59

الإباحة

قالوا الإباحة هي تخيير الشارع للمكلّفين بين إتيان فعلٍ وتركه دون ترجيح لأحدهما من قبله على الآخر.

لا يقول بتعريف كهذا إلا من تجاهل أسس وقيم وسنن دين الحقّ، فما يسمونه بالمباح هو في الحقيقة الحلال، والإنسان يُثاب على هذا الحلال بتصحيح مقصده من الفعل، والإنسان هو مخير في أفعاله، وذلك هو شرط الحساب وترتب الجزاء على الفعل.

والمباح أو بالأحرى الحلال يمكن أن يكون مصطلحا جامعًا لما يلي:

ما استعمل معه المصدر "حلال" وما اشتق منه من أفعال، نفي الجناح، نفي الحرج، استعمال صيغة الأمر التي جاءت معها قرينة تدل على أن الحكم الإباحة وليس الوجوب، نفي الإثم والمؤاخذة.

فالاسم الشرعي الذي يغني عن مصطلح "المباح" هو "الحلال".

فما يسمونه بالمباح فهو في الحقيقة الحلال، والحلال يكون كذلك بمقتضى أن كل شيء في الأرض وسمائها، بنصّ القرءان، مخلوق للإنسان مسخَّر له، إلا ما فيه مساس بحقوق كيانٍ إنساني آخر أو ما يتضمن فسادا في الأرض مثل المساس بحقوق الأمم من دواب الأرض بغير حق.

وهناك ما يتم تحليله بعد أن كان محرما، وذلك بمقتضى أمرٍ شرعي، فعقد النكاح يحلل الاتصال الجنسي بين رجل وبين امرأة، ومال إنسان يحل لآخر بمقتضى تصدقه عليه به أو إعطائه إياه عن طيب خاطر.

وهناك ما يتم تحليله في إطار أوامر شرعية أخرى مثل التعريض بخطبة نساء عندما لا يجوز التصريح أو افتداء المرأة نفسها عندما تريد الخلع.

وصيغة الأمر إذا اقترنت بقرينة تصرفها من الوجوب إلى الاباحة؛ أي أمر يرد بعد تحريم أي شيء معين يكون هذا الأمر بعد ذلك للإباحة؛ أي للتحليل.

قالوا: "الإباحة أعلام الفاعل أو دلالته أنه لا ضرر عليه في فعل الشيء أو تركه ولا نفع له في الآخرة"، وقالوا: "ويلزم على الإباحة عدم ترتّب الثواب والمدح على الفعل وعدم العقاب والذّم على الترك".

ويُلاحظ دائمًا إصرارهم على المخالفة عن أصول الدين وسننه وقيمه بل إصرارهم على المخالفة عن المرويات المنسوبة إلى الرسول.

إن الإنسان ليس متروكًا سُدى، وكل فعلٍ أُحل له يمكنه أن ينتفع به في الدنيا والآخرة، ويُثاب عليه وفق مقصده، قال تعالى:

{لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير} [البقرة:284]

ونفس الفعل يمكن أن يثُاب أو يُعاقب المرء عليه وفق مقصده منه، فمن نام في القيولة بنية الاستعداد لقيام الليل والاستغفار بالأسحار يُثاب على ذلك.

من نام في القيولة بنية الاستعداد لقضاء سهرة حافلة باقتراف الفواحش وتعاطي الخمر يُجازى على فعله ويُعاقب.

وهذا أمرٌ طبيعي فالإنسان هو الذي يبدأ تلك السلسة السببية التي يترتب عليها جزاؤه.

عدد المنشورات الفرعية : 65

عدد المنشورات : 458