من هدي القرءان الكريم

سورة الممتحنة

سورة الممتحنـــة 7-8

سورة الممتحنـــة 7-8


{عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (7) لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)}

رغم العداء الشديد الذي يمارسه الكفار ضد المؤمنين فمن الممكن أن يؤمنوا، فتنقلب العداوة إلى مودة، فالله تعالى على كل شيء قدير، كما أنه غَفُورٌ رَحِيمٌ، فمن آمن به فسيدخله في مغفرته ورحمته.

"عسى" فعل مقاربة يدل على الرجاء، أما عندما يُنسب إلى الله تعالى فهو يكون مُحاطًا ومسبوقًا بالمشيئة الإلهية، فهو لا يكون بالضرورة متحقق الوقوع، فالأفعال المتعلقة بالمخيرين تأخذ في الاعتبار حقائق المخيرين، فلا يحدث فيها إكراه على ما تأباه أنفسهم.

والمقصود أن يؤمن الإنسان بالسمات الإلهية ومقتضياتها من السنن، فلا يقطع بأن أعداءه سيظلون دائمًا أعداءه، أو أن الكافرين سيظلون دائمًا كافرين، وأن العداوة قد تتبدل إلى مودة، ومن الأسماء المهيمنة على مثل هذا الأمر: القدير، والغفور الرحيم.

والآية بذلك تتضمن بشرى لأهل القرن الأول رأوها بأعينهم فأصبحت آية لهم، ولمن سيأتي من بعدهم.

ومن الذكر: وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ

*****

أوضح الله سبحانه هنا أنه لا ينهى المؤمنين عن البر والإقساط إلى الناس مهما كانت أديانهم أو عقائدهم طالما التزموا بأمرين:

 1.ألَّا يقاتلوا المؤمنين في الدين أي بدافع اختلاف الدين، أي لمجرد كونهم مؤمنين.

2. ألا يضطهدوا المؤمنين إلى حد إخراجهم من ديارهم.

فالآية تحث المؤمنين على البر والإقساط إلى من سالمهم من معتنقي الأديان والعقائد الأخرى،.

وتبين الآية:7 أنه ليس ثمة عداءات دائمة وأن احتمال تحول العداء إلى مودة هو أمر ممكن وهو خاضع لقوانين الله وسننه، لذلك فالمؤمن مأمور بممارسة مكارم الأخلاق مع الناس أجمعين.

إن الإسلام هو دين يعتقد ويعاش ويمارس وهو الدين الكامل الخاتم الذي يكفل لمن يعتنقه ويلتزم به السعادة الكاملة في الدنيا والآخرة، ولكن قد اقتضت قوانين الوجود وسننه وطبيعة الإنسان المكلف المختار أن يكون المؤمنون الحقيقيون قلة وأن يظل ثمة معتنقون للأديان السالفة وذلك إلى قيام الساعة، لذلك تضمنت تعاليم الإسلام سبل التعامل مع معتنقي الأديان والمذاهب الأخرى.

ولقد أكد الكتاب العزيز على أن الله تعالى يحب المقسطين ويأمر بالعدل والإحسان ولا يحب المعتدين كما أنه يلعن الظالمين ويتوعدهم بالعذاب الأليم وأنه ليس من حق أحد مهما علا شأنه وعظم قدره أن يكره الناس حتى يكونوا مؤمنين، وكل ذلك وما جاء به الإسلام من منظومة قيم -هي أسمى ما يمكن أن يعرفه الإنسان من منظومات قيم- يجب أن يعاش وأن تصطبغ به حياة الكيانات الإسلامية كالفرد والأسرة والجماعة والأمة، فتعليمات الإسلام للناس على أنساق:

فثمة نسق خاص بالفرد هو لبّ هذا الدين وجوهره والالتزام به يؤدى إلى تحقيق المقصد الأعظم الثاني الذي هو لب المقاصد الدينية، وثمة نسق يختص بطائفة من المسلمين من حيث أنهم أقلية في بلد متعدد الديانات، وثمة نسق خاص بتلك الطائفة عندما تكون هي الأغلبية أي يشكلون أمة كبيرة في وطنهم، وثمة نسق خاص بالأمة من حيث أن لها دولة أي من حيث أن ثمة هيئة تمثلها تجمع كافة السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.

وليس ثمة أي تناقض بين هذه الأنساق، فهي متسقة متكاملة، هذا مع العلم بأن ثمة أوامر هي خاصة بالأمة لا يُطالب الفرد بالقيام بها، كما أن الأمة لا تستطيع أن تجعل كل فرد يقوم ببعض الأوامر مثل الأوامر بأن يؤمن مثلا ببعض العقائد.

ولقد ترتب على التطور الذي شهدته البشرية اختلاف طبيعة الكيانات الإنسانية الكبرى فأصبح الوطن هو وحدتها الأساسية مع إمكانية تحالف وائتلاف مجموعة من الأوطان، وكل وطن يتعايش فيه مجموعة من الأعراق ومعتنقي الديانات المختلفة، كما أصبحت الدولة بمفهومها الحديث، وليس القديم، هي الوحدة السياسية الأساسية، وهذا الوضع هو أمر جديد ولا يمكن إعمال ما أحدثه السلف من أساليب التعامل والعلاقات بين الكيانات الإنسانية في العصور الوسطى عليه، لذلك فينبغي استنباط وبيان القواعد والأسس المتسقة مع مقاصد الدين العظمى وتعاليمه الأساسية ومنظومات قيمه وسننه والتي تمكن المسلم من التعايش مع تلك الكيانات.

فالمسلم الذي يعيش منفردًا في بلد علماني مثلا عليه أن يلتزم بما هو مطلوب منه كفرد مسلم وألا يحمل نفسه ما لا طاقة له به مما لا تطالب به إلا جماعة أو أمة من الإسلاميين، فعليه أن يحاول تحقيق المقصدين الدينيين الأول والثاني وأن يقدم لهم المثل الأعلى للكمال الإسلامي وبذلك يكون أمة وحده، وكذلك الأمر بالنسبة إلى أقلية من المسلمين تحيا في ظروف مشابهة، وإن كثيرا من المتاعب التي يلاقيها المسلمون الآن هي بسبب عدم وجود صياغة دقيقة محكمة تمكنهم من التعامل مع تلك الأوضاع المستجدة وليس لدى رجال اللادين والكهنوت في هذا الشأن إلا ما ورثوه عن أسلافهم من أساليب التعامل العدوانية والتي لن تجدي إلا في توحيد البشرية جمعاء ضد المسلمين.

فما دام المسلم يعيش في بلد علماني لا يُضطهد فيه في دينه ولا تُنتهك حقوقه وتتوفر له فيه حرية العقيدة والعبادة والعمل والكسب واحترام كرامته كإنسان فإن عليه ألا يجعل من نفسه حربا على البلد الذي آواه وكفل له كل ذلك، وعليه أن يدعو الناس إلى الإسلام بالأخلاق الحسنة والتفوق في شتى المجالات وبالسلوك الحميد الرفيع الذي يدفع الناس إلى التأسي به، والمقصود بالحكمة هنا هو أن يراعي أفضل السبل اللازمة للدعوة، وهو مكلف بإعمال كل ملكاته والإفادة من كل خبرات غيره وخبراته وبذل كل ما هو في وسعه لمعرفتها وإلا فإن عليه وزر من صدهم عن سبيل الله بأفعاله أو بسوء اختياره.

وقد يكون المسلم مواطنًا في بلد يشكل فيه المسلمون أغلبية عددية ولكنهم لا يشكلون أمة حقيقية ولا يوجد لديهم كيان أو هيئة من أولي الأمر الحقيقيين تتولى تسيير أمورهم وفقًا لنسق التعاليم الخاص بالأمة الإسلامية والذي يجعل منها أمة فائقة داعية إلى الخير قائمة بالقسط ومجسدة لتعاليم الإسلام، وهذا هو واقع الحال في كل ما يسمى بالدول الإسلامية الآن.

ولكن هذا لا يعطى للمسلم الحق في الخروج على الناس أو ترويعهم أو محاولة حملهم على الالتزام بما يرى هو أنه صحيح الدين فإن كل ذلك ممنوع منعا باتا في الإسلام ومن يفعل ذلك ما له من نصير، كما أن أكثر الناس لا يعرفون شيئا عن صحيح الدين بل إن المؤسسات الكهنوتية الرسمية هي أجهل شيء بالدين الحقيقي ومقاصده العظمى، والمسلم بالفطرة يفوقهم إيمانا وتقوى، ولقد تجاوز الناس في بعض الأقطار ما يؤمن به هؤلاء من صيغ جامدة للدين، فعلى المسلم في مجتمع كهذا أن يلتزم بكل ما هو ممكن من أنساق التعليمات الإسلامية وألا يجعل من نفسه حربًا على شعبه أو وطنه أو أمته أو عاملا من عوامل تقويض بنيانها.

ومن المستحيل الآن محاولة جمع المسلمين في كيان سياسي واحد على مستوى العالم لأسباب لا حصر لها، وأية محاولة لتحقيق ذلك لن تؤدى إلا إلى القضاء على المسلمين واستعبادهم لأعدائهم، وعلى المسلمين أن يعلموا أن تجربة صلاح الدين ومجازره المذهبية لم تكن التجربة المثلى ولن يسمح أحد بتكرارها، فلن يسمح أحد بعد الخروج من ظلمات العصور الوسطي أن يقوم أحد الجنرالات بغزو بلد آخر وفرض مذهبه على الناس فيه وإبادة المخالفين في المذهب أو الدين تحت أية حجة من الحجج أو ذريعة من الذرائع كما فعل صلاح الدين مع الشيعة المصريين مثلا.

كما لن يسمح له أحد بضم أراضي دولة أخرى بالقوة العسكرية، مثلما فعل صلاح الدين عندما احتل مدن الشام بعد التمكين لنفسه في مصر، وقد حاول صدام حسين فعل مثله، والكل يعلم ماذا كان مصيره، وما جلبه من خراب على بلده.

وإذا ما حاولت دولة تزعم أنها إسلامية الاعتداء على دولة أخرى مجاورة بحجة العمل على توحيد المسلمين فعلى كل مسلم في الدولة المعتَدى عليها أن يدافع عن وطنه، ذلك لأن الله تعالى لا يحب المعتدين، كما أن الغاية عنده لا تبرر الوسيلة، بل إن مجال اختبار الناس وابتلائهم هو في مدى التزامهم بالسنن والوسائل التي شرعها لهم، وهو لم يجعل أبدًا من القتال وسيلة مشروعة لتوحيد المسلمين وإنما شرعه لرد عدوان المعتدين ولتأديب أهل البغي وللدفاع عن المستضعفين في الأرض.

فالآية تأمر المسلم بألا يعتدي على من يخالفه في الدين أو في المذهب، بل إن الآية تحثه على البر والإقساط إلى من خالفه في الدين، فالدين لا يمكن أن يكون وسيلة لتأجيج نيران الحروب وتكريس البغي والظلم والعدوان أو إضفاء الشرعية عليها، ولكنه وسيلة لنشر الأمن والسلام وتحقيق السعادة للبشرية جمعاء.

وقوله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ }الممتحنة8 يعني أن المسلم مأمور بأن يبرَّ وأن يقسط إلى من لم يقاتله في الدين ولم يخرجه من دياره، والآية لم تخصص الأمر بأهل الكتاب وإنما أطلقته، وتلك الآية مع آيات أخرى تلزم المسلم بالتعايش السلمي مع أتباع شتى المذاهب والأديان، ولقد بيَّنت الآية أن ذلك من مقتضيات شأن وسمة إلهية هي: "إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ"، وبذلك يكون هذا الأمر الإلهي أمراً ثابتا يجب التقرب إلى الله تعالى بالعمل بمقتضاه، وبذلك يتبين أن القتال هو الاستثناء أما الحالة الثابتة فهي السلام والبر وتحقيق القسط Justice.

*****

لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)

الآية تبين أن حالة البرّ والإقساط هي الحالة الطبيعية بين المؤمنين وبين الآخرين طالما لَمْ يُقَاتِلُوهمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوهمْ مِنْ دِيَارِهمْ، وأن الإقساط محبوب لذاته كقيمة رفيعة، وأن من تحلى به محبوب عند الله تعالى، ذلك لأنه سبحانه يحب أن يرى تجليات سماته.

والإقساط هو القيام بالقسط، أي تحقيقه للناس، فيأخذ كل ذي حقٍّ حقه.

والبرّ هو اسم جامع لأعمال الخير والإكرام والإحسان.

والاسم الحديث لأعمال البر والإقساط هو مراعاة حقوق الإنسان، فهي عمل تعبدي في الإسلام، فالمسلم الحقيقي يتقرب إلى ربه بمراعاة حقوق الناس وكرامتهم والإحسان إليهم.

*******

1

1.png