دائرة المعارف

حرف الباء

البرزخ والنفس

مصطلح النفس يُطلق على الكيان الإنساني كله أو النسَمَة، وهذه النفس تموت عندما يُتوفى الإنسان، وهي أيضًا يمكن أن تُقتل.

كما يُطلق هذا المصطلح أيضًا على الكِيان الإنساني الجوهري؛ أي الإنسانِ الحقيقي المخاطَبِ والمكلَّف، وهذه النفس هي كيانه الجوهري الخالد الذي لا يفنى، وهي التي تقبضها الملائكة عندما يُتوفى الإنسان، والنفس المطمئنة ترجع إلى ربها راضية مرضية، أما نفوس الصفوة المقربين فتُرفع إلى الله تعالى، ولذلك قال الرسول قبيل انتقاله: "في الرفيق الأعلى"، وقيل لعيسى عليه السلام قبيل انتقاله: "إني متوفيك ورافعك إليَّ".

فمصطلح النفس يُطلق على الإنسان بكل كياناته، وهذه النفس تموت أو تُقتل، وموتها هو تفكك كياناتها وذهاب كل كيان إلى أصله وعدم قدرتها بصفة عامة على التعامل والتفاعل مع كائنات العالم الذي كانت فيه بالطرق المألوفة، كما يُطلق هذا المصطلح أيضاً على الكيان الإنساني الجوهري، هذا الكيان لا يموت، ولكنه يذوق الموت، فبه القلب والمراكز الحقيقية للإحساس والمشاعر، هذا الكيان الجوهري ليس بمادي بالمعنى الطبيعي للمادة، وهو حالّ في عالمه الخاص اللطيف أي البرزخ حالَ كونه مرتبطا بالجسم أو غير مرتبط به.

ولكن الإنسان يتعود منذ صغره على ألا يتصل بالعالم الخارجي إلا من خلال هذا الجسم وباستعمال حواسه، وبذلك يغفل عن إمكانات نفسه، وهناك من تظل حواس نفسه على درجةٍ من اليقظة فيرى ما لا يراه الناس، وهناك من يعمل على إيقاظها بالمجاهدات والرياضات الروحانية.

والإنسان يُصبح أكثر إحساسًا بعالم النفس عند انشغاله عن حواسه بالنوم أو بأي شيء آخر.

النفس التي هي الكيان الإنساني الجوهري هي أصلا متعينة في عالمها الذي يمكن تسميته بالبرزخ لكونه برزخا بين الدنيا وبين الآخرة حتى في حال حياتها، ويشتد إحساسها به عند غيبة الجسم عن وعيه لأي سبب، وهذا العالم له إطاره الزماني المكاني الخاص به، وهو متداخل مع العالم المادي المشهود، ولكنه أوسع مدى وإحاطة منه، لذلك يمكن للنفس أن ترصد جريان زمن هذا العالم المادي وأن تشعر به دون أن تتأثر كثيرا به، ولو كانت جزءا من العالم المادي لما أمكنها إدراك مرور الزمن ومراقبته.

والقبر هو من عالم الدنيا، والجسم الذي يوضع فيه يجري عليه عادة ما يجري على المواد الدنيوية العضوية؛ فيتحللُ إلى المواد المكونةِ له أصلا، أما النفس فهي تذوق الموت، ولكنها لا تتقيد بالقبر.

وعالَم النفس المسمَّى بالبرزخ شأنه عجيب ومعقد، وعالم البرزخ لا توجد له علاقةٌ ضرورية بمفهوم المكان المألوف، وتُنقَل إليه النفوس بعد الموت أو بالأحرى يكون لإحساسها به الغلبة، فهي حالَّة بصفة دائمة فيه بحكم طبيعتها، وهو انتقال يجلّ عن التصورات والمفاهيم المستخلصة من هذا العالم الطبيعي.

والنفس في هذا العالم تكون على صورتها التي تكوَّنت في حياتها الدنيا، فالنفوس التي اكتسبت الأخلاق الجميلة تتنعم بها، أما النفوس التي اكتسبت الصفات الرديئة فتتعذب بها، فالنفس أصلا هي متعينة في هذا البرزخ حتى من قبل أن تذوق الموت، ولكنها تكون عادة في غفلة عنه لشدة انشغالها بالعالم الحسي أي بعالم الشهادة.

فالعالم الذي تتواجد فيه النفوس هو ما يُسمَّى بالبرزخ، وذلك لأنه ليس عالما تامًا بالمعنى الحقيقي، والحياة فيه كذلك إلا على سبيل الاستثناء، ذلك لأن الكائنات فيه لا تستطيع بصفة عامة أن تعبر عن نفسها أو أن تطورَها أو أن تغير منها، كما لا تستطيع التعامل بطريقة طبيعية مع الكائنات الأخرى، وخاصة كائنات عالم الشهادة، ولا تستطيع بصفة عامة أن تؤثر فيها ولا أن تطلع عليها، ولكن بعض النفوس التي تعوَّدت الانتقال إلى هذا العالم في حياتها الدنيا وتمرَّست به قد تستطيع التأثير بطريقةٍ ما على الأحياء، وقد تستطيع التفاعل مع بعضهم لوجود تجانسٍ ما.

*****

إنه بتعين وظهور النفس الإنسانية بعد النفخ من الروح المنسوب إلى الله تعالى في الكيان الجنيني فإنه يتعين لها ملكاتها الخاصة وحواسها مثل الإدراك والوعي والسمع والبصر، ولكنها بارتباطها بالجسم الذي هو مملكتها المباشرة فإنها تهمل ما هو لها من الملكات وتألف استعمال حواس الجسم، وتصبح هي نوافذها إلى العالم الخارجي، ولكن بحكم تصميم وتركيب الكيان الإنساني فإنه ينام من حين لآخر.

وعندها تكف النفس عن الانشغال بالجسم وتتحرر ولو قليلا تستطيع أن تحِلَّ في موضع تفكيرها في عالمها، أما الجسم فيبقى حيَّا بالحياة العضوية الآلية التي كانت له قبل أن يُنفخ فيه من الروح الأمري، ولكن لابد من بقاء ارتباطٍ ما للنفس به مثلما يظل السابح في البحر مثلا مشغولا بأمر ملابسه التي تركها على الشاطئ، هذا الاهتمام والانشغال هو المدد اللازم لاستمرار حياة الجسم أثناء النوم، والنفس في حركتها اللامادية بعيدًا عن الجسم لا يفصلها عنه فترة زمكانية وإنما أمر آخر لا يمكن التعبير عنه بالألفاظ العادية، لذلك فبمجرد تعرض الجسم لخطرٍ ما فإنها تكون لتوِّها عنده، أما العالم الذي يشكل مسرحا لانطلاقات النفس فهو عالم لطيف يمكن تسميته بالعالم البرزخي باعتباره فاصلا بين عالمين تامين وصلة بينهما في الوقت ذاته، وفيه يمكن أن تسبح الأفكار وتتجسم المعاني وتلطف المباني.

*****

إن الموت ليس إعدامًا للنفس التي هي الكيان الإنساني الجوهري؛ فهي خالدة، والذي يموت هو النفس الإنسانية الجامعة لشتى الكيانات، أما الذي يذوق الموت فهو النفس التي هي الكيان الجوهري، وهذا يعني لها الانقطاع الرسمي لصلتها بالجسم، وهي في حالة الموت لا تستطيع عادة التفاعل مع الكائنات الأخرى أو التأثير فيها، بل لا تستطيع تغيير حالتها هي، فعندها يعود الوعي إليها وتجد نفسها تستعمل ما غفلت عنه من حواسها.

أما النفس التي كان صاحبها لا يعلم لنفسه وجودًا وتحققا إلا هذا الجسم فستتلقى صدمة هائلة، وستظل مقيدة به إلى أن تيأس منه، أما من كان مداوماً على الأعمال التي تؤدي إلى عمى البصيرة فسيجد نفسه أعمى، وأكثر ما يؤثر على حالة الإنسان في البرزخ هو حالته التي وصل إليها كيانه النفسي.

فمن رسخ في نفسه ضرورة القيام بمجموعة من الطقوس أو العادات سيجد نفسه أسيرًا لها ويحاول محاكاتها وقد يحاول التسلط على من تآلف معه ليقوم بها من خلاله.

وكذلك من كان لديه تفوق في أحد الأمور كالطب أو الأدب أو الشعر أو الفن قد يتمادى فيما كان عليه فيحاول أن يمارسه من خلال من تآلف معه من البشر الأحياء.

ومن أدمن اقتراف نوعٍ ما من المعاصي حتى فني فيها سيكون بمثابة شيطان جزئي يحاول أن يحرض من تآلف معه على اقترافها أما من أدمن الكفر والفسوق والعصيان فقد يمارس عمل الشياطين الكلية.

وأكثر الناس إحساسًا بما في عالم البرزخ من نمت وتعملقت مخيلاتهم أثناء الحياة الدنيا، ولكن أكثر الناس ممن لم يرسخ فيه الاعتقاد بأنهم أعلى وأرقى من أن يكونوا مجرد جسم وعاشوا الحياة العادية فسيكونون في شبه غفلة أو نوم.

أما الشهيد الحقيقي فسيجد أنه مازال حيا، وسيعوض بجسمٍ أشد رقيًّا ولطفًا يجعله يتحرك كالطائر، وقد يجد من يستطيع التأثير فيه فيعمل من خلاله، والشهيد الحقيقي هو من بلغ هذه المرتبة من مراتب من أنعم الله عليهم وأصبحت شهادته معتمدة وذات مصداقية، ويُلحقُ به المقتولُ في سبيل الله تعالى، ومثل هذا قد يُشاهد في المعارك بين الكفر وبين الإيمان محرضا المؤمنين على القتال ومقويا من عزمهم.

أما الصديق الصالح فسيحظى بحياة حقيقية تجعله يظن أنه لم يكن من قبل حيا.

وعند النفخ في الصور تُصعق -بصفة عامة- النفوس مع من في السماوات ومن في الأرض ولكن عند النفخة الثانية يتم الاقتران بين النفوس وبين أجسادها التي سيتم إعادة إنشائها من جديد بكيفية لم يسبق لها مثيل، وعندها ستكون كل نفس بمثابة من استيقظ من النوم، فمنهم من لا يذكر شيئاً من أحواله هناك، ومنهم من سيتذكر أمور البرزخ كأحلام أو رؤى، وبالطبع سيظنون أنهم ما لبثوا في مرقدهم إلا زمنا يسيرا لاختلاف الإدراك الزمني عما هو معتاد.

واللذان بينهما برزخ لا يبغيان هما عالمُ الدنيا وعالم الآخرة، أما وجودُ عالم البرزخ -وهو عالم ليس بتام- فهو ثابت بما لا يُحصى عدده من التجارب، وكون الساعة لا تأتي إلا بغتة هو أمر ثابت لا علاقة له بوجود عالم البرزخ من عدمه، وعند تَوفِّي النفس أثناء النوم –وهو أمر ثابت- يتيقظُ إحساسها بعالم البرزخ، وقد تتلقى من هناك أنباءً وعلماً ببعض الأمور، وهذا أمر ثابت بما لا يُحصى عدده من التجارب والاختبارات، بل إن بعض العلماء وصلوا إلى حلول لمعضلات علمية والشعراء ألفوا القصائد المطولة لاتصالهم بهذا العالم وتلقيهم منه أثناء النوم، وهذه أمور معروفة، ويوجد ديوان شعري ضخم أملاه أميرُ الشعراء المصري أحمد شوقي بعد أن توفي على امرأةٍ مصرية مسيحية شبه أمية ولا تعرف العربية الفصحى، وهو مطبوع ومنشور. 

*****

قال تعالى:

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آَيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93) وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (94)} الأنعام

بمجرد أن يكون الظالم فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ يرى الملائكة يبشرونه بالعذاب الذي سيذوقه لتوِّه وفي يومه، وبمجرد استيفاء النفس وهي الإنسان الحقيقي من الجسم يكون قد ترك كل ما كان مخولا أو مستخلفا فيه بما في ذلك جسمه وأتى ربه فردا، وبالطبع لن يكون معه من أشرك بهم واتخذهم شفعاء من دون الله، وما سيلقاه من عذاب يبدأ في يومه هذا هو النتيجة الطبيعية لاقترافه ألوان الظلم، وأبشع أنواع الظلم ما يقترفه في حق ربه وخالقه، ومنها تلك المذكورة في الآيات مثل أن يدعي كذبا أنه يتلقى الوحي من ربه أو أنه سَيُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ، وهذا من معاني الحساب ومن مقتضيات أن الله سريع الحساب، فالحساب هو ترتيب النتيجة على السبب بمقتضى السنن الإلهية، وكلما اقترف الإنسان معصية أو إثما كلما تعينت آثار ضارة بسبب ذلك طبقا للسنن، هذه الآثار ترتد على المقترف، ويكون أثرها عليه متناسبا في الاتساع والعمق مع ما اقترفه.

*****

القبر المعلوم هو من عالم الدنيا، وكذلك جسم الإنسان، فما يجري على الجسم هو ما يجري على كل الأجسام الأرضية.

والقرءان الكريم هو المصدر الأوحد للغيب الذي يجب الإيمان به، ولم يرد فيه أي شيء عن عذاب حسي يتم إنزاله بالجسم أو عن حساب رهيب للإنسان في قبره.

أما عالم البرزخ، وهو عالم النفس الإنسانية الحقيقية، فهو أمرٌ آخر تماما، والإنسان بمجرد أن يُتوفَّى يجد نفسه في هذا العالم.

ولكن المشكلة هي أن منكري عذاب أو نعيم القبر يعتقدون في الحقيقة إما بفناء النفس بالموت وإما بأنها ستكون شبه معدومة، وهذا غير صحيح، فالنفس التي هي الكيان الإنساني الجوهري إنما تذوق الموت كما تذوق عن طريق الجسم كل ما هو قابل للتذوق من كيانات مادية أو أمور معنوية مثل الطعام أو الشراب أو الألم أو الفرح، فالنفس، الكيان الإنساني الجوهري، تذوق الموت كما تذوق النوم مثلا، بيد أن النفس بالموت تكون على درجة عالية من الوعي، إذ يُكشف عنها الغطاء وتتحرر من أسر الجسم، ولكونها كذلك، فهي تكون في حالة من النعيم أو العذاب مناسبة لها، هذه الحالة هي بسبب الحالة التي آلت إليها النفس، وبسبب آثار أعمالها.

والعالم الذي تكون فيه النفوس يمكن أن يُسمَّى بأي اسم من الأسماء، فليست هذه هي المشكلة.

وأكثر الناس تدخل نفوسهم في حالة سكون بعد فترة ما، ولا يبقى متيقظا إلا قلة، وهذه مزية، ولا تقتضي بالضرورة الأفضلية.

وبمجرد عودة النفس إلى جسمها تشعر بشعور من استيقظ من نومه، ويذهب كل ما عانته أو ذاقته أو مرت به في عالم البرزخ كحلم مضى بمثل ما ذهبت الدنيا بالنسبة للبرزخ من قبل كحلم مضى، وعالم البرزخ هو عالم حقيقي بالنسبة للنفس المتحررة من جسمها، وله إطاره الزمني الخاص، ولا عجب في ذلك، فكل الأكوان والعوالم نسبية.

*****

كلمة "النفس" تُطلق على أمور متعددة، منها النسمة، أي الإنسان كله، ومنها النفس الحقيقية، والنفس الحقيقية هي الكيان الجوهري للإنسان والذي يتضمن كل لطائف الكيان الإنساني وبرامجه وأسباب وجوده، والموت ليس إعداما لها، وليس فيه أي قضاء على مشاعرها أو أحاسيسها الخاصة بها، وهي تذوق الموت كأي محنة أخرى تعرضت لها في حياتها الدنيا، أو كما تذوق النوم.

وهي بالموت تُعزَل عن التصرف بالجسم مملكتِها الحميمةِ السابقة، ويعزّ عليها بالطبع بدءُ تدهورِه وانحلاله، وهي بالموت ينتقلُ إحساسُها إلى عالم البرزخ، وهو رغم أنه عالم غير تام مثل الدنيا أو الآخرة إلا أنه واقعي تماما وحقيقي بالنسبة لها، وهناك يشتد إحساسها بالأمور المعنوية وغير المادية بعد أن انعزلت عن الجسم الطيني الذي كان يخفف من شدتها أو يحجبُها.

ومثلما كان يحدث للإنسان النائم عندما يكون هناك خطر عليه فيتمثل له في منامه أشياء مرعبه لحمله على الاستيقاظ تتألف مما يختزنه عقله الباطن فإنه كلما أحست النفس بآثار أعمالها السابقة تتجسم لها من مخزوناتها أشياء واقعية بالنسبة لها تعبر عنها، فتتجسم آثار إقامة الصلاة كصور إنسانية محببة ومطمئنة، وتتمثل آثار الشح والبخل في صور ثعابين مرعبة تأخذ بخناق النفس، ويتمثل إنكار الحقائق العلوية في صور كائنات رهيبة مخيفة! وغربة ووحشة مرعبة.

*******

والشهداء الحقيقيون (الذين تحققوا بمرتبة الشهادة) أحياء عند ربهم يُرزقون، هذا رغم أن أجسادهم أو بقاياها مدفونة في التراب، ومحلهم هو ما يمكن تسميته بعالم البرزخ، وهو عالم له إطاره الزماني المكاني الخاص به، وهو متداخل مع هذا العالم المادي الطبيعي المشهود، والإنسان الحقيقي هو النفس، وحياة الشهداء تعني استمرارَ قدرة نفوسهم على تقبل الرزق المادي (بالنسبة إليهم) والمعنوي والتقدم والرقي، وكذلك القدرةَ على الاتصال بمن لديه ملكات استقبال متيقظة من الناس.

قال تعالى:

{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171)} آل عمران

فهذا نصٌّ قطعي الدلالة على أن الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ أثناء حياة أناس آخرين لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ، فهم في جنتهم البرزخية يستحثون المؤمنين على اللحاق بهم، وذلك بالطبع قبل اليوم الآخر.

وقال عن مؤمن سورة يس:

{وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ (28) إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29)} يس

فمن الواضح تماما أنه دخل الجنة بمجرد موته وقبل أن ينزل العذاب بقومه، وتمنيه أن يعلموا شيئا عن حالته هو بالطبع، وهم مازالوا في هذه الدنيا قبل أن تأخذهم الصيحة، وقبل اليوم الآخر بالطبع.

وقال تعالى:

{فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (87) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (89) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (95) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (96)} الواقعة

فاستعمال حرف العطف الفاء هاهنا وفي الأحوال الثلاث الممكنة يبين أن الكلام هو عما سيحدث بمجرد حضور اليقين (الموت).

*****

يجب العلم بما يلي بخصوص النفس (الكيان الإنساني الجوهري):

النفس أجلّ من أن تكوم كيانا ماديا، هي مكونة من طبقات أعلاها وأسماها وألطفها هو القلب.

النفس بصفة عامة لا تتكون إلا في جسم، ولكنها بمجرد تكونها يمكنها الحياة بدونه.

النفس ليست جزءًا ماديا من الجسم لتنفصل عنه انفصالا ماديا، وهي لا تتقيد بالمكان إلا لارتباطها بالجسم.

النفس بحكم كنهها متعينة في عالمها حتى في حالة ارتباطها بالجسم ويقظتها، هذا العالم مختلف من حيث الأبعاد وكنه هذه الأبعاد عن العالم المادي الظاهر.

هذه النفس تٌتوفى عند النوم، ولكن صلتها لا تنقطع به، بل يبقى هناك حبل اتصال بينها وبينه، هو من نفس كنهها.

الموت هو عملية عزل تام للنفس عن التصرف في الجسم وقطع للصلة بينها وبينه، وهي تأخذ معها كل ما هو ليس من هذا العالم المادي الظاهر، ومن ينكر الحياة من بعد الموت سيكونون أشد الناس تحيرا وأقلهم استعدادا لمواجهة مثل هذا الاختبار.

*******

قال تعالى:

{النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَاب} [غافر:46]

هذه الآية تشير إلى عذاب آل فرعون في عالم البرزخ، فالنار تلوح لأنفسهم فيتعذبون بذلك عذابا دون العذاب الأكبر والأشد، والذي سيكون بعد إعادة اتصال نفوسهم بأجسامهم، والقول "غُدُوًّا وَعَشِيًّا" يشير إلى وجود الزمن في عالم البرزخ، وإن كان يختلف من حيث الكنه والأبعاد عن زمن هذا العالم المشهود، فلا يوجد عالم مخلوق إلا ومعه إطاره الزمكاني.

وهذا الأمر ليس خاصا بآل فرعون فقط، فكل النفوس محكومة بنفس السنن التي لا تبديل لها ولا تحويل، والنص على ما سيحدث لآل فرعون لا ينفي ما سيحدث لمن هم أمثالهم أو أشد كفرا وعتيا.

وبالمثل، فالنص على حياة المقتولين في سبيل الله تعالى لا ينفي حياة من هم خير منهم من النبيين والصديقين، ولكن كان المقصود تأكيد حياتهم الحقيقية وإعلام الناس به.

أما موضوع القبر فكل المقصود به أحوال النفس بعد الموت مباشرة، والنفس لا تنعدم بالموت، وإنما تكون على الحالة التي استحقتها إما برقيها وعملها الصالح وإما بتسفلها وأعمالها الخبيثة، فليس الأمر أمر عذاب فقط، هذا أصل المرويات التي تتحدث عن أحوال الناس بعد الموت، والنفس لا تتقيد بالقبر، بل تكون في عالمها الخاص، وإن كانت تظل مشغولة بجسمها القديم العزيز عليها إلى أن تيأس من أمره.

في العالم البرزخي تتنعم النفس أو تتعذب وفق ما لصق بها من صفات وآثار الأفعال، لذلك فالمعول في هذا العالم هو على حسن الخلق وسلامة الطوية والسمات الفردية وآثار التزكية والتريض الروحاني، لذلك يُعذَّب الإنسان مثلا بشحِّه وبخله وولعه بالدنايا وينعَّم بجوده وكرمه وأريحيته وصفاء نفسه.

أما في الدار الآخرة فالإنسان محاسب على كل مثقال ذرة من عقيدة أو عمل وهو يجني ثمار كل أعماله المؤثرة على الآخرين.

والبعث هو إعادة ارتباط النفس بالجسم بعد أن أصبح مهيأً لقبولها، بهذا الارتباط تشعر النفس وكأنها استيقظت من حلم، وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون، والناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا وكُشَف عنهم غطاء الجسم، أي لم تعد مقيدة باستعمال آلاته، أما موضوع القبر فكل المقصود به أحوال النفس بعد الموت مباشرة، والنفس لا تنعدم بالموت، وإنما تكون على الحالة التي استحقتها إما برقيها وعملها الصالح وإما بتسفلها وأعمالها الخبيثة، فليس الأمر أمر عذاب فقط، هذا أصل المرويات التي تتحدث عن أحوال الناس بعد الموت، والنفس لا تتقيد بالقبر، بل تكون في عالمها الخاص، والذي يقيد بعض الأنفس بالقبر هو جهلها على المستوى العرفاني، فهي لا تعلم نفسها إلا هذا الجسم، فأكثر الأنفس -مثل أنفس منكري عالم الغيب- ستظل مشغولة بجسمها القديم العزيز عليها إلى أن تيأس من أمره.

أما الشهداء فأنفسهم تكون شديدة اليقظة، فهم أحياء عند ربهم يُرزقون، فحياة الشهداء ومن هم أعلى منهم مرتبة عند ربهم هي حجة على من كفر ببقاء النفوس في عالم البرزخ، والذي هو فرع من كفرهم الكامن بعالم الغيب.

*****

قال تعالى:

{اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون} [الزمر:42]

وهذه الآية تشير إلى وجود هذا العالم الذي اصطلح على تسميته بعالم البرزخ، فعملية استيفاء النفس في المنام وعند الموت واحدة، بيد أنها مؤقتة عند المنام نهائية حين الموت، وفي كلتا الحالتين لا تنعدم النفس، وإنما يتوقف تعاملها مع عالم الشهادة من خلال الجسم، والنفس بهذا الاستيفاء تذهب إلى عالمها المسمى بعالم البرزخ، والذي هو متداخل مع هذا العالم المادي الظاهر، وإنما الاختلاف هو في عدد الأبعاد المستقلة، وفي طبيعة هذه الأبعاد In the number & the nature of the independent dimensions.

والآية تقول

{إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون}،

فلن يدرك آيات هذا العالم الغامض إلا من تيقظت لديه ملكة الفكر بطول استعمالها؛ أي بالتفكر.

والله تعالى يقول أيضا:

{وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون} [الأنعام:60]

والآيتان معًا تثبتان أن النفس هي الكيان الجوهري الحقيقي المخاطب والمكلف والمسئول، وهي التي تُستوفى عند المنام بالليل مؤقتا وعند الموت بصفة دائمة.

*****

يوجد في عالم البرزخ للمقربين رَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ، ولأصحاب اليمين سَلَامٌ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، أما الضالون المكذبون فلهم نُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ، فالشجاع الأقرع ليس شيئا بالنسبة للويلات التي سيراها المكذبون الضالون المجرمون في عالم البرزخ، وأحوال عالم البرزخ هي كالنتيجة لسبب كما يترتب العطش على نقص الماء والشبع على تناول الطعام، ولا حجة لمن يقول بأنه لا عذاب إلا بعد الحساب، وذلك لما يلي:

هو لا يعلم ماذا يعني الحساب.

حتى وفقًا لمفهومه عن الحساب فإن الإنسان يُنعم ويُعذب في الدنيا بدون هذا الحساب!

*****

ينكر كل المجتهدين الجدد ما يسمونه بعذاب القبر، وكما سبق القول: القرءان الكريم هو المصدر الأوحد للغيب الذي يجب الإيمان به، ولم يرد فيه أي شيء عن عذاب حسي يتم إنزاله بالجسم أو عن حساب رهيب للإنسان في قبره، فلا يوجد عذاب بالمعنى الحسي يتم إنزاله بالإنسان كجسم.

ولكن المجتهدين الجدد يريدون بنفيهم وجود عذاب القبر إنكار جانب كبير من الغيب المتعلق بالإنسان من بعد أن يُتوفَّى إلى أن يُبعث!

والحقّ أن النفس من بعد أن تذوق الموت تجد نفسها في عالم يمكن تسميته اختياريا بعالم البرزخ، وهو أصلًا عالمها الحقيقي الذي تتعين فيه.

وفي هذا العالم تتفاوت أحوال الناس فيه بين درجات متعددة من نعيمٍ وعذابٍ وغفلةٍ تامة وحياةٍ تكاد تكون حسية، وكلها نتائج مترتبة على حالة كياناتهم الجوهرية وآثار أعمالهم السابقة ترتب النتيجة على السبب.

فبتحرر النفس من الانشغال التام بالجسم الذي كان يعمل كشبه مخدر لحواسها الحقيقية يشتد إحساسها بالمعاني والكيانات اللطيفة، والتي هي مترتبة على أعمالها السابقة، وبها تتنعم أو تتعذب.

وعلى سبيل المثال قد يقترف إنسانٌ ما إثما كبيرا، وكلما تذكره في حياته الدنيا يشعر بندم شديد يتعذب به، ولكنه سرعان ما ينشغل عنه بمقتضيات جسمه ومتطلبات الحياة الدنيا.

ولكن بالتحرر من الجسم ومقتضياته، ومنها متطلبات الحياة الدنيا، ينقلب الندم إلى عذاب حسي شديد، وقد يتمثل للإنسان في صورة مرعبة خانقة.

وفي كل الأحوال تدخل أكثر النفوس في حالة سكون بعد فترة تختلف من نفس للأخرى، ولا يظل يقظا إلا قلة، وهذه مزية لا تقتضي بالضرورة الأفضلية.

وكل ما هو من دون الله تعالى مقيد بإطاره الزمكاني، ولله وحده الإحاطة بكل العالمين وبإطاراتهم الزمكانية، وما نسميه بالبرزخ هو عالم النفوس؛ أي هو العالم التي تعيش فيه النفوس بالفعل، ولكنها تكون في غفلة عنه لشدة تعلقها بالجسم والنظر إلى العالم من خلاله، فلا ترى إلا في نطاق حواسه، ولكن يتيقظ إحساسها به بالنوم مثلا، وعالم البرزخ هو بالنسبة للنفس عالم حقيقي، وله إطاره الزمكاني مثل كل العوالم، فلا يوجد عالم إلا وهو معلق بإطاره الزمكاني، والكائن الأوحد الذي لا يتقيد بالزمن هو الله تعالى، وهو خالق العوالم بإطاراتها الزمكانية وله الإحاطة التامة بها، ولا علاقة للجسم بعالم البرزخ؛ فالجسم من العالم المادي الطبيعي.

*******

يوجد نعيم وعذاب في البرزخ، فالنفس الإنسانية تُستوفى ولا تفنى، وهي بعد التحرر من أسر الجسم ترى المعاني كما ترى المباني!

فالنفس ككيان لطيف، إذا تحررت من الارتباط بالجسم، ترى الحب والكره والبخل والنفاق ... الخ كما ترى الشجر والنار والناس مثلا.

فالمعاني كيانات حقيقية لطيفة، والنفس الإنسانية ترى المشاعر والمعاني كما ترى المباني، ولكنها تراها عادة من حيث المخيلة التي تلبسها ثوبا مما هو مختزن فيها من الصور المناسبة لها واللائقة بها، فهذا أمر ذاتي يختلف من إنسان لآخر.

وكلما ارتقت النفس كلما تمكنت من إدراك المعاني في حقائقها الأصلية.

ففي البرزخ يمكن أن يتمثل العلم باللبن الصافي للزومه لنمو الكيان الجوهري، ويتمثل الحرص والبخل بثعبان، ويتمثل الظلم بظلام.

ومن ينكرون هذه الأمور إنما يقيمون الحجج على أنفسهم من واقع حياتهم، ويظلون ملتصقون بالصور الخشنة للكائنات غافلين عن الحقائق الراقية السامية.

*******

يئس الكفار والمجتهدون الجدد من أصحاب القبور، واعتبروهم هم والعدم سواء، وهم مصرون على تجاهل أن توفِّي النفس يعني استيفاءها كاملة دون أي إعدام لها أو انتقاص منها، فالنفس -التي هي الكيان الجوهري- تذوق الموت مثلما تذوق المرض أو الألم لأي سبب آخر، والنفس عند الموت يتم استيفاؤها أيضا، وتصبح أشد إحساسا بعالمها الحقيقي وهو العالم البرزخي الذي هي متعينة فيه أصلا، ولكنها لا تفنى أثناء النوم بمثل ما أنها لا تفنى في العالم البرزخي الفاصل بين عالمي الدنيا والآخرة، هذا العالم الذي له إطاره الزمني المختلف.

والفرق بين النوم وبين الموت أن النفس بالنوم تظل على صلة بجسمها، وتكون على استعداد للعودة الفورية إليه لأي سبب من الأسباب.

وينكر بعضهم عالم البرزخ كلية بحجة اسمه، ولا علاقة للاسم بالموضوع، يمكن تسميته بأي اسم آخر، وينكرونه بالقول بأنه لا عذاب إلا بعد الحساب، والحق هو أن نعيم وعذاب البرزخ ليس إلا كالنتيجة للسبب، كالشبع لمن تناول الطعام أو كالجوع لمن امتنع عن تناوله، وهم يرون أن الإنسان يُنعم ويُعذب في الدنيا بدون حساب، وقد يتشاغل الإنسان في الدنيا عن الجوع مثلا بأي أمر آخر، ولكن النفس في البرزخ لا تملك ترف التشاغل عن حالة محيطة بها بسبب سوء ما اكتسبته من الصفات وآثار الأعمال، وقد يرى الإنسان في منامه كابوسا مروعا يتمنى الخلاص منه بأية وسيلة، ويتحقق له ذلك بالاستيقاظ، ولكن النفس لا تملك هذا الحق أو القدرة على ذلك بعد الموت.

وكذلك قد ينكب الإنسان على ممارسة معصية ما في مرحلة من حياته ثم بعد تقدمه في السن وزيادة علمه يدرك مدى بشاعة ما كان عليه فيمزقه الندم، ويتمنى أن ينسى كل هذا، وقد يستطيع أن ينسى بالتناسي، ولكنه لا يستطيع ذلك بعد الموت وانكشاف الغطاء.

والنفس ككيان لطيف تصبح أعظم إدراكا وإحساسا بما يلتصق بها من صفات وآثار الأعمال والمعاني، فهي تدرك كل ذلك وتشعر به بذاتها وحواسها الخاصة دون التقيد بحواس الجسم المحدودة.

أما البعث فهو عودة النفس للاتصال بالجسم بعد استوائه من جديد، وكما تنسى النفس أكثر ما عاينته في النوم بالاستيقاظ فإن أكثر النفوس، وخاصة نفوس الكفار تنسى أكثر أو كل ما عاينته في البرزخ بمجرد البعث.

وكل نعيم الآخرة أو عذابها هو تحقيق وتجسيد لآثار الأعمال الاختيارية في الدنيا، فيتجسم التسبيح مثلا ليكون أشجارا جميلة وارفة الظلال، ويتجسم التسبيح بالحمد ليكون أشجارا ذات ثمار، وتتجسم الصلاة لتكون بمثابة حور عين، وتتجسم آثار الأعمال الصالحة من أذواق وعلوم ومشاعر مثل التقوى والحب في صورة أَنْهَار مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آَسِنٍ وَأَنْهَار مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَار مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَار مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى.

*******

س: هل هناك حساب قبل يوم القيامة؟

ج: نعم، أنت محاسب على كل ما يصدر عنك باختيارك حتى في حياتك الدنيا، هذا من مقتضيات السنن الكونية التي هي من مقتضيات الأسماء الإلهية، ومنها أن الله سريع الحساب، وأنه سريع العقاب.

فكل فعل يصدر عنك له أثره المباشر على كيانك بمقتضى السنن، فحسابك عاجل، ولابد له من أثر على الكيان الجوهري.

أما الظهور الخارجي لأثر الحساب فهو محكوم أيضًا بالسنن، فقد يُرجأ النظر في أمرك مراعاة للمقاصد الوجودية، لذلك قد يُقتص من الظالم في الدنيا، وقد يُرجأ البت في أمره إلى يوم الفصل، يوم الجزاء الأوفى.

فالأمر في الدنيا هو نتائج تترتب على أسباب، فكما تجوع إذا حُرمت من الطعام يتألم كيانك بإعراضك عن ذكر الرحمن.

فيوم القيامة هو يوم الفصل ويوم الجزاء الأوفى.

جزاء الإنسان المفرد قد يتحقق في الدنيا، وقد يُرجأ إلى الآخرة.

جزاء الكيان الكبير (الأمة مثلًا) يكون في هذه الدنيا، وهو لا يلحق بالضرورة بالقرن الذي صدر عنه الفعل الموجب للجزاء بل بكل قرن يعتبر نفسه امتدادًا لهذا الكيان.

لذلك خوطب بنو إسرائيل في العصر النبوي على أنهم قتلة أنبياء، وأوخذوا بذلك.

كما يُعذَّب من يعتبرون أنفسهم امتدادا للأعراب والأمويين، أهل البغي والمنافقين والمجرمين، بآثار أعمال هؤلاء.

*******

بالنسبة لأحوال البرزخ:

النفس التي هي الكيان الإنساني الجوهري لا تفنى، وإنما تذوق الموت كما تذوق الألم أو الحسرة أو أي مشاعر أخرى.

أحوال النفس في البرزخ هي النتيجة الطبيعية لما اكتسبته النفس من صورة نتيجة سعيها طوال ارتباطها بالجسم.

البرزخ عالم حقيقي بالنسبة للنفس، وهي أصلا متعينة فيه في هذه الحياة.

النعيم يترتب على حالة النفس الحسنة كما يترتب الشبع على الأكل.

العذاب يترتب على حالة النفس السيئة كما يترتب العطش على فقد الماء.

البعث بالنسبة للنفس كاليقظة بالنسبة لها في عالم الدنيا، فقد ينسيها الهول الماثل الهول القديم.

*****

عالم البرزخ والبعث

لا علاقة للقبر بحياة الإنسان في عالم البرزخ، كل ما في الأمر أن نفس الإنسان قد تبقى لبعض الوقت متعلقة بجسمها إلى أن تيأس منه.

 ولكن المقصود هو أحوال النفس من بعد الموت مباشرة فصاعدا، والنفس الجوهرية تذوق الموت كما تذوق أي أمرٍ آخر، وهي تكون واعية بما يحدث لها، ونفوس الَّذِينَ كَفَرُواْ مثلا تكون واعية والْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ، والنفس لا تنعدم بالموت، وإنما تكون على الحالة التي استحقتها إما برقيها وعملها الصالح وإما بتسفلها وأعمالها الخبيثة، فليس الأمر أمر عذاب فقط، هذا أصل المرويات التي تتحدث عن أحوال الناس بعد الموت، والنفس لا تتقيد بالقبر، بل تكون في عالمها الخاص، والذي يمكن تسميته بالعالم البرزخي، وإن كانت تظل مشغولة بجسمها القديم العزيز عليها إلى أن تيأس من أمره.

ولهذا الزمن أبعاده الخاصة، لذلك فالإحساس بالزمن مختلف فيه تماما، وعند إحياء الإنسان بإعادة تزويج نفسه بجسمه يشعر وكأنه استيقظ من حلم جميل أو من كابوس رهيب، وبالطبع يكون إحساسه بالزمن مختلفا تماما، ويظن أكثرهم أنهم ما لبثوا إلا يوما أو بعض يوم، بينما يدرك أهل العلم حقيقة الأمر.

وبالطبع فإن هو البعث وعدم معرفة الكفار بحقيقة الأمر ينسيهم كل شيء.

ومن يعاني من كابوس رهيب يظن في نومه أن وقتا طويلا قد مضى عليه، ومن المعلوم أن كل ذلك بالزمن العادي لم يستغرق إلا أجزاء من الثانية، وبمجرد الاستيقاظ قد ينسى أكثر التفاصيل.

فالبعث هو إعادة ارتباط النفس بالجسم بعد أن أصبح مهيأً لقبولها، بهذا الارتباط تشعر النفس وكأنها استيقظت من حلم، وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُون، والناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا وكُشَف عنهم غطاء الجسم، أي لم تعد مقيدة باستعمال آلاته، أما موضوع القبر فكل المقصود به أحوال النفس بعد الموت مباشرة، والنفس لا تنعدم بالموت، وإنما تكون على الحالة التي استحقتها إما برقيها وعملها الصالح وإما بتسفلها وأعمالها الخبيثة، فليس الأمر أمر عذاب فقط، هذا أصل المرويات التي تتحدث عن أحوال الناس بعد الموت، والنفس لا تتقيد بالقبر، بل تكون في عالمها الخاص، وأكثر الأنفس –مثل أنفس منكري عالم الغيب- ستظل مشغولة بجسمها القديم العزيز عليها إلى أن تيأس من أمره، أما الشهداء فأنفسهم تكون شديدة اليقظة، فهم أحياء عند ربهم يُرزقون، فحياة الشهداء ومن هم أعلى منهم مرتبة عند ربهم هي حجة على من كفر ببقاء النفوس في عالم البرزخ، والذي هو فرع من كفرهم الكامن بعالم الغيب.

*****

إن النفس من بعد انطلاقها أو فك اشتباكها مع الجسم ينصرف توجهها إلى عالمها الحقيقي الذي كانت في غفلة عنه، وهي تتعامل فيه بما هو لها من حواس أصلية، وموتها هو عدم قدرتها على التعامل الطبيعي مع عالم الشهادة، وأكثر من كانوا في غفلة في حياتهم الدنيا يكونون أشبه بالنائمين، والنفس تظل –مع استثناءات نادرة- محتفظة بنفس الصورة الجوهرية التي اكتسبتها في حياتها الدنيا، وهي لا تتغير إلا بسبب آثار أعمال كبرى أو ذات مردود مستمر، ويوجد بلا شك نعيم وعذاب في عالمها الذي يُسمى بالبرزخ، والتسمية ليست إجبارية.

وعودة ارتباط النفس بالجسم بعد إنشائه يجعلها من جديد تدرك الأشياء وفق عالم الشهادة، ويصبح شعورها هو شعور من استيقظ من نومه، ومن يوقظه أمر مذهل ينسى عادة ما رآه في منامه.

إن إنكار أمور البرزخ هو في الحقيقة فرع من إنكار اليوم الآخر واستبعاد ما ورد عنه، وهو فرع من كفرٍ خفي بعالم الغيب، وكل إنسان هو على نفسه بصيرة.

*******

1

1.png