صلاح الدين الأيوبي 1

صلاح الدين رجل من رجالات التاريخ الكبار، ولمؤسسي الدول صفاتهم الخاصة، فهم ليسوا أئمة دينيين، وهم يُستعملون لتنفيذ أحكام بمقتضى السنن التاريخية، ورجل الدولة يجب للأسف أن يتمتع بقدر كبير من المكياڤيللية في التعامل مع الأمور، وذلك بالنظر إلى تدهور وتردي أحوال أكثر الناس.

ولذلك فكل قرار يتخذونه كان له آثار سلبية وآثار إيجابية، وقد تكون الآثار الإيجابية مبهرة، ولكنها قصيرة الأمد، وقد تكون الآثار السلبية واهنة، ولكنها فادحة النتائج.

وتحليل كل ذلك مع ربطه بشخصياتهم يستلزم عملا ضخما.

وبالنسبة للمصريين مثلا لم يعتبروا صلاح الدين رجلهم ولا بطلهم، وإنما كان ذلك للظاهر بيبرس لأسباب عديدة، وكانت له سيرة ضخمة، ولكنه تعرض لحملة تشويه مغرضة وممنهجة.

وفي المقابل فإن صلاح الدين حكمهم بالحديد والنار، وقتل منهم أضعاف من قتلهم من الصليبيين، وسخرهم بكل قسوة لتحقيق أمجاده الخاصة.

وقد حظي صلاح الدين بحملة تهويل وتضخيم وتقديس، لما يلي:

1. لدوره في القضاء (رسميا) على أكبر دولة شيعية ظهرت في التاريخ، مع أن هذه الدولة، مثل كل الدول، كانت قد دخلت في طور الاحتضار، قبل مقدمه، وبالتالي أصبح كيانا مقدسا لدى أهل السنة والسلفية، رغم أنه من المفترض أنه عند السلفية "أشعري فاسق ومن مخانيث المعتزلة"! كما أنه شجع التصوف السني بشدة لكي يمتص حب المصريين لأهل البيت، وهو بذلك يُعتبر عند السلفية قبوريا مشركا.

2. لتحقيقه أول انتصار حاسم وباهر على الصليبيين في حطين، وقد غفروا له لذلك كل الهزائم الثقيلة التي لقيها من قبله ومن بعده.

3. في العصر القومي الناصري، كانت الحاجة ماسة إلى بطل تاريخي للقومية العربية، ويكون عاملا مشتركا وموحدا بين مصر وبين سوريا، فلم يجدوا إلا صلاح الدين، فتحول إلى شبه إله للقومية العربية، هذا رغم أنه لم يكن عربيا، فقد انسحب العرب من التاريخ من قبله بكثير، بل كان  كردي الأصل، وأسماء أفراد عائلته أسماء كردية، أما جيشه الأصلي فكان تركمانيا من بقايا السلاجقة، كما أن صلاح الدين إنما أسس دولته في مصر، ثم استولى بالقوة على ممتلكات سيده نور الدين زنكي في الشام، وخلع ورثته، فكان مثله مثل أي حاكم قوي حكم مصر من قبله ومن بعده؛ ملوك الدولة الحديثة في مصر القديمة، بطليموس الأول، ابن طولون، الإخشيد، الفاطميون، المماليك، علي بك الكبير، محمد علي.

4. لأن الغربيين يحبونه بصفة عامة، فقد أبدى قدرا هائلا من التسامح معهم، وصل إلى حدّ التخاذل، فأكملوا الاستيلاء في عهده، على كل ساحل الشام، وأقاموا فيه قلاعهم المنيعة، وقد طبع بطابعه ذلك حكام أسرته من بعده، وكان ذلك من أسباب ثورة الرأي العام عليهم، واستيلاء المماليك على السلطة، وهم الذين لم يبدوا أي تهاون مع الصليبيين، ولم يتوقفوا عن قتالهم إلى أن ألقوهم في البحر.

ومن أكبر الكوارث التي ضرب بها صلاح الدين المنطقة أنه كان جلفًا متعصبا من الناحية الدينية، يكره الفلسفة التي كانت أم العلوم، ولذلك قضى على كل آثار النهضة العلمية التي حدثت في مصر في العصر الفاطمي، ودمر دار الحكمة، وقضى على كل الكتب فيها، مستبقا بذلك ما سيفعله هولاكو ببغداد، وتعامل بقسوة مع فلاسفة التصوف، بينما شجع تصوف الطُرُقية.

كما أنه سخَّر المصريين ليهدموا له الكثير من الأهرام التي أقامها أجدادهم، وبصخورها أنشأوا له قلعته.

ولكنه في المقابل أسس دولة قوية في الشرق الأوسط، وتسبب في تغييرات حاسمة في تاريخ المنطقة.

عدد المنشورات الفرعية : 63