سورة البقرة

سورة البقرة 2

{ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} البقرة2

الكتاب من أسماء ما أُنزل على الرسول؛ أي من أسماء ما تلقاه الرسول من الوحي الإلهي بلفظه ورسمه، أي من أسماء القرءان، وذلك من حيث أن الاسم "القرءان" هو الذي استقر في أذهان الناس اسمًا علميًّا A proper name لما تلقاه خاتم النبيين صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ من ربه، وهذا بالطبع لا يُلغي الدلالات الأخرى لكلمة الكتاب، والتي استعملها القرءان، ولكن الذي يعني هاهنا، وفي هذا السياق، هو الإشارة إلى القرءان كله بصفة عامة، وإلى هذه السورة المباركة بصفة خاصة.  

وهذا الاسم هو بذلك يعبر عن بعض سمات القرءان، فهو يتضمن كلمات الله وسننه التي لا تبديل لها ولا تحويل، ومن حيث أنه جماع أوامر إلهية، فكل ما هو فيه مكتوب على الناس وملزم لهم، وهو أيضًا الجامع لأركان الدين ومقاصده وسننه وقيمه.

ومن السنن تلك السنن الكونية الخاصة بالمخيرين، ومنها على سبيل المثال:

فمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، مَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ، لاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ، مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ، لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا، مَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا......

وهذه السنن تتضمنها منظومة السنن الخاصة بالمخيرين، وهي سنن لا تبديل لها ولا تحويل، وذلك من معاني الكتاب أيضًا، فهو الذي يجمع ما لا سبيل إلى تغييره.

ولا ريب في هذا الكتاب، وهذه حقيقة يجب أن يعمل الإنسان بمقتضاها، فيجب ألا يثير أحد الشكوك والاتهامات حول هذا الكتاب، وبذلك يجب تجريم وتحريم كل ما يلقي بظلال من الشك حوله كالأقوال الواردة في كتب المرويات والمذاهب التي تقول إن بعضه ضاع أو إنه يحتوي على ما ليس بقرءان أو يحتوي على آيات منسوخة قد زال حكمها وبطل العمل بها، ومن قال بأي شيء من ذلك فقد كفر ببعض الكتاب واستحق الخزي والعذاب في الدنيا والآخرة حتى ولو كان الناس يتخذونه ربا أو مشرعا في الدين أو إماما، وهو على أقل الأحوال قد اقترف بعض كبائر الإثم.

وهدْي القرءان هو للمتقين، تلك سنة إلهية سارية على المخيرين، فلن ينتفع بالقرءان ويهتدي به إلا من كان لديه قدر من التقوى، والاهتداء يتناسب مع درجة ومقدار هذا القدر من التقوى، وبالطبع لن يهتدي بالقرءان من كان من الفجار بل سيزداد ضلالا، ومن لوازم التقوى الإيمان، وآيات القرءان تبين آثار الكتاب على الذين آمنوا وعلى الذين لا يؤمنون، قال تعالى:

{وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قرءانا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلاَ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيد} [فصلت:44]، {قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِين}[البقرة:97]، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِين} [يونس:57]، {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقرءان مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (82)} الإسراء، {طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقرءان وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1) هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2)} النمل، {إِنَّ هَذَا الْقرءان يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (77)} النمل، {.... وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِين} [النحل:89].

ويلاحظ الأسلوب القوي الواثق المتعالي في التعبير: 

{ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ}،

 فالمتكلم هنا هو إله، يعلم حقيقة الأمور، وينذر من سيحاولون إلقاء ظلال من الريبة والشك حول القرءان، فمن سمات المتقين أن يجدوا هداهم في القرءان الكريم، والإشارة إلى الكتاب بـ"ذلك" هي لبيان لعلو قدره وعظمة شأنه وبعد مداه وامتداد بركاته، فله عطاؤه الدائم المتجدد، وله تأويله الذي يأتيهم حينا بعد حين كلما أصبحوا لذلك مُهيَّئين.

ومن لم يجد في كتاب الله هداه فذلك لخلل في تقواه.

والكتاب هنا هو الكتاب كله، وهو أيضا هذه السورة، فالكتاب هو الجامع للآيات المكتوبة، فرسول الله يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً، فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ، ومن كتبه هذه السورة الجليلة، والآية المكتوبة هي التي لا تبديل لها ولا تحويل؛ فهي غير قابلة للنسخ أصلا.

وكلمة الكتاب هي اسم معنى أو اسم فعل (مصدر) استعمل للتعبير عن هذا الكيان الأمري الذي نُزِّل علي الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، ذلك لأنه لم ينزَّل عليه هذا الكيان المادي المعروف عند الناس الآن بالمصحف بل كان الذي نزِّل هو الكيان الأمري، والمصدر يستعمل اسما للكيان أو الكائن كصيغة مبالغة للدلالة علي أحقيته التامة بالصفة التي يدل عليها أو يشير إليها، فاستعمال كلمة "الكتاب" اسمًا من أسماء ما أوحي إلى الرسول هو للدلالة على أن كل ما هو فيه قد كُتب فلا تبديل له ولا تحويل، ولا نسخ ولا إبطال، كما أن كل ما فيه قد كُتب على الناس وأُلزموا به.

والكتاب لا ريب فيه، ذلك لأنه يحمل بنفسه دلائل صدقه، وهو بنفسه عين البرهان على صدق نفسه، فالمتقي يجد فيه الهدى، ويزداد به يقينه، ويزول عنه الشك والريب، فهذا الكتاب هدى لمن تحقق بالتقوى أي بجماع مقتضيات ذكر الله تعالى، فهو الذي لديه إحساس صادق بالحضور الإلهي، فهو يدرك ويستشعر أن ربه معه وقريب منه.

وعلامات المتقين أن يؤمنوا بكل ما حدثهم به ربهم، وهم يعلمون ابتداءً أنه مهما كشف لهم أو عرفهم بأمرٍ ما فسيظل لديه ما لم يكشفه بعد، ذلك لأن له سبحانه الغيب المطلق، كما أن له ما لا يتناهى من سمات الحسن والتي تقتضي بدورها من الآثار ما لا يتناهى تنوعها ولا آمادها، فلا يمكن للإنسان المقيد المحدود أن يحيط بها جميعا.

والإنسان بحكم طبيعته لا يستطيع أبدًا الإحاطة بكل شيء، وقد يكون من الممكن الإحاطة بشيء، ولكن هذا لا يحدث بالضرورة من أول وهلة، وثمة أمور بحكم طبيعتها لابد أن تبقى غيبا على الإنسان، وعلى من أراد التقدم والرقى والتحقق بالكمال أن يسلم بوجود هذا العالم الغيبي وألا ينكره حتى لا يقطع على نفسه سُبل التقدم والرقي، ولما كان لله سبحانه كل كمال أو حسن مطلق لم يكن للإنسان بحكم طبيعته أن يحيط علما بأي كمال من كمالاته على ما هو عليه، ذلك لأن المقيد المحدود لا يحيط باللانهائي المطلق، لذلك يجب على الإنسان أن يؤمن بالله تعالى كما تحدث عن نفسه في كتابه.

*******