الفتوحات العربية الإسلامية

إنه لدى مطلع نور الإسلام لم يكن ثمة مفر من التصدي لقوى البغي والاستكبار التي كانت تتربص به وبأمته الوليدة، ولو تريث المسلمون قليلا لهاجمهم الفرس والروم في عقر دارهم ولما استطاعت مدن الحجاز غير المحصنة وقليلة الموارد الصمود الطويل أمامهم، فضلا عن كونها لا تصلح عواصم لدولة كبرى، ولقد رأى الناس من بعد كيف فشلت كل الثورات التي اتخذت من الحجاز مقرًّا لها رغم براعة وأسطورية القادة الذين تزعموها، لقد فشلت ثورة أهل المدينة ضد اللعين يزيد الأموي، كما فشلت ثورة عبد الله بن الزبير الأولى ضد نفس اليزيد وتم فيها تدمير الكعبة، ولم ينقذ الأمر إلا هلاك يزيد، ولكن عندما استقر الأمر لعبد الملك بن مروان لم يجد قائده المجرم الشهير الحجاج بن يوسف أية صعوبة في إلحاق الهزيمة بابن الزبير وتدمير الكعبة للمرة الثانية.

كما فشلت ثورة محمد النفس الزكية؛ القائد الفذ الأسطوري وتم صلب كل أتباعه على جوانب الطرق في المدينة أيام المجرم العتيد أبي جعفر المنصور العباسي مثلما فعل الرومان بسبارتاكوس والعبيد الثائرين من قبل، فلا يمكن لمكة أو المدينة أن تكون قاعدة آمنة لأمة مستهدفة! ولم يكن من الممكن انتظار هجوم الروم أو الفرس الساحق على حاضرة الإسلام في عصر لم تكن توجد فيه أية مواثيق دولية وكان القوي يفترس كل ضعيف بجانبه.

ولقد أعلن الفرس والروم عن عزمهما على التصدي لانتشار الإسلام، بل كان كسرى الفرس قد أرسل من قبل رسالة إلى عامله على اليمن يأمره فيها بإرسال قوة للقبض على الرسول، وكان العرب في الشرق بقيادة بني شيبان مشتبكين بالفعل مع الفرس في صراع مرير، كما كان يمكن للرومان سادة البحار في ذلك العصر إنزال جيش قوي على شاطئ الحجاز ومداهمة مركز الأمة الإسلامية، فهكذا كانت طبيعة العلاقات في العصور الوسطى، الكل يتربص بالكل، والقوي يفترس الضعيف، ولا تكف دولة عن مهاجمة الدولة المجاورة إلا مضطرة! كان حق الغزو حقا مقررا، وكانت شريعة الغاب هي السائدة في التعاملات الدولية، لذلك كانت كل دول الشرق الأوسط العريقة خاضعة للإمبراطوريتين البيزنطية والفارسية، ولم يكن يوجد أي أمل لها في أن تتحرر، وكانت الأوضاع متجمدة منذ عدة قرون.

ولكن يجب العلم بأن كل ما حدث من بعد انتقال الرسول يدخل في نطاق الأمور التاريخية، ولا يجوز أبدا اتباع سنة بني إسرائيل الذين جعلوا تاريخهم بما فيه من المخازي والآثام دينا، ولا يجوز لأحد أن يحمِّل الإسلام وزر أتباعه أو المحسوبين عليه.

إن الفتوحات الإسلامية في عهد الخلفاء القرشيين كانت حروبا دفاعية عادلة خاضها المسلمون ضد قويً ظالمة جائرة أبت الإذعان لصوت الحق وأبت أن تترك رعاياها وشأنهم ليروا رأيهم في هذا الدين الجديد، وإذا كنت تعلم أن عدوك يتربص بك شرا وأنه لن يرقب فيك إلا ولا ذمة إذا تمكن منك يكون الهجوم عندها خير وسائل الدفاع، وكذلك كانت تلك الحروب استجابة، على المستوى الكوني، لاستغاثات المستضعفين في الأرض من شعوب الشرق الأدنى الذين تسلط عليهم الفرس والبيزنطيون المتغطرسون، هذا بغض النظر عما سيفعله الغزاة الجدد من بعد.

لذلك كانت هذه الفتوحات ضرورة استراتيجية، فلا يمكن أن يعيش الحمل وسط غابة من الذئاب، ولم يكن من الممكن أن يتم عقد اتفاقيات سلام في ذلك العصر، كانت الحروب مصيرية، ومن بعد فتح الشام مثلا لم يكن هناك مفر من فتح مصر، ذلك لأن منها كان يمكن للروم البيزنطيين سادة البحار مباغتة الحجاز بأسطولهم القوي الغلاب والقضاء على الدولة الوليدة، ولكن من بعد فتح مصر كان لابد من متابعة الزحف غربا حيث كان للروم قواعدهم القوية على طول الساحل الجنوبي للبحر المتوسط، والي كان منها يمكن أن يقوضوا كل ما حققته الفتوحات العربية الإسلامية.

ولكن الإسلام ليس مسؤولا عما شاب هذه الفتوحات من تكالب على الغنائم والأسلاب، فلم يكن كل المقاتلين على نفس الدرجة من الرقي والسمو الخلقي والتشبع بتعاليم الإسلام حتى في العهد النبوي، إنه يجب العلم بأن حوالي 117 ألف من أصل 120 ألف مسلم لم يسلموا إلا بعد فتح الحديبية، ولم يهاجروا بالطبع إلى المدينة ليتعلموا شيئا يُعتد به عن الإسلام أو ليتزكوا على يد الرسول.

أما القلة التي أسلمت من قبل الفتح فقد بذل الرسول كل ما في وسعه ليخرجهم من الظلمات والنور وليعلمهم وليزكيهم وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين، ولقد كان تنافسهم على الغنائم وولعهم بها سببًا في نزول آيات تُتلى كما كان سببا في هزيمة أحد، وسيكون الولع بالغنائم سببا لهزيمة المسلمين من بعد في بواتييه، ولقد حذَّرهم الكتاب العزيز من التكالب على الغنائم وعلى عرض الدنيا تحذيرا شديدا.

ولقد ندد القرءان بمن يريدون بالقتال عرض الدنيا وكشف حقيقتهم لكل الناس ولأنفسهم، وجعل ذلك قرءاناً يُتلى حتى يتطهر الناس منه، والرسول لم يرسل جنوده للاستحواذ على أراضي الآخرين وإنما أبقى الوضع على ما هو عليه في كل إقليم طالما أسلم أهله وأقاموا الصلاة وأدوا ما عليهم من صدقات.

أما استيطان البلاد المفتوحة بعد طرد الروم وزوال سلطان الفرس وانهيار عروشهم فكان أمرا مستحدثا واجتهادا من أولي الأمر في ذلك العصر لا يُسأل الإسلام عنه وليس على الأمة من بعد أن تلتزم به، ولكنه كان أيضًا ضرورة اقتضاها عصرهم، فكان لابد من وجود جيش قوي في كل بلد مفتوح ليتصدى لمحاولات القوى القديمة استعادة نفوذها، ومن المعلوم أن كل عربي مسلم في ذلك العصر كان جنديا في الجيش، وأن إقامته الدائمة في البلد المفتوح كانت تستدعي أن تكون أسرته هناك أيضا، ومن هنا نشأت فكرة المدن العسكرية التي أقيمت على أطراف الأراضي العامرة والمأهولة أو المدن التي كانت قائمة، ومن هنا أيضا جاء الحظر على العرب من أن يقوموا بأعمال مثل أعمال سكان البلاد الأصليين من زراعة وصناعة وغيرهما من الحرف.

أما من ظنوا أن لهم الحق في اقتسام تلك البلدان كما تُقسَّم غنائم المعركة المنقولة فقد كانوا بعيدين عن مقاصد الدين الحقيقية وطبيعته بقدر حرصهم على حطام الحياة الدنيا وكانوا طليعة من ظن أن الدين سلاح أُعطى لهم لإشهاره في وجوه الآخرين واستباحة أراضيهم ونهب أموالهم وسبي نسائهم, وما ظنوه هو في الحقيقة شريعة الغزو القديمة والتي ورثوها عن الرومان وعن أهل الجاهلية وورثها من بعدهم شعوب أوروبا الإمبريالية، ولقد أحسن عمر بن الخطاب والإمام عليّ والأنصار عندما تصدوا لأصحاب هذا الاتجاه وحملوهم علي الإذعان للحق، ولقد حذَّر الرسولُ في خطبة حجة الوداع المسلمين من التنافس في الدنيا من بعد أن تقبل عليهم وأعلن أن هذا هو ما يخشاه عليهم.

ولقد تصور بعض الناس وخاصة الغربيين أنه كان لدى العرب المسلمين خطة لفتح العالم كله والاستيلاء على القارة الأوروبية بالكامل، وهذا غير صحيح، فمن المعلوم أن عمر بن الخطاب لم يقبل بإرسال أي جيش إلى مصر إلا بعد إلحاح شديد من عمرو بن العاص، ومن بعد ذلك كام التوسع في الشمال الأفريقي أمرا لابد منه للقضاء على القواعد البيزنطية هناك والتي كانت تشكل تهديدا دائما لمصر ومن ثمَّ الحجاز، وبالمثل عندما سقطت إمبراطورية الفرس في الصراع المصيري بينها وبين العرب وجد العرب أنفسهم في مواجهة المحيط البشري الممتد إلى حدود الصين والممتلئ بالقبائل البدوية التركية الشرسة والمولعة بالقتال فلم يكن ثمة بد من حسم الأمر معهم.

أما غزو الأندلس فلم يكن مخططا له أبدًا، وإنما كان لأن بعض أمراء الإسبان استعانوا بالعرب للتغلب على من اغتصب ملكهم، ولما تم الغزو بسهولة متناهية مع الكميات الهائلة من الغنائم التي لم يسبق لها مثيل بدئوا يفكرون في استكمال غزو أوروبا.

أما هزيمة بواتييه أمام الفرنجة فلم تكن فاصلة، وكان يمكن الاستمرار بعدها لولا أن العباسيين استولوا على السلطة وقضوا على الأمويين، والذي أوقف حركة الفتوحات هو أن بقايا الأمويين سيطروا على الأندلس، وبذلك أصبحت الدولة الأموية في الأندلس محاصرة وفقدت الموارد البشرية اللازمة لاستمرار التوسع وأصبح شغلها الشاغل الكفاح من أجل البقاء وليس التوسع العسكري.

وبالطبع لم يكن يمكن أن يخطر ببال السلطات في الأندلس أن تعد دعاة متمرسين وأن ترسلهم للدعوة إلى الإسلام بين الأوروبيين الذين كان أكثرهم وثنيين، فقد كان قد ترسخ في أذهانهم أن الإسلام هو أيديولوجية للقهر والفتح والتوسع وأنه خاص بهم من دون الناس، ولقد دفع الإسلام والمسلمون من بعد ومازالوا يدفعون ثمن غزو الأندلس فادحا، ذلك لأن الغطرسة الأموية البدوية والتي توارثها حكام الأندلس بالإضافة إلى حكمهم الطاغوتي الظالم وامتناعهم عن دعوة الناس إلى الإسلام ليتمكنوا من استغلالهم إلى المدى الأقصى كل ذلك زرع في نفوس الأيبريين (الإسبان والبرتغال) حقدا مريرا ضد الإسلام والمسلمين لتبدأ بذلك حرب مئات الأعوام لطرد المسلمين من بلادهم.

ولم يكتف هؤلاء بإلقاء المسلمين في البحر بل أرسلوا أساطيلهم لتحاصر العالم الإسلامي كله، فترتب على ذلك الكشوف الجغرافية الهائلة والتي جعلت من الغرب الذي كان هزيلا كيانا عملاقا غلابا تمكن من قهر المحسوبين على الإسلام وغزو بلادهم والاستيلاء على ثرواتهم، ولولا أن الغرب كان قد تحرر من الكثير من النزعات الصليبية وأضحى علمانيا لأباد المحسوبين على الإسلام مثلما فعل بأكثر سكان العالم الجديد الأصليين.

إن الظروف والأحوال في القرن الإسلامي الأول تمخضت عن تكوين دولة، وكان على هذه الدولة أن تقوم بكل ما يلزم للبقاء، فحركة الفتوحات أملتها ضرورات استراتيجية، وكما سبق القول كان أكثر من اشتركوا في حركة الفتوحات بما في ذلك أكثر قادتهم حديثي عهد بالإسلام، ولذلك كان من الطبيعي أن تكون تقاليد الأعراب القديمة هي الحاكمة على معاملاتهم وكل تصرفاتهم المصاحبة لهذه الفتوحات، وكان قيام الدولة الأموية هو تكريسا لكل ذلك، فقد أصبح التوسع الإمبريالي هدفا في حد ذاته وضرورة لبقاء هذه الدولة، فقد كان شغل الناس بما يرون أنه جهاد أفضل من تركهم ينخرطون في الفتن الماحقة الهائلة التي يمكن أن تعصف بالدولة.

وبالطبع لا يتحمل الإسلام مسئولية أية جرائم اقترفت باسمه، فهو يحرِّم العدوان تحريما باتا، ويقلل من شأن متاع الدنيا وزخرفها، كما أنه حدد بكل دقة ووضوح مواصفات القتال المشروع، وليس من بينها أبدا التوسع الإمبريالي العدواني، بل إن إعطاء المشروعية لهذا التوسع كان من الأمور التي أدت إلى تحريف الدين أو بالأحرى إحداث المذهب العدواني الشرس الذي حلَّ محله، ولما كان الله تعالى قد خلق السماوات والأرض بالحق ويحكم بالعدل فإن السلاح الذي أحدثه المفسدون في الأرض من المحسوبين على الأمة من قبل قد ارتد في صدر الأمة من بعد، فسرعان ما شجرت بينهم الفتن وذاق بعضهم بأس بعض، وهلك فيها أضعاف من هلكوا في الحروب العدوانية على الآخرين، ثم أحدق بهم أحفاد ضحاياهم وأخذوا لهم بثأرهم.

*******

إنه يجب التأكيد على أنه من بعد الرسول كانت الأمور تاريخية، فلم يكن من تركهم أنبياء، ولا ملائكة معصومين، فالنظر في هذه الأمور والحكم عليها هو عمل تاريخي، لا علاقة له بالأديان التي حلت محل الإسلام.

كما يجب التأكيد على أن النبيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ لم ينتقل إلى الرفيق الأعلى إلا من بعد اكتمال الدين، ومن بعد أن بلَّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وأشهدهم على ذلك.

ولقد خطب في حجة الوداع فهدد وتوعد، وأنذر وأرعد، وحذرهم من أن يرجعوا من بعده كفارا يضرب بعضهم رقاب بعض، وأوصاهم بالنساء، وأكد على حرمة الأشهر الحرم وعلى حرمة المسجد الحرام، كما أوصاهم بعترته.

ويُلاحظ أنهم كانوا أحرص شيء على انتهاك كل ما أوصاهم به، فبدأوا بانتهاك حقوق عترته، وفضلوا عليهم الطلقاء والمنافقين، ولم يعد للأشهر الحرم أي حرمة، خاصة وأنهم أضاعوا التقويم، كما أكلوا حقوق النساء، بل وأدوهنّ أحياء، ثم ضرب بعضهم رقاب بعض، وسفكوا الدماء وأفسدوا في الأرض، ثم انتهكوا حرمة المسجد الحرام، وهدموا الكعبة مرتين.

*******

إن أبا بكر وعمر كانا يحاولان خدمة الإسلام وفق ما يرونه، وفي العصور الوسطى لم يكن ثمة من سبيل إلى حسم الأمور مع الآخرين إلا بالقوة، ولو لم يبادر أبو بكر بتسيير الجيوش إلى الشام والعراق لانهالت الجيوش على المدينة ولاستأصلت الأمة الإسلامية في مهدها، كان يمكن مثلا للأسطول الروماني الهائل أن يبحر من مصر مثلا وأن ينزل مائة ألف جندي وفارس في جدة مسلحين بأحدث أسلحة العصر ليجتاحوا المدينة غير المحصنة، ولم تكن المثاليات معلومة في العصور الوسطى، بل كان الويل للمغلوب كما هو معلوم، ولكن لذلك أيضا لا يجوز اتخاذ ما حدث أسوة حسنة، بل يجب اعتباره تاريخا تجاوزه التطور البشري والرقي الإنساني.

وليس من مقاصد الإسلام إقامة دولة سياسية بالمعنى القديم أو الحديث، وإنما مقصده تكوين أمة ربانية فائقة، أما تكوُّن الدولة على أيدي أبي بكر وعمر فقد كان اجتهادا منهم وكان –كما سبق القول- ضرورة استراتيجية لمجابهة التحديات العظام والمخاطر التي أحدقت بالأمة، وكل ما ترتب على ذلك من بعد لم يكن ثمة مفر منه وكل حدث كان نتيجة منطقية لما سبقه من أحداث، فلم يكن أهل القرن الهجري الأول ملائكة يمشون على الأرض مطمئنين بل كانت الأغلبية الساحقة حديثةَ عهد بالإسلام، وكانوا من قبل في ضلال مبين.

*******

عمر بن الخطاب يرفض تقسيم أراضي و(علوج) الشام والعراق على الفاتحين من الصحابة الأجلاء!!

عندما (فتح) (الصحابة الأجلاء) أرض السواد والشام فوجئوا بشيءٍ غريب، وجود كائنات تشبه البشر، تمشي على الأرض وتعمل بزراعتها!!!! أطلقوا عليهم اسمًا تحقيريا هو العلوج.

أقر عمر بن الخطاب السواد لمن في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وجعلهم ذمة تؤخذ منهم الجزية ومن أرضهم الخراج، كان يريد أن يظل العرب أمة مجاهدة عسكرية متفرغين لحرب كل من جاورهم، طالب قسم كبير من (الصحابة الأجلاء) بتقسيم السواد بين الغانمين، ولكنه رفض ذلك خشية أن يتشاغلوا به عن الجهاد، وينصرفوا إلى الزراعة، ويظهر ذلك بقوله: "فإذا قسمت أرض العراق بعلوجها وأرض الشام بعلوجها، فما يسد الثغور، وما يكون للذرية والأرامل بهذا البلد وبغيره من أرض الشام والعراق؟"

كان على رأس المطالبين بتقسيم الأرض والعلوج بلال وأصحابه فدعا عليهم عمر بن الخطاب، قال الراوي: "فما حال الحول وفيهم عين تطرف"! (جاب أجلهم كما يقولون في مصر)، ولكن كيف حدث ذلك، ربما يكون الجن الذين قتلوا سيد الخزرج سعد بن عبادة (شافوا شغلهم) معهم!

كان على رأس المعارضين للتقسيم الإمام علي ومعاذ وعثمان وطلحة.

لا شك أن عمر بن الخطاب كانت له نظرة استراتيجية بعيدة، وكان يعلم أنه لو تم تقسيم الأراضي و(العلوج) على العرب فسيكون مآلها الخراب على أيديهم، ففضل تركها (للعلوج)، يزرعونها كما كانوا يفعلون ويفعل اسلافهم منذ آلاف السنين ثم يظفر العرب والأعراب بالنصيب الأكبر من ثمار كدهم وكدحهم، ولا يتركون لهم إلا الفتات طبقًا لشريعة دينهم الأعرابي السمح!

من الواضح أنهم لم يستطيعوا أن يفقهوا شيئا من تأكيد دين الحق على إخوة البشر، وأن الله جعلهم شعوبًا وقبائل ليتعارفوا، ولم يعبئوا حتى بما جاء في خطبة حجة الوداع من أوامر مشددة، لم يستطع العرب أن يفقهوا أنه لا فرق بين عربي وبين أعجمي (ممن يسمونهم بالعلوج) إلا بالتقوى والعمل الصالح.

لم يحتج عليهم عمر بن الخطاب بشيء من آيات القرءان أو بقيم دين الحق!!! وإنما بأمور عملية، وبحرصه على بقائهم أمة مقاتلة!!

والمضحك المبكي أن يأتي واحد من أحفاد (العلوج)* ليصف الآخرين بأنهم (علوج)!

وقال: "أرأيتم هذه المدن العظام كالشام والجزيرة والكوفة والبصرة ومصر لابد لها أن تشحن بالجيوش وإدرار العطاء عليهم، فمن أين يعطى هؤلاء إذا قسمت الأرضون والعلوج"

ولكن الأمر الأهم أنه لو قُسمت عليهم الأرض، لاشتعل الصراع الدامي فيما بينهم لتوسيع الأملاك، أو لنشأ نظام مثل نظام الإقطاع في العالم الغربي.

*******

قول أبي بكر "لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم"

من بعد أن مكن أبو بكر للقرشيين، واستولى باسمهم على الأمر وجد في أهل مكة والطائف حلفاءه الطبيعيين الذين انتعشت آمالهم، ورأوا أن لديهم الكثير الذي يجب فعله لاسترداد مكانتهم القديمة.

وهكذا أعلنها أبو بكر مدوية "لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم"

جاء في البخاري

[ 1335 ] حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع أخبرنا شعيب بن أبي حمزة عن الزهري حدثنا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن أبا هريرة رضى الله تعالى عنه قال لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان أبو بكر رضى الله تعالى عنه وكفر من كفر من العرب فقال عمر رضى الله تعالى عنه كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله فقال والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها قال عمر رضى الله تعالى عنه فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر رضى الله تعالى عنه فعرفت أنه الحق.

[ 6855 ] حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث عن عقيل عن الزهري أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة قال لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر بعده وكفر من كفر من العرب قال عمر لأبي بكر كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله فقال والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه فقال عمر فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق قال بن بكير وعبد الله عن الليث عناقا وهو أصح.

بداية يجب العلم بأن هذه المروية تتعلق بأمور تاريخية وليس بأمر ديني، وقول عمر بن الخطاب يتضمن اعترافا وإقرارا بأن (الناس) الذين أزمع أبو بكر قتالهم كانوا يقولون "لا إله إلا الله"، ورغم أن الرواي الأول واحد وهو أبو هريرة وأن السلسلة تتفق تقريبا إلا فيمن روى للبخاري المروية فإنهم ذكروا في الثانية "واستخلف أبو بكر بعده"، فإذا كان البناء للمجهول أو تقريرا للأمر الواقع فلا مشكلة، وإلا فإنه من المعلوم أن الرسول لم يستخلف أبا بكر، ولو كان الرسول قد استخلف أبا بكر أو أوصى باستخلافه فلماذا ذهب الأنصار إلى السقيفة ليتشاوروا فيمن يولونه الأمر؟ والذهاب إلى السقيفة وما دار فيها من أشد الأمور ثبوتا في تاريخ المسلمين، ولم يحتج فيها أبو بكر بأن الرسول استخلفه، وإنما احتج بأن "ما تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا".

أما الحجة التي ساقها أبو بكر ردَّا على عمر فهي مدحوضة لأسباب عديدة، منها:

لم يشترك أيٌّ من العرب الذين تمردوا في اختيار أبي بكر خليفة، بل إن بيعته كانت فلتة كما قال عمر بن الخطاب، جاء في البخاري:

[ 6442 ] ..... ثم إنه بلغني أن قائلا منكم يقول والله لو قد مات عمر بايعت فلانا فلا يغترن امرؤ أن يقول إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت ألا وإنها قد كانت كذلك ولكن الله وقى شرها وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر من بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي تابعه تغرة أن يقتلا .............

فما الذي يضطر العرب للخضوع إلى ما اختارته مجموعة في المدينة بلا إجماع حقيقي وبدون تقديم حجج دامغة ملزمة للجميع وبعد تجاهل أهل بيت النبي نفسه وكذلك تجاهل مجموعة من السابقين الأولين من المهاجرين؟ ولماذا بادر إلى الحرب دون بذل كافة الجهود السلمية أولا؟ ألم يجعل الله تعالى القتال خيارا أخيرا مكروها حتى ضد الكافرين وليس ضد من يقول "لا إله إلا الله باعتراف عمر بن الخطاب؟ ألم تكن هذه أول حربٍ بين من يقولون إنه "لا إله إلا الله"؟

وكلام أبي بكر يتضمن ظنه بأنه ورث الرسول في كل مهامه، وهذا غير صحيح، فالرسول كان نبيا يتلقى الوحي، وكانوا هم مأمورين بطاعته كرسول من ربّ العالمين، وكان يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِ اللهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ، ويعلمهم ما لم يكونوا يعلمون، وكان يصلي عليهم، ولم يكن أبو بكر، ولا شريكه عمر من أولي العلم أو الفقه كما هم معلوم.

والزكاة ليست حق المال، ولكنها حق الأمة المؤمنة في أموال أغنيائها، ولم يكن يوجد ما يلزم العرب بأن يسوقوها إلى أبي بكر من بعد الرسول.

وقول أبي بكر "والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها" هو اجتهاد وقرار منه لم يستند فيه إلى أي دليل من كتاب الله، ولولا ذلك لما عارضه عمر بن الخطاب، وهو في الوقت ذاته يشير إلى مدى الاستهانة بدماء الناس والمبادرة إلى القتال في سبيل المال، وبدلا من إرسال جيوش للقتل والحرق كان يمكن إرسال دعاة محتسبين.

وقول عمر "فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال" هو تقوُّل على الله تعالى، ولا يلزم أحدًا بشيء، ولا يصلح لأن يكون دليلا شرعيا لوجوب قتال الناس، فالدليل الشرعي هو نصٌّ من كتاب الله، أو هو مستخلص من كتاب الله أو من فحوى آيات كتاب الله وجسَّده الرسول بعمله، ولم يقاتل الرسول من قال "لا إله إلا الله" حتى وإن كان القائل منافقا، لذلك فقتال من يجهر بأنه "لا إله إلا الله" هو مخالفة لأوامر كتاب الله ومخالف لسنة رسوله طالما لم يبادر بالعدوان على إخوانه من المؤمنين ولم يخرجهم من ديارهم، فلكلام الله تعالى الحجة على رؤية عمر وانشراح صدر أبي بكر.

هذا من الناحية الدينية المحض، وبذلك لا يتحمل الإسلام أوزار هذه الحروب وما شابها من وحشية وانتهاك لأوامر الإسلام بل للأعراف العربية.

أما من الناحية التاريخية فهذا أمر آخر، فهذه الحروب تمخضت عن تحويل القبائل المتنافسة والمستقلة بشؤونها إلى دولة مركزية موحدة، وهذا ما مكَّن العرب من تحدي الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية في آنٍ واحد، ولكن كل ذلك صبغ تاريخ المسلمين بالدماء إلى الآن وربما إلى يوم الدين!

وبعد إخماد تمرد الأعراب اتخذ أبو بكر قرارا عبقريا بأن يقذف بهم الفرس والروم في آنٍ واحد، وهو بذلك قد أثبت أنه رجل دولة من طراز رفيع:

فهو كان يعلم جيدًا أن إمبراطوريتي فارس والروم قد استنفدا قواهما في حروب عبثية، ولكن ضروس، استمرت حوالي 26 سنة، وأن الأحوال في الإمبراطورية الفارسية أصبحت في غاية السوء نتيجة الهزيمة والصراع على السلطة.

ورغم أن الروم تغلبوا في النهاية على الفرس فإن ذلك لم يحدث إلا من بعد أن اجتاحت جيوش الفرس في البداية الإمبراطورية الرومانية، ووصلت إلى الإسكندرية لتحرم الروم من أغنى ولاياتهم، وذلك وسط ترحيب من الأهالي لاختلاف الروم عنهم في المذهب.

ولما رأى الإمبراطور الروماني هرقل مدى خطورة النزاعات المذهبية على إمبراطوريته حاول توحيد المذاهب بفرض مذهب جديد، فزاد الطين بلة، فبدأ عصرا جديدا من الاضطهاد الديني، وأصبحت قوات الإمبراطور نفسه مثقلة بالآثام والإحساس بالذنب والعار.

وبذلك كانت الأحوال في الإمبراطورية الرومانية بالغة السوء، وكانت الثمرات بالفعل دانية القطوف.

فكان من العبقرية والحنكة مهاجمة هاتين الإمبراطوريتين وبسرعة من قبل أن تستجمعا قواهما وتفرغا للدولة القرشية الوليدة.

ولقد فوجئ الناس بالانتصارات السريعة والمتلاحقة على الفرس، وتدفق الخيرات والغنائم على الحجاز، أما أبو بكر فقد أرجع كل ذلك إلى براعة (أسد قريش)!

ﻋَﻦْ ﺑَﺤْﺮِ ﺑْﻦِ ﺍﻟﻔُﺮَﺍﺕِ ﺍﻟﻌِﺠْﻠِﻲِّ ، ﻋَﻦْ ﺃَﺑِﻴﻪِ ، ﻗَﺎﻝَ: " ﻟَﻢْ ﻳُﺼِﺐِ ﺍﻟْﻤُﺴْﻠِﻤُﻮﻥَ ﻓِﻴﻤَﺎ ﺑَﻴْﻦَ ﺫَﺍﺕِ ﺍﻟﺴَّﻼﺳِﻞِ ﻭَﺃَﻣْﻐِﻴﺸِﻴَﺎ ﻣِﺜْﻞَ ﺷَﻲْﺀٍ ﺃَﺻَﺎﺑُﻮﻩُ ﻓِﻲ ﺃَﻣْﻐِﻴﺸِﻴَﺎ ، ﺑَﻠَﻎَ ﺳَﻬْﻢُ ﺍﻟْﻔَﺎﺭِﺱِ ﺃَﻟْﻔًﺎ ﻭَﺧَﻤْﺲَ ﻣِﺎﺋَﺔٍ ﺳِﻮَﻯ ﺍﻟﻨَّﻔَﻞِ ﺍﻟَّﺬِﻱ ﻧَﻔَﻠَﻪُ ﺃَﻫْﻞُ ﺍﻟْﺒَﻼﺀِ ، ﻭَﻗَﺎﻟُﻮﺍ ﺟَﻤِﻴﻌًﺎ : ﻗَﺎﻝَ ﺃَﺑُﻮ ﺑَﻜْﺮٍ ﺭَﺣِﻤَﻪُ ﺍﻟﻠَّﻪُ ﺣِﻴﻦَ ﺑَﻠَﻐَﻪُ ﺫَﻟِﻚَ: ﻳَﺎ ﻣَﻌْﺸَﺮَ ﻗُﺮَﻳْﺶٍ ﻳُﺨْﺒِﺮُﻫُﻢْ ﺑِﺎﻟْﺬِﻱ ﺃَﺗَﺎﻩُ، ﻋَﺪَﺍ ﺃَﺳَﺪُﻛُﻢْ ﻋَﻠَﻰ ﺍﻷَﺳَﺪِ ﻓَﻐَﻠَﺒَﻪُ ﻋَﻠَﻰ ﺧَﺮَﺍﺫِﻳﻠِﻪِ (أطايب اللحم المقطع الوافر، ﺃَﻋَﺠَﺰَﺕِ ﺍﻟﻨِّﺴَﺎﺀُ ﺃَﻥْ ﻳُﻨْﺸِﺌُﻮﺍ ﻣِﺜْﻞَ ﺧَﺎﻟِﺪٍ " تاريخ الطبري

في معركة أليس تغلب خالد بن الوليد على الفرس وعلى عرب العراق النصارى من بكر بن وائل (الذين جاء العرب ليحرروهم)، كانت المعركة حامية، واستبسل فيها الفرس والعرب لعلمهم بالمصير الذي ينتظرهم.

وكما جاء في الكتاب المقدس "البداية والنهاية" لابن كثير: ((قال خالد: اللهم لك عليّ إن منحتنا أكتافهم أن لا أستبقي منهم أحدًا أقدر عليه حتى أجري نهرهم بدمائهم، ثم إن الله عز وجل منح المسلمين أكتافهم، فنادى منادي خالد الأسرَ الأسرَ لا تقتلوا إلا من امتنع من الأسر، فأقبلت الخيول بهم أفواجا يساقون سوقا، وقد وكل بهم رجالا يضربون أعناقهم في النهر، ففعل ذلك بهم يومًا وليلة ويطلبهم في الغد ومن بعد الغد، وكلما حضر منهم أحد ضربت عنقه في النهر وقد صرف ماء النهر إلى موضع آخر، فقال له بعض الأمراء: إن النهر لا يجري بدمائهم حتى ترسل الماء على الدم فيجري معه فتبر بيمينك، فأرسله فسال النهر دما عبيطا فلذلك سمي نهر الدم إلى اليوم، فدارت الطواحين بذلك الماء المختلط بالدم العبيط ما كفى العسكر بكماله ثلاثة أيام، وبلغ عدد القتلى سبعين ألفا.......، وكان كل من قتل بهذه الوقعة يوم أليس من بلدة يقال لها: أمغيشيا، فعدل إليها خالد وأمر بخرابها، واستولى على ما بها، فوجدوا بها مغنما عظيما، فقسم بين الغانمين فأصاب الفارس بعد النفل ألفا وخمسمائة غير ما تهيأ له مما قبله، وبعث خالد إلى الصديق بالبشارة والفتح والخمس من الأموال، والسبي مع رجل يقال له: جندل من بني عجل، وكان دليلا صارما فلما بلغ الصديق الرسالة، وأدى الأمانة، أثنى عليه وأجازه، جارية من السبي.))

وهذا دليل على كرم أبي بكر اللامتناهي، الرجل جاءه بما لا حصر له من السبايا والأموال فلم يجزه إلا جارية واحدة!!!!! ربما لأنه لم يكن قرشيا، فقد كان من بني عجل، ولا حق للعجول أصلا في شيء!!!

ثم جمع أبو بكر القرشيين، وقال لهم: "ﻳﺎ ﻣﻌﺸﺮ ﻗﺮﻳﺶ ﺇﻥ ﺃﺳﺪﻛﻢ ﻗﺪ ﻋﺪﺍ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﺳﺪ، ﻓﻐﻠﺒﻪ ﻋﻠﻰ ﺧﺮﺍﺫﻳﻠﻪ، ﻋﺠﺰﺕ ﺍﻟﻨﺴﺎﺀ ﺃﻥ ﻳﻠﺪﻥ ﻣﺜﻞ ﺧﺎﻟﺪ ﺑﻦ ﺍﻟﻮﻟﻴﺪ"!!!!!

وفي رواية الطبري قال أبو بكر: "ﻋَﺪَﺍ ﺃَﺳَﺪُﻛُﻢْ ﻋَﻠَﻰ ﺍﻷَﺳَﺪِ ﻓَﻐَﻠَﺒَﻪُ ﻋَﻠَﻰ ﺧَﺮَﺍﺫِﻳﻠِﻪِ (أطايب اللحم المقطع الوافر)، ﺃَﻋَﺠَﺰَﺕِ ﺍﻟﻨِّﺴَﺎﺀُ ﺃَﻥْ ﻳُﻨْﺸِﺌُﻮﺍ ﻣِﺜْﻞَ ﺧَﺎﻟِﺪٍ"

لاحظ في روايتهم كيف يقترفون الجرائم البشعة، ثم يلصقونها بربّ العالمين، هذه الروايات يقصونها على الناس بكل فخر، ويقررونها كمواد دراسية على الطلبة في المدارس، ويقولون إن ابن الوليد منصورٌ بالرعب!!!

السفاح ريتشارد قلب الأسد جلب على نفسه الخزي والعار بقتله حوالي ثلاثة آلاف أسير في حربه الصليبية، أما خالد بن الوليد فقتل، كما يقول المؤرخون المحسوبون على الإسلام بكل فخر، سبعين ألف أسير، وأجرى النهر بدمائهم!

أما أبو بكر فقد كان يعتبر انتصارات خالد بن الوليد شأنًا قرشيا خالصًا؛ نساء قريش أنشأن خالد بن الوليد، ولم تستطع النساء الأخريات أن يُنشئن مثله، فحدث ما حدث.

والحقيقة أن نساءً من شتى الجنسيات والأديان، على مدى التاريخ، لم يعجزن عن إنشاء ما لا حصر له من السفاحين، ممن لا يكاد يكون خالد بالنسبة لهم شيئا مذكورا، فلم يكن الأمر أبدًا حكرًا على نساء قريش!

وبذلك أثبت أن الصراع كان على الخراذيل!!!

وكما سبق القول، هذه كانت قرارات وأفعال بشرية، يتحمل المسؤولية عنها من قاموا بها، فهم ليسوا حججا على دين الحقّ، بل الحجة لدين الحقّ على كل محسوبٍ عليه.

*******

الدعوة المشروعة

الدعوة إلى الله تعالى والعمل لإعلاء كلمته إنما تكون باستعمال السبل السلمية المبينة في القرءان، فالدعوة إنما تكون بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن وتقديم الأسوة الحسنة والعمل الصالح واستمالة وتأليف القلوب، وتلك الدعوة إنما تكون إلى الإيمان بالله ربّ العالمين الملك القدوس السلام المؤمن وإلى كل الأخلاق والقيم التي اقتضتها الأسماء الإلهية الحسني، وتلك القيم تتضمنها المنظومة المعنوية الرحمانية؛ أي منظومة القيم الإسلامية القرءانية.

ولا قهر ولا إكراه في الدعوة إلى الإسلام، وفي حالة رفضهم للدعوة ليس مطلوبا من المسلم إلا إشهادهم على إسلامه:

{قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)} آل عمران

وليس من وسائل الدعوة الاعتداءُ على المسالمين، فالعدوان من كبائر الإثم التي أعلن الله تعالى أنه لا يحب مقترفها، ولا يمكن الدعوة إلى سبيل الله تعالى باستعمال الأساليب الفاحشة ولا الكلمات البذيئة، إن الوسيلة في الإسلام يجب أن تكون شرعية، ولا يمكن التقرب إلى الله تعالى باقتراف ما نهى عنه.

ويجب ألا يخلط الداعية بين الإسلام الذي هو الدين العالمي الخاتم وبين عاداته وتقاليده هو أو عادات وتقاليد أهل القرن السابع الميلادي، كما لا يجوز له تحميل الإسلام أخطاء المحسوبين عليه على مدى التاريخ

إنه لا يجوز التضحية بسمةٍ من أهم سمات الدين وهي عالمية الدين في سبيل التمسك بعادات وتقاليد الأعراب والسلف والأقدمين، ومن المعلوم أن المحسوبين ظلمًا على الإسلام يقومون بكل ما هو مضاد لمتطلبات الدعوة، فهم لا يكتفون بأن يصدوا الناس عن الإسلام بسلوكهم البشع والمشين بل هم يعملون على إبادة المسلمين الآخرين، فهم بلا شك أخطر أدوات إبليس اللعين.

إنه لا يجوز أبدا اتباع وسائل غير مشروعة لنشر الإسلام أو لحمل الناس على الالتزام به، فلا يجوز أبدا لتحقيق شيء من ذلك استخدام الغزو أو القهر أو الترويع أو التآمر، ومن حاول ذلك سيجد نفسه وقد تدهور إلى مستوى المفسدين في الأرض والمجرمين، ومثل هذا ما له من ناصرين، فالمسلم الحقيقي هو رحمة للعالمين كما كان كذلك خاتم النبيين وسيد المرسلين، كما أن المسلم الحقيقي على خلق كريم كما كان خاتم النييين على خلق عظيم، إنه لا يجوز لأحدهم أن يزعم لنفسه أنه المسلم الحقيقي أو أن يزعم له غيره ذلك ثم يعطي لنفسه الحق ليفسد في الأرض وليسفك الدماء.

إن مئات الملايين من المسلمين في شرق ووسط آسيا وغرب أفريقيا إنما اعتنقوا الإسلام وتمسكوا به بفضل جهود رجال الطرق الصوفية والتجار الأمناء، وليس بفضل تجار الدين ورجال الكهنوت الذين لا عمل لهم إلا صدّ الناس عن سبيل ربهم كما حدث من الدعاة الذين استدعوا لشرح الإسلام للخزر والروس، ومن العجب أن يقلل السلفية من قدر ما أنجزه المتصوفة بحجة أنهم لم ينشروا الإسلام الصحيح الذي هو عندهم بالطبع دينهم الأعرابي الأموي الدموي الجهلوتي المجسم المشبه!!!!!

إن الأمة لم تجن من آثار أعمال كافة رجال الكهنوت بمختلف ألوانهم إلا التفرق والتمزق والشقاق والاشتغال بما نهوا عنه وتحويل الدين إلى شبكة محكمة من الإصر والأغلال تأخذ بخناق المسلم وتشل حركته، وكان بعضهم سوطا في أيدي المتسلطين يجلدون به رعاياهم.

إن إسلام الكثير من التتار والمغول -وهم في ذروة انتصارهم- على أيدي مجموعة من الدعاة غير المعروفين بصفة عامة بعد أن سحقوا ما كان يسمى بالخلافة العباسية لهو أكبر لطمة لمن أساءوا إلى الإسلام من الذين اتبعوا سياسة البغي والعدوان مع كل من جاورهم بحجة نشر الإسلام، وهم الذين لم يلزموا أنفسهم به في بلادهم، إن النهاية المخزية المشينة لنظام الخلافة كان ينبغي أن تكون عظة وعبرة للناس وعلامة على الفشل الفادح الفاضح لهذا النظام الظالم.

ومن الجدير بالذكر أن المغول والتتار الذين أسلموا من بعد أن سحقوا الخلافة العباسية وأراحوا العالم من فسقها وعبثها وجورها قد أسسوا للإسلام ممالك ضخمة عديدة وحضارات مبهرة في روسيا والهند، وقد صاروا أشد الناس ولاءً للإسلام.

ولو أن المسلمين اهتموا بأمر الدعوة وسعوا إلى معرفة سبل إعداد الدعاة والمبشرين وتأهيلهم ومكنوهم من ممارسة أنشطتهم لما اعتنق الخزر اليهودية، والخزر هؤلاء هم أصل اليهود البيض الإشكناز الذين احتلوا فلسطين وأذاقوا العرب الأمرين، وكذلك لما اعتنق الروس الأرثوذكسية، وقصة فشل الداعية المسلم في تقديم الإسلام إليهم معلومة، وكان إمبراطور الروس ميالا إلى الإسلام، ولو كان الذي أُرسل إليهم داعية متمرسا لتغير وجه التاريخ، ذلك لأن الروس بعد تنصرهم استأنفوا الحملات الصليبية ضد المسلمين فقضوا على الممالك الإسلامية المزدهرة في وسط آسيا واشتبكوا في صراع شديد الوطأة مع العثمانيين أنقذ أوروبا الغربية منهم وكانوا من أسباب القضاء على امبراطوريتهم.

وكان بإمكان المسلمين في الأندلس اجتذاب التيوتون والساكسون والڤايكنج وكل سكان شمال أوروبا الوثنيين إلى الإسلام عن طريق الدعوة والمعاملات التجارية، ولكنهم لم يكونوا يعرفون وسيلة للتعامل مع الآخرين إلا إرسال الحملات العسكرية لاحتلال بلادهم وسفك دمائهم وسبي نسائهم وأطفالهم، لم يعرف هؤلاء أبدًا، رغم احتكاكهم بالمسيحيين، أنهم يمكن أن يدعو الناس إلى الله بالوسائل السلمية الراقية.

ويوجد في أندونيسيا وملاييزيا وبنجلاديش، وفي أفريقيا جنوب الصحراء أكثر من 800 مليون مسلم، اعتنقوا الإسلام عن رضا وطيب خاطر، بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة وتقديم الأسوة الحسنة، وفي إندونيسيا مثلا حوالي 240 مليون مسلم دخلوا الإسلام على أيدي التجار الحضارمة اليمنيين، وهم أكبر تجمع سني شافعي في العالم.

وفي المقابل دخل العرب الأندلس بقوة السلاح، وحاولوا منها غزو فرنسا، فماذا كانت النتيجة النهائية؟ كانت تأجيج العداء الأوروبي ضد المسلمين الذي أدى إلى الحملات الصليبية، وإلى بدء العمل على طرد المسلمين من الأندلس، والذي أدى بالفعل إلى إلقائهم في البحر في النهاية، ثم انطلق الإسبان والبرتغاليون شرقًا وغربا ليحاصروا العالم الإسلامي، فاستولى المسيحيون الغربيون على ثلاث قارات بكر بأكملها، وتعملق الغرب الذي كان مهينا، واستدار على العالم المحسوب على الإسلام، واحتل جل أراضيه، وأباد ما لا حصر له من المحسوبين على الإسلام، ولولا انتشار العلمانية في الغرب لأبادهم تماما، ولقد تآمر مع الصهيونية ضدهم، وسيظل يتآمر في الظلام عليهم.

*******

ويقول البعض إن التوسع العربي كان يستهدف الشعوب ذات البشرة البيضاء للحصول على نوعية النساء المفضلة لدى الأعراب، هذا الكلام تبسيط شديد للأمور، العرب كانوا يسعون للسيطرة على نفس البلاد التي حاولت كل إمبراطورية كبرى من قبل السيطرة عليها، هذه المنطقة -التي تضم مصر وبلاد ما بين النهرين والشام أساسا- كانت مهد تيار الحضارة الرئيس، وكانت تشكل قلب العالم المتحضر ومركز ثرواته وبلاد أكثر شعوبه تطورا ورقيا وقدرة على العمل والإنتاج، وعندما ضعفت تلك الشعوب عسكريا، ولم تستطع الاتحاد لتكوين دولة منيعة جاء الحل من الخارج، فاجتاحها الفرس ثم الإغريق المقدونيون ثم الرومان، ويلاحظ أنه عندما انقسمت الإمبراطورية الرومانية فإن الجزء الغربي –وفيه روما؛ مهد الرومان ومركزهم الأصلي- سرعان ما سقط تحت أقدام برابرة أوروبا بينما بقي الجزء الشرقي لحوالي ألف عام من بعده، وذلك أساسا لقلة موارده وحضارته مقارنة بالجزء الشرقي، ولأن البلاد التي كان يسيطر عليها في غرب أوروبا كانت همجية متخلفة.


وعندما هزم العرب الروم في الشام كان لزاما عليهم أن يطردوهم من مصر، وذلك لحسم أمرهم ولحماية الحجاز من إمكان اجتياح الروم له مستغلين سيطرتهم المطلقة على البحار، ثم كان عليهم أن يطاردوا الروم أينما كانوا وأن يسيطروا على المدن الساحلية التي كانت مواني لأساطيلهم، فلم يكن الروم ليسكتوا أبدا، وقد ظلوا دائما متربصين بالإمبراطورية الجديدة، وهم من بعد سيستنجدون بالصليبيين لضرب المنطقة، فحركة التوسع العربي أملتها دوافع استراتيجية حقيقية دفاعية واقتصادية.

وبالطبع لم يكن يوجد ما يغري الفاتحين بالمغامرة باختراق الصحراء جنوبا إلى حيث لا يعرفون.

وفي كل الأحوال لم يكن نشر الإسلام هو الدافع وراء حركة التوسع، وإنما استُغِلَّ الإسلام وتم تحريفه ليكون أيديولوجية للتوسع، فلابد للحشود المقاتلة من دافع عقائدي فضلا عن الطمع في الغنائم.

ويمكن بإيجاز القول بأن حركة الفتوحات أملتها في بدايتها ضرورات استراتيجية مشروعة، وهي التي أنقذت الأمة من الاستئصال على أيدي الفرس والروم، ولكنها انقلبت إلى حركة توسع عربي محكومة في أغلبها بتقاليد العرب والأعراب والعصور الوسطى ومغلفة بقشرة إسلامية رقيقة.

وفي كل الأحوال يجب العلم بأنه لكل القرارات البشرية جوانبها الإيجابية والسلبية، كما يجب فصل الدين عن التاريخ والامتناع عن تحويل التاريخ إلى دين، كما لا يجوز الحكم على التاريخ الماضي وفقا لمقاييس العصر الحاضر، كما لا يجوز تصور أن الآخرين كانوا ملائكة مسالمين، بل كان الفرس والرومان وحوشا خطرين وعتاة مستكبرين، ويجب العلم بأنه عندما تكون العلاقات الدولية محكومة بشريعة الغاب لا يمكن أن تعيش أمة كحمل بين الذئاب.

*******

عدد المنشورات : 457