراث أبيها، ثم حاولوا حمل أهل البيت على المبايعة لأبي بكر بالقوة المسلحة، واتخذوا كل ما يلزم من احتياطات لحرمان العترة من امتلاك أسباب القوة أو المشاركة في الأمر، ليؤول في النهاية إلى المنافقين والمنقلبين على الأعقاب، وليتوارى دين الحق لحساب الدين الأعرابي الأموي الذي صُنِع على أعين المنقلبين، ولقد حاول هؤلاء حل مشكلة العترة حلا نهائيا، فسعوا إلى إبادتهم، ولكنهم دفعوا ثمن ذلك غاليا، فسُلِّط عليهم من أبادهم هم.

*******

حديث العترة نفسه يتضمن تعريف العترة الحقيقيين، وهم الذين معهم علوم القرءان في كل عصر، فهناك سلالة مادية وهناك سلالة جوهرية، والسلالة المادية لا تضمن لصاحبها شيئا، بل لو كانت معروفة لجعلته معرضا لمضاعفة العذب إذا أخطأ

وبالنسبة للقرن الأول العترة هم أهل الكساء.

وحديث الكساء يقوض التأويل الشيعي لآية التطهير.

أخرج مسلم في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله ثم جاء الحسين فدخل معه ثم جاءت فاطمة فأدخلها ثم جاء علي فأدخله ثم قال: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا.

كما أخرج الترمذي والحاكم وصححاه وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في سننه من طرق عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: في بيتي نزلت إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت، وفي البيت فاطمة وعلي والحسن والحسين، فجللهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بكساء كان عليه ثم قال: هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وجاء في بعض الروايات أنه عليه الصلاة والسلام أخرج يده من الكساء وأومأ بها إلى السماء وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وخاصتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ثلاث مرات. وكل الروايات تدور حول هذا المعنى.

فالتطهير هو من مقاصد التشريع المشدد الخاص بأهل البيت، وليس مسألة تكوينية جبلية، ولذلك سأل الرسول ربه سبحانه أن يحققه لهم، فالتأثير والتوفيق لتحقيق المقاصد هو بالأصالة بيد الله تعالى.

*******

الإمام عليّ ليس مجرد شخصية تاريخية، بل من بعد الرسول كان هو الشخصية الدينية، وهو أكثر من حمل عبء الحروب ضد أهل الكفر، ثم من بعد ضد أهل البغي والنفاق والداعين إلى النار، ولابد لكل أمة من سابقين، وهو السابق إلى اعتناق الإسلام، وهو السابق بمعنى الأعلى في الترتيب العام، وحديث العترة ثابت وأجمعت عليه كافة الفرق، وهو المقصود الرئيس به.

ولا علاقة لهذا الكلام بالمذاهب التي حلَّت محلّ الإسلام وتفرقت عنه وفرَّقته، والمذهب الشيعي كان عبئا على أهل البيت الحقيقيين، ولا يمثلهم.

*******

حديث العترة

حديث العترة ذو أصل صحيح، وهو يعني ما يلي:

1. بالنسبة لأهل القرن الأول الذي شهد عصر النبوة أنه كان عليهم أساسا أن يسلموا للإمام علي بالسبق والولاية الدينية لاستكمال مهام الرسول؛ أي تعليم الأميين آيات الكتاب والحكمة وتزكيتهم، وقد أبى الناس ذلك، وظنوها تسلطا وملكا دنيويا فانحرفوا عن الجادة وباؤوا بإثم ما حدث.

2. أن يكون الإمام عليّ خليفته من بعده كولي أمر لأمة خيرة حرة وليس كحاكم على دولة بالحق الإلهي Divine right لدولة، فالنبي أسس أمة من المؤمنين ولم يؤسس كيانا سياسيا ولا دولة مركزية، وكان يترك حال كل قبيلة على ما كانت عليه، ويرسل إليها قاضيا ومن يعلمها أمور دينها ويحصل الصدقات منهم.

3. برفضهم العمل بالوصية النبوية انتقل الأمر بذلك من ظاهر إلى باطن، ولم يعد من الممكن أبدا إلا إذا شاء الله أن يتولى أمور الناس من يجمع بين الإمامة الجوهرية وبين القيام بالأمر، وهناك فرق هائل بين ولاية الأمر وبين القيام بالأمر، فالقائم بالأمر ليس وليا له بالضرورة، فقد يكون متسلطا عليه، وكل من تولى أمور المسلمين من بعد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ، كانوا قائمين بالأمر، وليسوا ولاة حقيقيين له، باستثناءات نادرة، فما حدث من بعد الرسول هو أمور سياسية تاريخية، ولا يجوز تحويلها إلى أمور دينية، والسبب الرئيس لنشأة المذاهب هو تحويل التاريخ والسياسة إلى دين.

4. ولكن سيظل هناك دائما أئمة ومجددون من عترة النبي الحقيقيين على المستوى الجوهري، سواء أعلموا ذلك الناس أم جهلوه، وعلامتهم أن يكونوا مفطورين على حب القرءان وملازمته والتمسك به، والمجددون قال فيهم الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ما معناه: "يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالِ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلِ الْجَاهِلِينَ"، والذي يتولى ذلك هو الاسم العليم الحكيم فهو أكثر الأسماء تعلقا بأمور الشرائع والرسالات، أما المجدد نفسه فيجب أن يكون من يتولى أمره الاسم "الحكيم العليم" لتكتمل الحلقة.

5. وسيظل هناك دائمًا أمة من المؤمنين سواء أظهروا أم بطنوا، فلابد من وجود السابقين، وهم قليل من الآخرين.

ويلاحظ أن المثنى "اللطيف الخبير" هو الذي يتولى هذا الأمر!

*******

هناك وراثتان: وراثة مادية ووراثة جوهرية، العبرة بالوراثة الجوهرية لا يعلمها إلا الله تعالى!

*******

نعم العترة التي لن تفترق عن الكتاب باقية، ولكنهم الآن أخفياء في الناس، يظهرهم عملهم وليس سلسلة نسب من نقابة الأشراف!

*******

في الحقيقة لا يمكن أن تنقرض العترة، ولكن الذين انقرضوا هم كل من حاول إبادتهم من الأمويين والعباسيين وكل من كره الرسول ممثلا فيهم، قال تعالى: {إنَّ شانِئَـك هُوَ الأبْـترُ} الكوثر.

وهذا هو مصير كل من حمل الراية الشيطانية من بعد الأمويين والعباسيين!

*******

مروية الاثني عشر إماما كانت تتضمن شرطا، وهي تعني أنه لو ولي أمر الأمة اثنا عشر إماما من أهل البيت لاستقام الأمر ولنجحت الأمة ولظل أمرها ماضيا، ولكن الأمة فشلت، فتُركت لنفسها، وأتيحت لها فرصة أخرى بتولي الإمام علي إمارة المؤمنين، ولكنها فشلت مرة ثانية، فعوقبت هذه المرة عقابا أليما.

*******

عدد المنشورات الفرعية : 65

عدد المنشورات : 458