منظومة القيم الإسلامية

البيئة المعنوية 1

الجدول

البيئة المعنوية


إنه عند ارتباط مجموعة من الناس ببعضهم البعض وبمكان ما فإنهم يبدؤون في تلقي تأثيرات ورسائل وغيرها من بعضهم البعض، ومن الكيانات الأمرية التي لها ارتباط بنفس المكان، وممن عاشوا فيه من قبل وسبق لهم الارتباط به، بالإضافة إلى الرسائل المعنوية والروحانية الخاصة بهم هم فيما بينهم، ويتجه التفاعل والتأثير إلى تذويب أو تنعيم الفوارق فيما بينهم وقولبتهم وإكسابهم ملامح وكيانات جوهرية متشابهة، وهذا يبين أهمية اختيار الأصدقاء والخلان وأهمية الإقامة في أرض طيبة بين أناس طيبين والهجرة إذا لزم الأمر، كما يبين مدي خطورة البيئة الأمرية التي يحيا فيها الإنسان.

*******

إنه لا جدوى من أي إصلاح ما لم يتم إصلاح وتزكية المنظومة المعنوية السائدة بين الناس، وتلك المنظومة تشمل القيم والمثل والسلوكيات والسنن والعادات والمعلومات والمعايير والموازين وأساليب التقويم والمفاهيم والتصورات والمصادرات والمسلمات وما يراه الناس من البديهيات... الخ والتي يبرمج الإنسان تلقائيا على التوافق معها والعمل بمقتضاها، ومن أهم أركان تلك المنظومة النظام المعرفي، وهو أسلوب النظر في الأمور والنهج المتبع عادة لتلقي كل ما سبق ذكره، ومنظومة القيم الإسلامية الحقيقية هي أكبر وأرقى منظومة عرفها الإنسان أو سيعرفها الإنسان.

والتفاعل بين الناس وبين المنظومة السائدة عليهم يقوم على آلية التغذية الإيجابية المرتدة، Positive feedback loop فالناس يتلقون بوعي أو بدون وعي كل عناصر المنظومة ويعملون بمقتضاها، فيكون أثر ذلك مما يقوي تلك العناصر ويزيدها رسوخا في نفوسهم ومجتمعهم.

إنه بناء على المنظومة المعنوية السائدة (المفاهيم والمعاني والمثل والتصورات والقيم السائدة) تتشكل شخصيات الناس في مجتمعٍ ما، فالشخصية تنمو في ظل سيادة تلك المنظومة، ويؤدى ذلك إلى تنميط الناس وقولبتهم بصفة عامة.

فوحدة الانتماء إلى تلك المنظومة تؤدي إلى وحدتهم على المستوى الجوهري مما يؤدي إلى تشابه رغباتهم وتطلعاتهم، وكذلك تولد لديهم استعدادات لتقبل كل ما يترتب على ذلك، فالاستعداد يكون بمثابة الطلب الحثيث الذي يستدعى من عالم الغيب من الوقائع والأمور والتدبيرات ما يتواءم معه، فالأمة التي تكن إعجابًا خفيا بالطاغية المستبد ويريد كل فرد منهم أن يمارس دورًا كهذا أو يمارسه بالفعل في نطاقه المحدود يتولد لديها استعداد يؤدي إلى تعين حقائق أو ماهيات لطغاة عديدين ممكنين على المستوى الأمري، وعندما يبلغ طلبهم وإلحاحهم حدا معينا يُفاض على أقواهم استعدادا كيان أمري يولد لديه استعدادا إضافيا للعب هذا الدور، ويظل هذا الاستعداد وكذلك الكيان الجوهري لهذا الطاغية يقوى بما يستمده من كيانات الناس الجوهرية في حلقة تغذية خلفية موجبة.

فالأمة التي لديها الاستعداد والتهيؤ لقبول الطاغية هي التي توفر كل ما يلزم لتتعيَّن حقيقته ثم لتتجسد، وهي التي تمكنه من نفسها، وهكذا ظهر ستالين وهتلر وموسيليني وصدام وغيرهم، لذلك فعلى الأمة التي تجد نفسها مقودة بطاغية جاهل أن تعلم أن هذا ما يفضله بالفعل مجموع الناس وإن لم يدركوا ذلك، ولتعلم أن أكثر أفرادها يزدرون الشورى والعلم بالفعل، إنه ليس من السهل السباحة ضد التيار العام الذي تشكله الاستعدادات والرغبات والمطالب الحقيقية لأمة من الأمم ولا يحدث ذلك إلا في أحوال استثنائية بفعل نسق أعلى من القوانين والسنن، والأحوال الاستثنائية تحدث عندما يتحتم إرسال رسل أو مجددين.

وكمثال على مدى سطوة المنظومة المعنوية السائدة فعليا فإن أكثر الأعراب الذين أسلموا في العصر الإسلامي الأول مثلًا ظلوا على تمسكهم بمبادئ وأسس وأخلاق الجاهلية في تعاملهم مع موضوع المرأة ورغم اضطرارهم إلى الإذعان لما قرره لها الإسلام من حقوق إلا أنهم ظلوا في أعماق نفوسهم يتربصون بها إلى أن تمكنوا شيئا فشيئا من تجريدها من كافة حقوقها، وفرضوا من جديد تقاليد ومبادئ الجاهلية المتعلقة بها عليها ولكن باسم الدين الذي تم تحريفه ليتوافق مع أهوائهم، وبعد أن كانت النساء تحضر الصلاة مع الرجال في مسجد الرسول تم منع ذلك منعا باتا، وعندما أصرت زوجة أحد (المبشرين بالجنة) على الحفاظ على أداء الصلوات في المسجد تربص بها وهاجمها عند ذهابها لصلاة الفجر فامتنعت بعدها عن الذهاب! وعندما سمع ابن عبد الله بن عمر أباه يروي القول المنسوب للرسول: "لا تمنعوا إماء الله المساجد" أقسم ليمنعهنّ، فاتبعته الأمة!!

مثال آخر: كانت كل قبيلة تعتبر أراضي كافة القبائل الأخرى أراضي مستباحة بالنسبة إليها وتعطي لنفسها حق العدوان عليها ونهبها وسبي نسائها، وجاء الإسلام فحرَّم العدوان وحرَّم القتال في سبيل الغنائم الدنيوية، وظل العرب والأعراب يتربصون بتلك التعاليم إلى أن جاء رجال دين الأعراب والأمويين واعتبروا لهم ديار الآخرين ديار حرب وأحلوا لهم الاعتداء عليهم واستباحة ما لديهم وسبي نسائهم وانتهاك أعراضهن واستعباد أطفالهم وأحلوهم من اتباع الأساليب الشرعية للدعوة الواردة في آيات محكمة بزعم أن تلك الآيات قد نسخت.

ويلاحظ مثلاً أن الأمم المحسوبة ظلمًا على الإسلام تحتكر الدرك الأسفل من نار الانحطاط والجهل والتخلف والظلم والاستبداد والتسفل وانتهاك حقوق الإنسان والحيوان والنبات والجماد...، وما ذلك إلا لسيادة وتسلط منظومة معنوية شيطانية عليهم، ومن أخطر عناصر تلك المنظومة:

الظلم-النفاق-الشرك-الكفر-المبالغة في تقديس السلف-اتخاذ ما هو من دون الله أربابا مع الزعم نفاقا بأنهم عباد الله-اتخاذ القرءان ظهريا مع الزعم نفاقا بأنه الأصل الأول-الإيمان بالجبرية-الكفر بالسببية-ازدراء القوانين والسنن-الإيمان المطلق بالحياة الدنيا والكفر الحقيقي باليوم الآخر-ازدراء القيم الرفيعة والمشاعر الراقية-الخضوع المطلق للمتسلطين على الأمر والذي يقابله بالضرورة الاستبداد والفساد المطلق من هؤلاء-ازدراء الملكات القلبية الذهنية والوجدانية-شدة الإعجاب بالمجرمين والطغاة والمفسدين في الأرض وسفاكي الدماء-العداء المستحكم لكل منادٍ بالإصلاح ولكل فكر جديد ... الخ.

ومن ذلك أيضًا أنهم جعلوا الإسلام الدين الوحيد الذي ليس فيه من مجال للأحاسيس أو المشاعر أو الأمور الوجدانية، وعندما ظهر التصوف لسد هذه الثغرة تصدوا له بقوة إلى أن أرغمتهم الظروف على السماح به، ولكن بعد أن ناله منهم ما ناله.

*******

1

1.png