سورة غافر

سورة غــافر 7-8

الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8)

تبين الآية 7 أنه سبحانه محتجب عن حملة العرش فالإيمان مجاله الغيب، وحملة العرش هم الموكلون بالتدبير والتصريف في العالم من الملائكة المقربين عن أمر الله تعالى، فلله سبحانه الغيب المطلق، والحجاب ليس بأمر وجودي وإنما هو من لوازم علو كنهه الذاتي فوق كل إدراك وتصور، فليس لدي كائن ما من حيث ذاته حاسة أو ملكة يمكنها إدراكه.

وتدل عبارة

{وَمَنْ حَوْلَهُ}

على أن ثمة كائنات علوية خارجة عن نطاق العرش وإن كان لها ارتباطٌ ما به وملاحظة لما فيه والإحاطة به، فأولئك هم الأعلون الذين تجاوزوا العالم العرشي، ولكنه سبحانه له الغيب المطلق فهو محتجب عن هؤلاء المقربين أيضا.

وتبين تلك الآية أن حملة العرش لا يرون ربهم لأن مجال الإيمان هو الغيب، ولو شاء لقال: (يرونه) بدلا من قوله:

{وَيُؤْمِنُونَ بِهِ}،

وتبين الآية أن العرش ليس كما يظنه المشبهة والمجسمة وعباد الأسلاف من المغضوب عليهم، فلو كان كذلك لكان أولى الناس برؤية ربهم هم حملة عرشه.

إن حملة العرش هم المنوط بهم والموكَّل إليهم تدبير الأمر وتصريف شؤون الكون عن أمر ربهم، فهم حملة أثقال المملكة الإلهية التي تشمل كل ما هو غير وسوى، لذلك فإنهم يسألون ربهم المغفرة للتائبين ويسألون لهم من ربهم كل خير، ذلك لأن وجودهم وما يصدر عنهم من أعمال صالحة هي أمور لازمة لصلاح المملكة وبقائها.

إن تسبيح حملة العرش بحمد ربهم يشير إلى أنه مهما علت مكانة الكائن وسموه الجوهري فإنه بحاجة ماسة إلى التسبيح بحمد ربه؛ أي إلى تنزيهه عمَّا لديه من تصورات عنه، المقترن بالسعي إلى إظهار كمالاته بالعمل بمقتضى سماته.

ويلاحظ أن استغفار حملة العرش هو لمن تاب وآمن واتبع سبيل الله وليس لمطلق العصاة، ذلك لأن التوبة والإيمان واتباع سبيل الله من لوازم صلاح المملكة، فلا شفاعة ولا نجاة لمن لم يبادر بالتوبة واتباع سبيل الله في حياته الدنيا.

والآيتان تعلمان الإنسان طرق التوجه إلى الله بالدعاء:

فهناك الدعاء بذكر السمة الإلهية صراحة، وذلك مثل

{رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا}،

وفي ذلك بيان لمدى سعة كلٍّ من الرحمة والعلم، ويلاحظ أن صيغ الأسماء التي تشير إلى كل سمة منهما عديدة، حتى أنه توجد منظومة لأسماء الرحمة، وهي تتضمن الأسماء: الرَّحيم، أرحم الراحمين، خير الراحمين، ذو الرحمة، الرحمن الرحيم، الرحيم الودود، الرحيم الغفور، الغفور الرحيم، العزيز الرحيم، التواب الرحيم، الرؤوف الرحيم، البرّ الرحيم، الغني ذو الرحمة، عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيم

ومنظومة لأسماء العلم، وتتضمن الأسماء: العليم، العالم، العلام، الأعلم، العليم الحكيم، العليم الخبير، العليم القدير، العليم الحليم، الحكيم العليم، الخلاق العليم، السميع العليم، العزيز العليم، الواسع العليم، الفتاح العليم، الشاكر العليم، عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَال، عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيم، عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيم.

وهناك الدعاء باسمٍ من أسماء الله الحسنى، وهو هنا المثنى "الْعَزِيزُ الْحَكِيم"، والدعاء بهذا الاسم يكون عندما يكون المطلوب كبيرا وجليلا.

*****