سورة الفاتحة

سورة الفاتحة 1 أ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ {1}

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ بدأ كل شيء، وكان كل شيء، وبه تبدأ هذه الرسالة الكاملة التامة إلى الناس كافة من رب العالمين، وبها يبدأ هذا الكتاب الملزم للناس أجمعين، وهذه الآية الجليلة هي بمثابة التوقيع الإلهي الذي يؤكد أن هذا الكتاب منزل من عند رب العالمين، وهذه الآية هي أيضا بمثابة السياج أو السور الذي يحفظ النص المقدس من التبديل أو التغيير أو التحريف أو التزوير أو الإضافة أو الحذف، فهي علامة مميزة للرسالة الخاتمة؛ بها انفردت وتميزت.

والاسم الذي بدأ به الأمر هو الاسم الوجودي "الرَّحْمن الرَّحِيمِ" الذي يشير إليه هذا الاسم اللفظي، وذلك الاسم الوجودي هو الذات الإلهية باعتبار السمة العظمى التي يتضمنها المثنى "الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ".

وبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قد بدأ هذا الكتاب وبدأ أيضًا هذا العالم الذي يحيا فيه الإنسان، وكون هذا العالم هو مجال فعل الاسم الإلهي العظيم "الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ" يتضمن بشرى مؤكدة، فالاسم الرحمن هو هاهنا –من الناحية اللغوية- اسم فاعل معنوي مؤكد (صفة مشبهة) يعبر عن اللزوم الذاتي لسمة الرحمة الإلهية الواجبة، والاسم الرحيم هو اسم فاعل فاعلي ومعنوي مؤكد (صيغة مبالغة وصفة مشبهة) له الفعل "رحِم، يرحم"، واسم معناه الرحمة، فهذا الاسم يشير إلى سمة الرحمة الخالصة المتضاعفة.

والرحمة من السمات التي نسبها الله تعالى لنفسه بطريقة صريحة مباشرة في أسماء هي: ذو الرحمة، الغفور ذو الرحمة، الغنيّ ذو الرحمة.

وكذلك نسبها إلى نفسه في آيات، منها:

{... وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُون} [الأعراف:156]، {..... وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم} [البقرة:105]، {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم} [آل عمران:74]، {.... وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلا} [النساء:83]، {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُون} [يونس:58]، {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيم} [النور:10]، {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّه رَؤُوفٌ رَحِيم} [النور:20]، {وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون} [القصص:73]، {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُون} [الزمر:38]، {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيد}[الشورى:28]

ومن دعاء حملة العرش ما جاء في الآية:

{الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيم} [غافر:7]

فالرحمة من السمات الإلهية العظمى، ولذلك تم التأكيد مرارا وتكرارا في القرءان على أن سمة الرسالة العظمى هي الرحمة، قال تعالى:

{أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ}الأنعام157، {وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}الأعراف52، {وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُواْ لَوْلاَ اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يِوحَى إِلَيَّ مِن رَّبِّي هَـذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }الأعراف203، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ}يونس57، {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}يوسف111، {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}النحل64، {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَـؤُلاء وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ }النحل89، {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقرءان مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَاراً }الإسراء82، {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ }الأنبياء107، {إِنَّ هَذَا الْقرءان يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ{76} وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ{77} النمل، {وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِّلْكَافِرِينَ }القصص86، {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }العنكبوت51، تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ{2} هُدًى وَرَحْمَةً لِّلْمُحْسِنِينَ{3} لقمان، {وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ{2} إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ{3} فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ{4} أَمْراً مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ{5} رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ{6} الدخان، {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ{18} إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيئاً وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ{19} هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمِ يُوقِنُونَ{20} الجاثية.

والرسول نفسه أُرسِل رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين قال تعالى:

{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِين} [الأنبياء:107]، {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6)} الدخان.

والرحمة معنى أولي بسيط غير قابل للاختزال أو التبسيط، وهي السمة التي اقتضت كل منظومات الصلات بين الله تعالى وبين كل ما هو من دونه، وكذلك الصلات بين مخلوقاته، وهي التي اقتضت كل الأوامر الدينية التي يترتب عليها إقامة ودعم وترسيخ هذه الصلات، ولذلك كان من يعمل بمقتضاها أقرب إلى ربه ومن المسلمين، أما من عمل على قطعها فهو من المجرمين.

ومن تفاصيل الرحمة الرفق واللطف والإحسان والهدي والإمداد بالنعم، والإعانة وكشف الضرّ، فكل هذه الأمور تصل إلى من يرحمه الله عن طريق الصلات التي هي تمثلات الرحمة، والآيات التي سبق ذكرها تبين معنى الرحمة بمقتضياتها ولوازمها.

ولذلك أيضًا كان من سمات دين الحق الماثل في القرءان الكريم أنه لا حرج فيه وأنه يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ وأنه لا يسمح لأحد بالاتجار به ولا بالتكسب به ولا بالعلوِّ على الناس باسمه ولا يسمح لأحد باستعباد الناس ولا باستغلالهم لتحقيق مآربه الخاصة.

كما أنه الدين الذي يتسم معتنقوه بالرحمة تجاه كل البشر وتجاه كل الكائنات الأخرى، فهو الدين الذي يأبى القسوة والغلظة والفظاظة وسوء الخلق والوحشية والهمجية.

والمطلوب من المسلم أن يجاهد نفسه وأن يتغلب على كل نوازع الشر والبغضاء والكراهية والشنآن والانتقام الكامنة في قلبه، وأن يعمل على تطهير نفسه وعلى أن يتحلى بصفة الرحمة تجاه كل الكائنات، ولكي يتحقق له ذلك ينبغي أن يذكر وأن يتذكَّر وأن يستحضر أسماء منظومة الرحمة الإلهية، وهي كل الأسماء الحسنى المذكورة في القرءان والتي تشير إلى سمة الرحمة، وهي: الرَّحِيمِ، الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، الرَؤُوف الرَّحِيم، الْغَفُورُ الرَّحِيمُ، الرَحِيمٌ الوَدُود، الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ، الرَّحِيمُ الْغَفُورُ، الْبَرُّ الرَّحِيمُ، ذو الرحمة، الغفور ذو الرحمة، الغنيّ ذو الرحمة.

كما أن عليه أن يذكر سرًّا وجهرًا الآيات القرءانية التي وردت فيها هذه الأسماء مع حضور ذهن وتدبر.

*****

الباء التي بدأت بها الآية هي رمز البداية، فبالاسم الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بدأ كل شيء، بدأ الكتاب المشهود، وبدأ لكتاب المقروء.

والباء هي أيضًا للاستعانة، فالإشارة هي إلى وجوب الاستعانة المطلقة باللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذه الاستعانة تتضمن تعظيمًا لله تعالى ولسمته التي يشير إليها الاسم، قال تعالى:

{قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (80) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83)} ص، {قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (43) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (44)} الشعراء.

وهذا مما يشير أيضًا إلى العلاقة بين الكلمتين اسم وسمة، فالاسم يؤدي دور السمة ويتضمنها.

*******