حرف السين

السابقون الأولون

السَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ

درجة "السابقين الأولين" هي درجة من درجات الإنسان الفائق، تضم الأوائل في الترتيب العام على الصالحين من بعد الرسل والأنبياء، والسبق قد يكون عامًا، وقد يكون خاصًّا في مجال من المجالات.

وهذا السبق بالطبع ليس حالة عابرة، ولكنه حصيلة عمل وإنجازات ممتدة بطول العمر.

فالسابقون هم من قال الله تعالى فيهم:

{وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (14)} الواقعة

وقال:

{فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (87) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (89)} الواقعة

فنفوس السابقين الأولين هي في البرزخ في رَوْح وَرَيْحَان وَجَنَّة نَعِيمٍ.

ودرجة "السابقون" هي من درجات الصلاح المفتوحة، والمتاحة للناس، فيمكن أن يتحقق بها، من أثبت لربه أنه أهلٌ لها.

وسبَّاق الناس الآن من علموا دين الحقّ، وعملوا به، وهم بالطبع متفاوتون فيما بينهم، وسابقهم هو بالضرورة غريبٌ في عصره.

إن وجود السابقين من الصفوة أو المصطفين الأخيار ثابت بآيات الكتاب العزيز، أما كونهم قلة فهذا ما قضى به الله تعالى الذي ذكر في محكم كتابه أن السابقين المقربين هم ثلة من الأولين وقليل من الآخرين، وهذا ما يظهر جليًّا في التوزيعات الاحتمالية لكل مجالات التفوق والتميز الإنساني؛ فكلها تخضع لتوزيع جاوس المعياري الذي يؤكد دائما أن نسبة المتميزين في أي مجال -بما فيها المجال الديني- صغيرة، وهذا ما يسلِّم به كل الناس في قرارة أنفسهم لأنه من مقتضيات الفطرة، وإن كان جلهم لا يقرون بذلك علنًا إلا مضطرين.

ولما كان أكثر الناس غير مؤمنين بمقتضى قوله تعالى

{وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِين} [يوسف:103]،

ولما كان أكثر من آمنوا مشركين بمقتضى قوله تعالى

{وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُون} [يوسف:106]،

ولما كان أصحاب اليمين هم فئة من المؤمنين المخلصين، ولما كان السابقون هم أعلاهم درجة، والمقدمون عليهم، فإن السابقين هم قلَّة من قلة من قلة.

إن الصفوة السابقين ليسوا أعداء للناس، وهم لم يأتوا من كوكب آخر، بل إنهم من صميم الناس، ومن حقهم بل ومن واجبهم أن يفكروا لصالح البشرية جمعاء، وأن يساهموا في صنع حضارة الإنسان.

أما عن قلة أتباعهم في حياتهم أو عدم وجود أتباع لهم أصلا فذلك شرح وتفصيل لكونهم السابقين كما وصفهم القرءان الكريم، فهم السابقون في مجالهم، السابقون على عصرهم ومجتمعهم، فمن الطبيعي ألا يلحق بهم أحد في عصرهم أو مصرهم.

والسبق قد يكون من حيث المدى أو النوع أو الدرجة أو الارتفاع أو في توافقية مكونة من كل ذلك بنسب متفاوتة، فكل واحدٍ منهم في مجال أو مجالات تفرده هو الأول وفق أي مقياس، وهم لذلك غرباء في الناس، غرباء لتفردهم في القمم والذرى أو لسبقهم المطلق في الطريق؛ فمن البديهي ألا يجدوا معهم فيها من الناس شركاء لهم، فهذا أمر لا محيص عنه ولا مناص منه، ولابد من أن تتبدى تلك الغربة على المستويات الزمانية والمكانية، لذلك فالجمع بين التفرد وبين القبول لدى أهل العصر والمصر والتوافق معهم هو أمر شبه مستحيل، ولا يحدث إلا عندما يتحتم حدوث طفرات، وهذه هي الضريبة التي لابد للصفوة المتفردين أن يدفعوها راضين أو صاغرين، فمن الأفضل لهم أن يدفعوها وهم راضون.

وهناك أمر آخر، إن المقتضيات البشرية التي لابد منها للصفوة أو لغيرهم تحجب المعاصرين لهم عن رؤية كمالهم أو تقديرهم حق قدرهم، لذلك كفر بالرسل والأنبياء أكثرُ المعاصرين لهم، بينما عرف لهم أقدارهم الأجيال الآتية من بعدهم إذ اختفت عن أنظارهم مقتضيات بشريتهم، وربما بالغ بعضهم في أمرهم واتخذوهم أربابا فضلّوا كما ضلّ الجيل الذي كفر بهم وإن اختلف سبب وصورة الضلال.

أما في المجال الجوهري الذي يترتب عليه المصير الأخروي فإنما يمكن أن يتتلمذ علي الصفوة أفضل أصحاب اليمين وأزكاهم نفسا؛ وهم الباحثون عن الحق في عصرهم، وهم الذين ليس لديهم ما يمنع من معرفة الفضل لأهله واتِّباع من علموا أنه من جنود الحق، ولم ينحجبوا عن كمال الصفوة بمقتضيات بشريتهم، والسابق كان منهم، ولكنه اصطفي عليهم لأسباب حقانية، قال تعالى:

{إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ{73} يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ{74}آل عمران.

واعلم أن المشيئة هي أنساق متتابعة من القوانين والسنن الإلهية هي مقتضيات الأسماء الحسنى، أما أتباع المذاهب فيستبطنون الإيمان بأنها أمر عشوائي اعتباطي وإن جهلوا ذلك أو وإن لم يصرحوا بذلك.

ومتاع الدنيا مهما عظم أمره لدى الناس قليل، وهي دار ابتلاء، وليست دار جزاء، ولن ينتفع من أراد الدرجات العلى بكثرة الأتباع والأنصار، ولا بتقدير الناس وثنائهم، وربما كان ذلك فتنة له، ولم يصمد أمام الابتلاء بافتتان الناس بهم أو بإقبال الدنيا عليهم إلا الندر من العباد الصالحين المخلصين.

إنه على كل إنسان أن يرضى بما قسم الله له، ألسنا جميعًا عباده خلقنا لنفسه؟ إنه من الخير للإنسان أن يأخذ أجره من ربه موفورا في دار البقاء، تذكر قوله تعالى:

{وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} هود115،

واعلم أن الله خير وأبقى.

*****

وبالنسبة للقرن الإسلامي الأول تمثلت هذه الدرجة في "السَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ"، وبالنظر إلى ما سبق فالمتحققون بهذه الدرجة على المستوى الجوهري من تحقق لهم ما يلي:

  1. من سارعوا إلى الإسلام بمجرد أن عُرِض عليهم؛ أي أسلموا بدون إبداء معارضة شديدة.

  2. من انتفعوا الانتفاع اللازم واللائق بما قام به الرسول من تعليم وتزكية.

  3. من تابعوا التقدم والترقي من بعد الرسول، وصَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ،ُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا.

فيجب التمييز بين السبق الزمني إلى اعتناق الإسلام وبين درجة السابقين الأولين، فالسبق الزمني إلى الإسلام ليس بالشرط الكافي.

ومن تحققوا بهذه المرتبة كان الإمام علي وأنصاره، والكثير من الأنصار، والكثير ممن تحققوا بها لم تُسجل أسماؤهم، وقد نسيهم الناس، ولكن ربهم لم ينسهم.

ولم يتحقق بها أكثر القرشيين، وذلك لتجذر حمية الجاهلية في نفوسهم وصعوبة التخلص التام منها، أما الأنصار فكانوا أرق أفئدة من الأعراب والقرشيين وأقل غلظة وأقرب إلى إدراك جوهر الدين.

*****

السابقون من الأولين

من المعلوم من القرءان بالضرورة أنه لا وجود لمرتبة دينية اسمها الصحابة، وأنه لا يترتب على الزعم بأن شخصا ما من الصحابة أي إلزام ديني على المسلمين، أما مراتب أهل القرن الأول من المسلمين طبقا للقرءان الكريم فهي منصوص عليها في سورة التوبة، وأعلاهم درجة هم السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وهؤلاء هم مجموعة قليلة من أهل القرن الأول، فهم ثلة من قلة، قال تعالى:

{إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7)} يس، {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (104) وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106)} يوسف، {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (14)} الواقعة

فأكثر قوم الرسول لم يؤمنوا، ولكن كيف مع أن مذهب الأكثرية يقول إنهم آمنوا، وأنهم صحابة وعدول؟ هؤلاء يكذبون بالقرءان ويكفرون به من أجل من لن يغنوا عنهم من الله شيئا، فأكثر الأعراب لم يؤمنوا، وكان منهم من الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ قال تعالى:

{قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لاَ يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيم} [الحجرات:14]، {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى   عَذَابٍ عَظِيم} [التوبة:101]

وقد رووا أن الرسول قال: "أما بعد ألا أَيّها الناس إنّي قد دعيت ويوشك أن اُجيب وقد حان مني خفوق من بين أظهركم وإنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما فانّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض".

ثم قال: إنّ الله مولاي وأنا ولي كلّ مؤمن ومؤمنة. وأخذ بيد علي بن أبي طالب وقال: ألستُ أولَى بالمؤمنينَ من أنفسِهِم وأزواجِي أمهاتُهُم فقلنَا: بلَى يا رسولَ اللهِ قال: فمَن كنتُ مولاه ُفعليٌّ مولاهُ اللهمَّ والِ من والاُه وعادِ مَن عادَاهُ.

*******

السَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ

قال تعالى:

{وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} التوبة 100، {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (14)} الواقعة

{لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ }التوبة117، {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ{7} جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ{8} }البينة8.

{وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ (14)} الواقعة

إن السَّابِقُينَ الأَوَّلُينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ هم الأوائل في الترتيب العام على المهاجرين والأنصار، فهم فئة منهم، والسبق الزمني لاعتناق الإسلام هو عامل من العوامل المحددة لهذا الترتيب، ولكنه ليس بالعامل الوحيد، لذلك تقدم بعض من تأخر إسلامه على كثير ممن سبقوه إلى   الإسلام، والله وحده هو الأعلم بالترتيب النهائي الحقيقي، ولقد أعلن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ في نص قطعي الدلالة وعلى رؤوس الأشهاد أن سابق هذه الأمة هو الإمام علي وأنه وليّ كل مؤمن، وهذا لا يقلل من شأن أكابر السابقين الأولين الآخرين.

فالسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار هم الذين استحقوا أن يذكروا مع الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ في نظم واحد، أما من هم من دونهم فهم إما أن يكونوا قد اتبعوهم بإحسان أو خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً وإما أن يكونوا مرجون لأمر الله، أما الطلقاء فربهم أعلم بهم، أما المؤلفة قلوبهم فهم الأسوأ حالا إذ كيف يقبل أحدهم أن يتلقى أموالا مقابل أن يظل مسلما؟ وكيف يقبل الخلف أن يحدثوا في الدين تعريفاً يجعل من هؤلاء مكافئين للسابقين الأولين الذين لم يأخذوا أموالاً مقابل الإيمان وإنما جاهدوا بأنفسهم وأنفقوا أموالهم في سبيل الله؟

أما سابق السابقين فهو بلا شك الإمام عليّ، فهو بعكس الآخرين لم يسجد لصنم، ولم يمارس أي دين غير الإسلام، وتلقى القسط الأعظم من التعليم والتزكية النبوية، هذا بالطبع فضلا عن كونه أقرب الناس إلى حقيقة النبي بحكم القرابة الوثيقة، وهو من بعد الرسول الشخصية الدينية الحقيقية، فهو الذي يمكن الاحتجاج بأقواله وأفعاله، وهذه الأقوال والأفعال، التي ثبت صحة نسبتها إليه، هي أدلّ على عناصر دين الحق من أقوال وأفعال غيره من أهل القرن الأول.

*****

والسابقون ليسوا فقط أول من بادر إلى الإسلام بل هم الأوائل في الترتيب العام، ولقد أعلن الرسول النتيجة عليهم قبيل انتقاله عندما قال أمام حشد هائل: "فمَن كنتُ مولاه ُفعليٌّ مولاهُ اللهمَّ والِ من والاُه وعادِ مَن عادَاهُ"، هذا هو الحق الدامغ، ولا قيمة ولا وزن لمن يكفر به.

فهو ومن كان معه لم يبدلوا ولم ينقلبوا على أعقابهم.

ومن أراد أن يعرف هل هو مؤمن أو منافق فثمة اختبار بسيط يمكن أن يجريه كل امرئٍ على نفسه، قال الرسول للإمام عليّ:

«لا يُحِبُّكَ إِلا مُؤْمِنٌ، وَلا يُبْغِضُكَ إِلا مُنَافِقٌ»

سيقول السفهاء والنواصب والوهابية والضالون الجدد: هل هذا جزء من دين الله؟

الجواب هو: لا أحد يطالبك بأن تحب أحدا، ولا يمكن ذلك أصلا، ولكن إذا كان قد وصلتك أخبار وأقوال وأفعال الإمام علي التي أجمع عليها المسلمون ثم وجدت نفسك تبغضه رغم ذلك أو لذلك فاعلم أنك منافق، وابك على نفسك، أو افرح بها الآن لتبكي عليها غدا، أنت وشأنك!

وقد رووا أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ قال:

أما بعد ألا أَيّها الناس إنّي قد دعيت ويوشك أن اُجيب وقد حان مني خفوق من بين أظهركم وإنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما فانّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض.

ثم قال: إنّ الله مولاي وأنا ولي كلّ مؤمن ومؤمنة. وأخذ بيد علي بن أبي طالب وقال: ألستُ أولَى بالمؤمنينَ من أنفسِهِم وأزواجِي أمهاتُهُم فقلنَا: بلَى يا رسولَ اللهِ قال: فمَن كنتُ مولاه ُفعليٌّ مولاهُ اللهمَّ والِ من والاُه وعادِ مَن عادَاهُ.

وقد يقول قائل، وكيف يكون الأنصار من السابقين وقد سبقهم المهاجرون بفترة تكاد تعادل العصر المكي كله؟

الجواب هو في قوله تعالى:

{وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون} [الحشر:9]

فالمؤمنون من الأنصار –بنصّ القرءان- تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ؛ أي من قبل المذكورين في الآية:

{لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُون} [الحشر:8]

فلقد كانوا على يقين بقرب ظهور النبي من كثرة حديث اليهود الذين كانوا يسكنون المدينة عنه، والذين كانوا يظنون أنه سيكون منهم، لذلك آمنوا به، ربما من قبل أن يلقوه، وكانوا أشد الناس إخلاصا له، وبسيوفهم تم تأديب مشركي مكة المتغطرسين.

*******