سورة إبراهيم

سورة إبراهيم 1-4

الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (2) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (3) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4)

الكتاب أُنزل على خاتم النبيين ليخرج به الناس مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ.

فالسعي إلى الله على صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ هو النور، وبه يتحقق الإنسان بمقتضيات هذا الاسم، فيصبح عزيزًا محمودًا في الدنيا والآخرة، ويكون من الذين هُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيد، الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِير.

ولقد قال تعالى:

{وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيد} [سبأ:6]

فهذا أمرٌ مؤكد بآيتين جليلتين، فما أُنزل إلى الرسول هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيد، فكل أمرٍ قرءاني هو نور، ومن يعلم الأمر ثم يعمل بمقتضاه هو في نور على نور.

فالمؤمن الحقيقي يسعى على صراط يحقق له العزو وكل ما يُحمد به في الدنيا والآخرة.

أما الكافرون فويلٌ لهم مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ، ومن صفاتهم أنهم يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا، ذلك لأنهم فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ.

ولفظ الجلالة في الآية الثانية قرأه الجمهور بالجرّ على أنه بدل أو عطف بيان من الْعَزِيزِ الْحَمِيد، وقرأه نافع وابن عامر بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي: هو الذى له ما في السماوات وما في الأرض، وقول الجمهور هو الصحيح.

والاسم الْعَزِيزِ الْحَمِيد هاهنا هو عَلَم، وهو بذلك من النسق الأول من الأسماء الحسنى.

{وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم} [إبراهيم:4]

من السنن الإلهية الكونية أن الله تعالى يرسل الرسول بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ، وقوم الرسول هم سكان مكة والمدينة والأعراب الذين كانوا يعيشون في شبه الجزيرة العربية، وكل هؤلاء لا يتكلمون إلا بلغات مختلفة من اللسان العربي، ولسان القرءان هو أرقاها وأعظمها إبانة، فالقرءان كما وصفه من تكلم به، هو بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِين.

فمن زعم أن القرءان كان بلسان سرياني أو بأي لسان آخر هو بكل بساطة كافر بآية وحقيقة قرءانية راسخة، فهو من الذين كفروا ببعض الكتاب، ومن كفر ببعضه فقد كفر به كله، ولا يحق لمسلم أن يلتفت إلى مزاعمه أصلا.

بل إن القرءان بِلِسَانه العَرَبِي مُّبِين كان هو الآية الكبرى والحجة العظمى على قوم الرسول، والله تعالى هو الذي تحداهم أن يأتوا بمثله أو بمثل شيء منه، وبذلك كان للتحدي معناه وغزاه، وبه أُقيمت الحجة الكاملة التامة عليهم، والتي اقتضت تعذيبهم وعقابهم في الدنيا إن لم يؤمنوا، وهذا التحدي قائم ومستمر ضد كل من يفقه اللسان العربي، فقوم الرسول هم كل من يفقه هذا اللسان.    

ويجب العلم بأن من سمات أهل المشرق الخيلاء، وهو أرض الشقاق والمحدثات والفتن، ولذلك قد يتورطون في الكفر لمجرد أن يدعوا أمجادًا لبلادهم، أو قد يزعمون لها أمجاد غيرها من البلدان، لذلك كانت الضربات المدوية الهائلة تتوالى عليهم على مدى التاريخ لتعيدهم إلى سبيل الرشاد.

وكل شيء إنما يتم بالمشيئة الإلهية، بما في ذلك الإضلال والهدي، ولا جبر ولا إكراه في ذلك إلا عند من يظن أن المشيئة أمر عشوائي أو اعتباطي، أو من يظن أن ربه متصف بصفة من صفات النقص!

المشيئة الإلهية هي مقتضى منظومة أسماء الله الحسنى، وهي التي اقتضت أن يكون من لوازم حقيقة الإنسان الإرادة الحرة والاختيار، فلا تناقضَ ولا تعارضَ بين مقتضياتها.

والآيات هي من الآيات التي تبين أهمية كتاب الله وتظهر عظمة قدره، وأنه هو الأداة المعتمدة والمرتضاة لإخراج الناس مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ.

*******