حرف العين

عالم الهداية والتشريع

إن عالم الهداية والتشريع هو من مقتضيات منظومة أسماء الرحمة والهدى والإرشاد وهو يتضمن ما يلي:

  1. الكيانات الأمرية أي الكتب الحاوية على الأوامر والتعليمات التشريعية، وتلك الكتب حاوية للعلوم البدئية أو القَبْلية اللازمة لصلاح النوع الإنساني، وكذلك هي حاوية على ما ترتب على وجود الإنسان في العالم من الشرائع التي أخذت تنمو وتكتمل على مدى العصور، فمن السنن الإلهية ترتيب أحكام بناءً على التحقق الفعلي للأمور.

  2. الكائنات المنوط بها أمور الهداية والدلالة على الحق والدعوة إلى الخير من الملائكة والرسل.

والجانب الأولي من تلك الكيانات يكون محكمًا ومصاغا بلغة علوية محكمة، لذلك لابد له من التفصيل الملازم للإنزال ولابد لذلك من محلٍّ ما، والمحل اللازم هو قلب إنسانٍ اصطفاه الله وصنعه على عينه واصطنعه لنفسه وجعله آله للهداية والإرشاد وجعل إرساله رحمة لقوم معينين أو للناس أجمعين.

وهذا العالم هو قابل للاتساع لمواكبة تطور ورقي الكائنات، وهو يتعامل مع الإنسان ككائن ذي إرادة حرة واختيار فيما يتعلق بعناصره من الأوامر والسنن، فلا يمكن له بحكم طبيعته أن يكره الإنسان ولا أن يجبره، ولكن يصاحب كل عنصر من عناصره سنة كونية ترتب على الفعل الاختياري الإنساني آثاره اللازمة، هذه السنن ليست من عناصر هذا العالم، ولكنها من مقتضيات المنظومة الكلية للأسماء الحسنى.

ولله إرادة من حيث هذا العالم وردت الإشارة إليها في الآيات:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون} [المائدة:6]

{وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاَةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب:33]

فهذه الإرادة تتضمن الإرشاد والدلالة على الخير كما تعني المقصد من الأمر الشرعي، وهي تتعامل مع الإنسان ككائنٍ ذي إرادة حرة واختيار.

ولكل ذلك نُسب فعل الهدي للرسل والأنبياء، قال تعالى:

{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم} [الشورى:52]

فالرسل يهدون الناس بمعنى أنهم يرشدونهم إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم ويبينون لهم ما يتعلق به، ولكنهم لا يملكون حملهم على السير فيه، قال تعالى:

{إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين} [القصص:56]

 ومنظومة أسماء الرحمة والهدى والإرشاد هي التي تقتضي السنن التي ترتب على استجابة الإنسان للأمر الديني آثاره ونتائجه، ولكن هذه النتائج لا تتحقق إلا بفعل المنظومة الكلية للأسماء الحسنى، فهي التي تتضمن أسماء الفعل والتأثير.

ومن الأسماء التي تتضمنها هذه المنظومة:

الله، رب العالمين، الإله، الرحمن الرحيم، العليم الحكيم، الغفور الرحيم، الغفور الحليم، العليم الحليم، العفو الغفور، العزيز الحكيم، الحكيم الخبير، العليم الخبير، الوَاسِع العَلِيم، التَّوَّابُ الرَّحِيمُ.

وكل هديٍ جاء به نبي من الأنبياء هو محفوظ في العالم القدسي، يمكن لكل من جاء من بعده من الأنبياء أن يطلع عليه، وتوجد له صور في عالم الخيال، يمكن لمن توافق مع هذا العالم وتيقظت عنده المخيلة أن يتلقى منه، ولكن مشكلة عالم الخيال امتزاج الحق فيه بالباطل، ومخيلة الإنسان قلما تتحرر تحررا تاما مما تلقته واصطبغت به على مدى حياة الإنسان.

والرسل يطلعون على هدي من قبلهم، كما يعلمون كيف سرت عليهم وتحققت السنن.

*******