مصر وعصر الآباء وموسى وفرعون

موسى عليه السلام وفرعون والخروج 1
1

موسى عليه السلام وفرعون والخروج 1


وُلد موسى عليه السلام في مصر، والنسب الذي يقدمه العهد القديم له غير دقيق حيث توجد ثلاثة أسماء ناقصة، وأحداث قصة موسى عليه السلام –باستثناء الفترة التي عاشها عند قبيلة مدين- حدثت بالكامل على أرض مصر وجثمانه مدفون في سيناء، وقبيلة مدين كانت تسكن حول خليج العقبة، وعاش موسى في الجانب الغربي منه، وهو لم يكن تابعا لمصر في ذلك الوقت، وإلى الجانب الغربي الإشارة:

{وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (44) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (45) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46)} القصص.

فهذه الأماكن متقاربة، وكانت تتجول فيها قبيلة مدين، وهم ذرية من آمن بشعيب عليه السلام، قال تعالى:

{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيط} [هود:84]، {قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِين} [الأعراف:88]

والفترة التي عاشها موسى بين أهل مدين وعند شيخهم كانت من باب استكمال إعداده وتأهيله لحمل الرسالة، وهو أمرٌ عظيم، وهو بذلك قد جمع بين نوعين جدّ مختلفين من التعليم والتربية، وفيهما كان بعيدا عن تأثيرات قومه، وذلك كان أمرًا لازما.

والكلام في طور سيناء كان في رحلة العودة إلى مصر، بعد أن قضى الأجل المتفق عليه مع شيخ مدين، والكلام كان باللسان المصري القديم حيث كان موسى مرسلا أساسا إلى آل فرعون ومن اتبعهم من المصريين، وقد كان هؤلاء في ذلك الوقت مشركين، فالرسول النبي بالمعنى الرسمي يُرسل إلى الكافرين والمشركين ليدعوهم إلى الإيمان، وهو مطالب بأن يصنع ممن آمن له أمة مؤمنة خيرة، وقد يتولى مهام إضافية،فَمَا آمَنَ لِمُوسَى مِّن قَوْمِهِ إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ، كما آمن بعض آل فرعون نفسه وبعض المصريين وعلى رأسهم السحرة، وكان كل من آمن من قومه بضعة آلاف، وكما قال القرءان:

{فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِين} [يونس:83].

أما الكلام بعد الخروج من مصر فكان باللسان الذي كان غالبا على بني إسرائيل؛ وهو مهجن من لسانهم الأصلي واللسان المصري، وكان موسى دائما بحاجة إلى أخيه هارون الأفصح منه بلسان بني إسرائيل ليوصل إلى بني إسرائيل بالدقة اللازمة ما يريده منهم، وكان موسى بذلك مؤسسا لأمة جديدة ويحمل شريعة إليهم.

*****

زعم البعض أن فرعون كان من قوم موسى ولم يكن مصريا، بمعنى أن الاثنين كانا ينتميان إلى نفس القوم وهم الهكسوس!! وأن موسى أُرسل إلى قومه الهكسوس لأنه يتحدث بلسانهم!!!

والحق هو أن موسى كان مصريا، فهو من الشيعة المستضعفة من شيعها، قال تعالى:

{إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِين} [القصص:4]

فكيف يستضعف فرعون شيعته؟!

كما أن فرعون كان مصريا، ولا علاقة له بالهكسوس، فهو أحد الرعامسة من الأسرة العشرين، أما الهكسوس فكانوا قد طردوا قبل ذلك بكثير في عهد أحمس الأول مؤسس الأسرة الثامنة عشر، وقصة طرد الهكسوس معلومة، ولم يغرق جيشهم، بل طاردهم أحمس إلى بلاد الشام.

والقرءان يثبت أن فرعون لم يكن من قوم موسى، وقد قال الملأ لفرعون ما جاء في القرءان:

{وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ} الأعراف127.

فهذه الآية تثبت أن فرعون لم يكن من قوم موسى، وهذا من مبررات اضطهاده لهم، فقد علا قوم موسى في الأرض من بعد أن تولى يوسف من قبل خزائنها، وتوارثوا ذلك عنه، فكان من الطبيعي أن يضطهدهم آل فرعون وأن يستعبدوهم من بعد أن استولوا على السلطة، وذلك خوفا على ملكهم ونفوذهم.

وهذا يبين أن المجتهدين الجدد لا يكادون يفقهون ما هو في القرءان، هذا إذا كانوا قد قرأوه أصلا، فهم يتحدثون فقط بما يُلقى عليهم، أو بما يتداولونه فيما بينهم.

وبعض المجتهدين في التاريخ ظنوا أن فرعون كان من قوم موسى ظنا بأن الرسل لا ترسل إلا إلى أقوامهم فقط، وهم خلطوا بين أمورٍ عديدة فضلا عن كونهم مكذبين بالآية القرءانية المذكورة وغيرها، والحق هو أن الله تعالى يرسل من يشاء إلى من يشاء، ولكنه إذا أرسل رسولا إلى قومه فإنه يرسله بلسانهم ليبيِّن لهم، وموسى كان حالة خاصة، فقد تربى أصلا في قصر فرعون وكان ملما بلسانهم، وكان يُعتبر منهم، لذلك أُرسل إليهم، بل كانت رسالته الأصلية إليهم لأنهم هم الذين كانوا كافرين، ولما كان مرسلا في الوقت ذاته إلى بني إسرائيل فقد طلب المؤازرة بأخيه هارون الأكثر منه إلماما بلسانهم.

فهذه الآية تثبت بما لا يدع مجالا للشك أن قوم فرعون شيء وقوم موسى شيء آخر تماما، بل إن كل الآيات التي ورد فيها ذكر قصة موسى وفرعون تثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن فرعون وشيعته شيء، وأن شيعة أو قوم موسى شيء آخر تماما.

ولا يدري أحد كيف يتصور المجتهدون الجدد أن يضطهد فرعون أسرته ويستعبدهم ويذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم؟!

جاء في التوراة، سفر التكوين 46 أَنَّ كُلَّ رَاعِي غَنَمٍ رِجْسٌ لِلْمِصْرِيِّينَ:

31ثُمَّ قَالَ يُوسُفُ لإِخْوَتِهِ وَلِبَيْتِ أَبِيهِ: «أَصْعَدُ وَأُخْبِرُ فِرْعَوْنَ وَأَقُولُ لَهُ: إِخْوَتِي وَبَيْتُ أَبِي الَّذِينَ فِي أَرْضِ كَنْعَانَ جَاءُوا إِلَيَّ. 32وَالرِّجَالُ رُعَاةُ غَنَمٍ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ مَوَاشٍ، وَقَدْ جَاءُوا بِغَنَمِهِمْ وَبَقَرِهِمْ وَكُلِّ مَا لَهُمْ. 33فَيَكُونُ إِذَا دَعَاكُمْ فِرْعَوْنُ وَقَالَ: مَا صِنَاعَتُكُمْ؟ 34أَنْ تَقُولُوا: عَبِيدُكَ أَهْلُ مَوَاشٍ مُنْذُ صِبَانَا إِلَى الآنَ، نَحْنُ وَآبَاؤُنَا جَمِيعًا. لِكَيْ تَسْكُنُوا فِي أَرْضِ جَاسَانَ. لأَنَّ كُلَّ رَاعِي غَنَمٍ رِجْسٌ لِلْمِصْرِيِّينَ».

وجاء التوراة، سفر التكوين 43 أَنَّ الْمِصْرِيِّينَ لاَ يَقْدِرُونَ أَنْ يَأْكُلُوا طَعَامًا مَعَ الْعِبْرَانِيِّينَ، لأَنَّهُ رِجْسٌ عِنْدَ الْمِصْرِيِّينَ:

31ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ وَخَرَجَ وَتَجَلَّدَ، وَقَالَ: «قَدِّمُوا طَعَامًا». 32فَقَدَّمُوا لَهُ وَحْدَهُ، وَلَهُمْ وَحْدَهُمْ، وَلِلْمِصْرِيِّينَ الآكِلِينَ عِنْدَهُ وَحْدَهُمْ، لأَنَّ الْمِصْرِيِّينَ لاَ يَقْدِرُونَ أَنْ يَأْكُلُوا طَعَامًا مَعَ الْعِبْرَانِيِّينَ، لأَنَّهُ رِجْسٌ عِنْدَ الْمِصْرِيِّينَ. 33فَجَلَسُوا قُدَّامَهُ: الْبِكْرُ بِحَسَبِ بَكُورِيَّتِهِ، وَالصَّغِيرُ بِحَسَبِ صِغَرِهِ، فَبُهِتَ الرِّجَالُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ. 34وَرَفَعَ حِصَصًا مِنْ قُدَّامِهِ إِلَيْهِمْ، فَكَانَتْ حِصَّةُ بَنْيَامِينَ أَكْثَرَ مِنْ حِصَصِ جَمِيعِهِمْ خَمْسَةَ أَضْعَافٍ. وَشَرِبُوا وَرَوُوا مَعَهُ.

ثم يظهر في هذا العصر بعض الجهلة الذين يقولون إن المصريين المذكورين كانوا من نفس قوم موسى وأن فرعون كان من قوم موسى، وهم في قولهم هذا مكذبون بكتب الله، والقرءان يقرر بكل وضوح أن فرعون وقومه شيء، وبنو إسرائيل شيء آخر تماما، وأن فرعون هو الذي عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ، هم بنو إسرائيل، يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ، أما قومه وملأه فهم شيء آخر تمامًا، وكانوا موالين له إلا من آمن منهم.

وكون كُلّ رَاعِي غَنَمٍ رِجْسا لِلْمِصْرِيِّينَ مفهوم تماما، فقد كان المصريون ذوي حضارة بالغة التقدم وشديدي العناية بالجسم ونظافته وتناسقه، وكان رعاة الأغنام أو البدو هم أعداؤهم الهمج المتربصين بهم.

أما مسألة أن الرسول يجب أن يكون من نفس قومه فيقوضها أيضًا أن لوطًا لم يكن من القوم الذين أرسل إليهم، بل كان من المهاجرين مع إبراهيم، بينما كانت امرأته منهم، فلم يكن له من بينهم ركن شديد يحميه من شرهم، كما روى القرءان عنه.

ولوط ينتسب إلى هؤلاء القوم لزواجه منهم، ولعيشته بينهم بعد هجرته مع عمه إبراهيم، ولكنه كان غريبا عنهم، فلم يكن له عصبة فيهم، فهو من نفس بلد إبراهيم، جاء في الإصحاح 12 من سفر التكوين:

1وَقَالَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ: «اذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ. 2فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ، وَتَكُونَ بَرَكَةً. 3وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ، وَلاَعِنَكَ أَلْعَنُهُ. وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ». 4فَذَهَبَ أَبْرَامُ كَمَا قَالَ لَهُ الرَّبُّ وَذَهَبَ مَعَهُ لُوطٌ. وَكَانَ أَبْرَامُ ابْنَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً لَمَّا خَرَجَ مِنْ حَارَانَ. 5فَأَخَذَ أَبْرَامُ سَارَايَ امْرَأَتَهُ، وَلُوطًا ابْنَ أَخِيهِ، وَكُلَّ مُقْتَنَيَاتِهِمَا الَّتِي اقْتَنَيَا وَالنُّفُوسَ الَّتِي امْتَلَكَا فِي حَارَانَ. وَخَرَجُوا لِيَذْهَبُوا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ. فَأَتَوْا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ.

وجاء في الإصحاح 13:

1فَصَعِدَ أَبْرَامُ مِنْ مِصْرَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ وَكُلُّ مَا كَانَ لَهُ، وَلُوطٌ مَعَهُ إِلَى الْجَنُوبِ. 2وَكَانَ أَبْرَامُ غَنِيًّا جِدًّا فِي الْمَوَاشِي وَالْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ. 3وَسَارَ فِي رِحْلاَتِهِ مِنَ الْجَنُوبِ إِلَى بَيْتِ إِيلَ، إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي كَانَتْ خَيْمَتُهُ فِيهِ فِي الْبَدَاءَةِ، بَيْنَ بَيْتِ إِيلَ وَعَايَ، 4إِلَى مَكَانِ الْمَذْبَحِ الَّذِي عَمِلَهُ هُنَاكَ أَوَّلاً. وَدَعَا هُنَاكَ أَبْرَامُ بِاسْمِ الرَّبِّ.

5وَلُوطٌ السَّائِرُ مَعَ أَبْرَامَ، كَانَ لَهُ أَيْضًا غَنَمٌ وَبَقَرٌ وَخِيَامٌ. 6وَلَمْ تَحْتَمِلْهُمَا الأَرْضُ أَنْ يَسْكُنَا مَعًا، إِذْ كَانَتْ أَمْلاَكُهُمَا كَثِيرَةً، فَلَمْ يَقْدِرَا أَنْ يَسْكُنَا مَعًا. 7فَحَدَثَتْ مُخَاصَمَةٌ بَيْنَ رُعَاةِ مَوَاشِي أَبْرَامَ وَرُعَاةِ مَوَاشِي لُوطٍ. وَكَانَ الْكَنْعَانِيُّونَ وَالْفَرِزِّيُّونَ حِينَئِذٍ سَاكِنِينَ فِي الأَرْضِ. 8فَقَالَ أَبْرَامُ لِلُوطٍ: «لاَ تَكُنْ مُخَاصَمَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَبَيْنَ رُعَاتِي وَرُعَاتِكَ، لأَنَّنَا نَحْنُ أَخَوَانِ. 9أَلَيْسَتْ كُلُّ الأَرْضِ أَمَامَكَ؟ اعْتَزِلْ عَنِّي. إِنْ ذَهَبْتَ شِمَالاً فَأَنَا يَمِينًا، وَإِنْ يَمِينًا فَأَنَا شِمَالاً».

10فَرَفَعَ لُوطٌ عَيْنَيْهِ وَرَأَى كُلَّ دَائِرَةِ الأُرْدُنِّ أَنَّ جَمِيعَهَا سَقْيٌ، قَبْلَمَا أَخْرَبَ الرَّبُّ سَدُومَ وَعَمُورَةَ، كَجَنَّةِ الرَّبِّ، كَأَرْضِ مِصْرَ. حِينَمَا تَجِيءُ إِلَى صُوغَرَ. 11فَاخْتَارَ لُوطٌ لِنَفْسِهِ كُلَّ دَائِرَةِ الأُرْدُنِّ، وَارْتَحَلَ لُوطٌ شَرْقًا. فَاعْتَزَلَ الْوَاحِدُ عَنِ الآخَرِ. 12أَبْرَامُ سَكَنَ فِي أَرْضِ كَنْعَانَ، وَلُوطٌ سَكَنَ فِي مُدُنِ الدَّائِرَةِ، وَنَقَلَ خِيَامَهُ إِلَى سَدُومَ. 13وَكَانَ أَهْلُ سَدُومَ أَشْرَارًا وَخُطَاةً لَدَى الرَّبِّ جِدًّا.

ورغم أن بني إسرائيل ليسوا من قوم فرعون كما ذكر القرءان فلم يحدث أبدًا أن اتهمهم فرعون بأنهم أجانب، ولكن الملأ اتهموا موسى وهارون بأنهما يتطلعان إلى الاستيلاء على السلطة والاستيلاء على أملاك اسرة الملك فرعون.

أما موسى فهو مصري بكل معيار من المعايير، وُلد وعاش وتُوفي في مصر، ولم يتهمه فرعون بأنه أجنبي أبدًا، وكذلك كان بنو إسرائيل شيعة من أهل الأرض أي من أهل مصر، فقد كانوا بلغة العصر الحديث مواطنين مصريين، ولدوا وعاشوا فيها، ولم يرد في القرءان أبدًا في أي حوار مع موسى أنه اعتبره أجنبيا لا هو ولا شيعته، ولكنه لم يكن من أسرة فرعون لا هو ولا قومه، فمن البديهي أن يتكون شعب كبير من أسر وأقوام وشيع عديدة، والمشكلة هي أن يشتغل الحاكم بالتفريق بينهم وظلم بعضهم، قال تعالى:

{إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِين} [القصص:4]

ومصر في هذا الوقت بالذات كان قد هاجر إليها شعوب عديدة للعمل كمرتزقة في الجيش مثل شعوب البحر وطلائع الإغريق، بالإضافة إلى سكان صحراء مصر الغربية المعروفين بالليبيين فضلا عن الآسيويين والكوشيين.

*****

واسم بلاد وادي النيل منذ أقدم العصور هو مصر، وكان المصريون يشيرون إليه كثيرا بكلمة الأرض (طا)، وقد ورد الاسم الأرض مرات عديدة في قصة موسى وفرعون، ومن الهراء أن يقال إن العرب هم الذين سموا مصر باسمها هذا كما يزعم بعض الجهلة الجدد، فأسماء البلدان القديمة ثابتة، وهذا الاسم مذكور بغزارة في كتب العهد القديم، وهو هناك بالعبرية مصريم، والاسم مجموع للتفخيم مثلما يتحدثون عن الإله بصيغة الجمع إلوهيم رغم أنهم موحدون، وصور ذلك الاسم هي المستعملة في كافة وثائق الشرق القديم للإشارة إلى بلاد وادي النيل، فلم تنفرد التوراة بذكر اسم مصر ولم تخترع اسم مصر، وشعوب الشرق القديمة ذات الحضارات العريقة لم تأخذ أسماء البلدان من قبيلة صغيرة كانت مستعبدة ولم يكن لها وزن في العالم القديم كبني إسرائيل.

وكلمة "مصر" هي أيضًا الاسم العربي السامي لهذا البلد المعلوم؛ بلاد وادي النيل منذ أقدم العصور، ويقابلها في اللغة العبرية كلمة "مصرايم"، وصيغة المثنى أو الجمع في العبرية هي من باب التعظيم والتفخيم، وصيغة المثنى هي أيضا إشارة إلى الوجهين القبلي والبحري، أو مصر العليا ومصر السفلى، وكان المصريون يشيرون إلى بلادهم أصلا بكلمة طاوي وهو مثنى طا (طء) بمعنى الأرضين.

والاسم مذكور أيضاً في الإنجيل، جاء في متى الإصحاح الثاني:

13وَبَعْدَمَا انْصَرَفُوا، إِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لِيُوسُفَ فِي حُلْمٍ قَائِلاً: «قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَاهْرُبْ إِلَى مِصْرَ، وَكُنْ هُنَاكَ حَتَّى أَقُولَ لَكَ. لأَنَّ هِيرُودُسَ مُزْمِعٌ أَنْ يَطْلُبَ الصَّبِيَّ لِيُهْلِكَهُ». 14فَقَامَ وَأَخَذَ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ لَيْلاً وَانْصَرَفَ إِلَى مِصْرَ. 15وَكَانَ هُنَاكَ إِلَى وَفَاةِ هِيرُودُسَ. لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ الرَّبِّ بِالنَّبِيِّ الْقَائِل: «مِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْني».

وفي سفر أشعيا، إصحاح 19: (مُبَارَكٌ شَعْبِي مِصْرُ، وَعَمَلُ يَدَيَّ أَشُّورُ، وَمِيرَاثِي إِسْرَائِيلُ)، وهذه الترنيمة تتردد في كنائس مصر منذ أكثر من 16 قرنا، أي قبل الفتح العربي بمئات السنين، فالاسم كان معلوما لسكان وادي النيل وغيرهم من شعوب المنطقة، ولم يرد في التاريخ أن العرب اجتمعوا وقرروا تغيير اسم مصر أبدا، ولا يمكن أن يكون هذا منطقيًا أبدا.

*****

ومن نوادر أسفار اليهود أنه رغم الضربات العشر الرهيبة التي أصابت المصريين بسببهم فإن ربهم أمرهم أن يستعيروا الحلي والملابس من المصريين فأعاروهم إياهم حتى تجمع لديهم كمية من الذهب تكفي لصناعة عجل كبير، فهل كان المصريون القدماء قديسين طيبين؟ أما كانوا على أعلى درجة من التسامح والخلق الكريم؟

*******

1

1.png