حرف التاء

التجديد والمجدد

التجديد والمجـدد


الحقيقة الثابتة هي أن النبوة خُتِمت، ودين الحق قد اكتمل، وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم، وتمَّ استخلاف الإنسان في الأرض، وهو بذلك أصبح مهيئًا ومزودًا بكل ما يلزم لمواصلة سعيه في الأرض وتحقيق المقاصد الوجودية، ولكن سمات الكمال والعالمية والخاتمية التي هي للإسلام تقتضي أن يظهر مجددون كلما اشتدت الحاجة إليهم، فهم الذين يطهرون الدين مما تراكم عليه من إلقاءات الشياطين، فمما لا شكّ فيه أن الشيطان هو للإنسان عدو مبين، وهو الذي أخذ على عاتقه أن يضل الإنسان، وأسهل طرق الإضلال وأعظمها فعالية هي الإلقاء في التراث الديني، وكانت إزالة مثل هذه الإلقاءات من أعمال الأنبياء الداخلين في رسالة واحد من أكابر الرسل مثلما كان الحال مع أنبياء بني إسرائيل، فقد كان منوطا بهم نسخ إلقاءات الشيطان في رسالة موسى عليه السلام وتجديد الدين.

أما من بعد ختم النبوة فلم يعد من الممكن الإلقاء في الرسالة الخاتمة لتعهد الله تعالى بحفظ كتابه للناس، وقد كان التاريخ مصدقًا لذلك، ولكن الشياطين ألقوا فيما هو دون ذلك من التراث كما هو معلوم، ومن المعلوم أن شياطين الإنس والجن قد وضعوا مئات الألوف من المرويات ونسبوها ظلمًا إلى الرسول وأن النقاد والفاحصين صححوا من هذه المرويات نسبة لا تكاد تصل إلى 1%، وهذا يثبت تمامًا أن الشياطين قد صالت وجالت في التراث الديني من قبل تدوينه وفعلت به ما شاءت في ظل وجود سلطات إجرامية متواطئة لا يعنيها إلا الحفاظ عل تسلطها وتثبيت ملكها.

ولما كان النقاد والفاحصون هم مجرد بشر فلا يوجد ما يضمن لهم العصمة ولا الصحة المطلقة لنتائج مجهوداتهم، فلا يوجد ما يضمن صحة كل ما صححوه ولا بطلان كل ما رفضوه، خاصة وأن الناس قد اختلفوا من قبل ظهورهم وانخرطوا في فتن كقطع الليل المظلم وحاولوا استئصال خيارهم والصفوة منهم، ومزقوا الأمة، وفرقوا دينهم، فهؤلاء النقاد والفاحصون كانوا يعملون في إطار مذهب المتغلب المتسلط، وهذا أمرٌ بديهي.

ولم يكن الله تعالى ليترك رسالته الخاتمة عرضة لإلقاءات الشياطين ولا ليترك الناس يعبدونه بالأوهام والظنون، هذا مع إقرار المذهب المتغلب بأن العبادة يمكن أن تكون بالظن الغالب!! ولذلك كان لابد من وجود المجددين ليطهروا الدين من إلقاءات الشياطين، فالمجددون المسلمون يؤدون نفس المهام التي كان يؤديها أنبياء بني إسرائيل مثلما أن أمة المؤمنين هي المنوط بها حمل رسالة الحق للعالمين، لذلك من الأركان الملزمة للأمة: الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وأثناء ممارسة أي رسول لأمور رسالته، يتِّم تفصيل الإجمال فتكثر الشرائع والأوامر والنواهي المتعلقة بكل أمور الدين، وهذا هو مجال العلم وميدانه، ولما كانت وظيفة الشيطان الأساسية هي إضلال الناس فإنه يلقى إليهم في أمور الرسالة ما يعنّ له أثناء حياة الرسول أو النبي وبعد انتقاله، فالرسول أو النبي بصفة عامة لا يمكن أن يكون محلاً للإلقاء الشيطاني كما زعم بعض الظلمة والجهلة المحسوبين على الإسلام من السلف في حق الرسول الأعظم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إذ لا يمكن أن يتلقى من الشيطان إلا من كان لديه استعداد لذلك، قال تعالى: { هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ{221} تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ{222} يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ{223}} الشعراء، ثم يُرفع أمر هذه الإلقاءات الشيطانية إلى الاسم العليم الحكيم الذي يستخلص الأمر الصافي المجرد والحكمة من الأمر فينسخ ما يلقي الشيطان ويدحض حجته، ويتمُّ ذلك بإلقاء الصواب إلى الناس عن طريق نبي جديد ينقي الشريعة والدين من الإلقاء الشيطاني إذا لم تكن النبوة قد ختمت، وهذا ما كان يحدث قبل بعثة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ.

ثم جاء النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَبرسالة جديدة مطهَّرة من الإلقاءات الشيطانية التي شابت الكتب السابقة، أي جاء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ بالدين النقي الغضّ، ولكن الشيطان لم يكن ليتوقف عن العمل، فلما لم يجد سبيلاً إلى أي إلقاء في القرءان الذي تعهد الله تعالى بحفظه أخذ يحرض المنافقين وأهل الكتاب والمغفلين من الأعراب والسلف وأعداء الدين على الكذب على الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ في حياته وبعد انتقاله، وهذا ما دفعه إلى أن يقول: (من كذب عليّ فليتبوَّأ مقعده من النار) ولكن المنافقين لا يعبئون بتهديدات كهذه، ذلك لأنه ليس لديهم إيمان أصلاً، لذلك استلزم الأمر وجود مجددين بشَّر بهم النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَيزيلون ما تراكم على وجه الدين من القاءات شيطانية ويعيدون إليه وجهه النقي الغضّ، والمجددون قال فيهم الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ما معناه: "يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالِ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلِ الْجَاهِلِينَ"، والذي يتولى ذلك هو الاسم العليم الحكيم فهو أكثر الأسماء تعلقا بأمور الشرائع والرسالات، أما المجدد العام نفسه فيجب أن يكون من يتولى أمره الاسم "الحكيم العليم" لتكتمل الحلقة.

فالمجدد يطهِّر الدين من تحريفات الغالين وانتحالات المبطلين وتأويلات الجاهلين وإلقاءات الشياطين ومحدثات المغضوب عليهم والضالين وخزعبلات المخرفين وضلالات المتمذهبين ويظهر وجهه النقي الطاهر السمح للعالمين.

أما الضالون الجدد ورجال الكهنوت وعبيد نعال الأسلاف والأوهام فلقد تشبثوا بعناد بما ألقاه إليهم الشيطان فأساءوا إلي النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ وإلى القرءان وأعطوا الفرصة لعملاء الشيطان للطعن في الإسلام.

قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} الأنعام112، {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيا وَنَصِيرا} الفرقان31.

فالطوائف المذكورة أساءوا إلى النبي الخاتم إساءات متعددة الأنواع والأبعاد فجعلوا بذلك أنفسهم من أعدائه الذين ذكرتهم الآيات.

والمعاني الواردة هاهنا هي حق أيضا لورثة الأنبياء من العلماء الحقيقيين، فلابد لهم من أعداء من المجرمين يتطاولون عليهم بدلا من أن يتعلموا منهم فيخسرون الدنيا والآخرة.

والتجديد لا يعني بصناعة دين يلائم العصر ويرضي أهل الغرب، ولا إثارة دهشة الناس بآراء غريبة، ولا إنكار المعاني الراسخة والثابتة للألفاظ العربية، ولا إحداث وضوء جديد، ولا إضافة حركات جديدة إلى الصلاة المعلومة، ولا حذف أي حركات منها ولا إبطال ما لا يعجب البعض من الأوامر المحكمة.

مهام المجددين مشار إليها في هذه الآيات لمن يفقه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (54) وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (55)} الحج

وهذا القول المروي عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَيبين الأمر:

"يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالِ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلِ الْجَاهِلِينَ"

فإلقاءات الشيطان تتمثل في تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالِ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلِ الْجَاهِلِينَ.

وأكثر الأسس التي تقوم عليها المذاهب التي حلت محلّ الإسلام هي من تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالِ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلِ الْجَاهِلِينَ.

فالمجدد يطهِّر الدين من تحريفات الغالين وانتحالات المبطلين وتأويلات الجاهلين وإلقاءات الشياطين ومحدثات المغضوب عليهم والضالين وخزعبلات المخرفين وضلالات المتمذهبين ويظهر وجهه النقي الطاهر السمح للعالمين.

*******

إن الله تعالى ليس ملزما باتباع القواعد التي يقترحها الناس، والمجدد الحقيقي يختاره الله بنفسه ويصنعه على عينه ويعلمه من لدنه علما، وهذا العلم سيفرض وجوده بقوة الحق الذي هو فيه وبحاجة الناس إليه.

المجدد لكل عصر يكون واحدا، وهو يعرف نفسه، أما المجتهدون فكثيرون!

*******

تجديد الدين لا يكون بنسفه نسفا والإتيان بما يخالف كل قيمه وسننه، وإنما يكون باكتشافات ثورية وطفرات عرفانية تتضمن المنهج والأسس والهياكل بالاستناد إلى مصادر هذا الدين، وإعادة صياغته على أسس وطيدة، فلابد من توفر منهج حقيقي لاستخلاص عناصره وأموره عنصرًا عنصرا وأمرًا أمرا، وبذلك يمكن أن يبدأ البناء وأن يكتمل، ولا يجوز الاستبعاد المطلق لكل لبنات البناء القديم، فلابد أنه كان في البناء القديم الكثير من الحق، فلا يجوز استبعاده عند اكتشاف التشابه.

وكذلك قد يكون بعض المجتهدين على مرّ العصور قد اكتشف بطريقةٍ ما ما يشبه بعض اللبنات الصحيحة، وهذا لا يبرر استبعاد اللبنات الصحيحة الجديدة، ولكن لابد من تحقق الاتساق التام Complete consistency لكل أسس وعناصر ولبنات البناء، فمن سمات دين الحق المرونة والقدرة على استيعاب كل أمرٍ حقاني.

*******

من لوازم وأسس منهجنا أنه: "لا وجود لآيات منسوخة (ملغاة الحكم) في القرءان، وإنما توجد الآيات الناسخة فقط لأحكام شرائع سابقة عملوا بها لفترة زمنية"، هذه القاعدة تستند إلى الإيمان بأن القرءان هو كلمة الله التامة وأن به اكتمل الدين وأنه النصّ الملزم للعالمين إلى يوم الدين، وبالإيمان بالاتساق التام للقرءان وبأنه كتاب متشابه مثان لا اختلاف فيه ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وبأنه هو المصدر الأعلى للأمور الدينية، فلا وجود لمصدر أعلى من القرءان ليقرر أي شيء بخصوصه، وبأن للقرءان منظومة سمات ثابتة لا مجال للتشكيك فيها، وكلها تقوض زعمهم بوجود آيات قرءانية منسوخة، وغير ذلك من الأسباب، وبذلك أصبحت هذه القاعدة بالنسبة لمنهجنا من المسلمات الراسخة A firmly-established postulate، فهذه القاعدة استخلصناها بناء على أسس كلية وليس بالتتبع الجزئي للآيات التي زعموا أنها منسوخة، أما دحض إفك النسخ في كل حالة جزئية فكان أيسر عملٍ قمنا به.

ومثلما كان إحداث إفك النسخ وسيلة لإخفاء دين الحق لحساب المذاهب الشركية العدوانية التي حلَّت محله فإن دحض إفك النسخ كان الوسيلة لإظهار دين الحق ونفض الغبار عن وجهه.

*******

تجديد الدين يتضمن ما يلي:

1. اكتشاف البنيان الحقيقي للدين الذي يتضمن كل العناصر والأمور والعلوم المذكورة في القرءان الكريم صراحة Explicitly أو ضمنا Implicitly.

2. تقديم التفصيل اللازم لكل عنصر أو أمر.

3. اكتشاف الصلات بين هذه العناصر ومنظومات الدين الجامعة لكل مجموعة منها.

4. تقديم الوزن القرءاني الحقيقي لأي أمر

5. تقديم مقاصد الدين الحقيقية التي يجب على كل كيان إنساني أن يسعى لتحقيقها.

6. تطهير الدين من إلقاءات الشياطين.

7. استنباط ما ينفع الناس من الكنوز المدخرة في القرءان الكريم.

8. تلقي ونشر التأويل الذي أصبح الناس مهيئين لقبوله نتيجة للتطور والتقدم وتكشف علوم جديدة.

9. صياغة ونشر المفاهيم الجديدة المتسقة مع أصول الدين وحقائقه الراسخة.

10. إعادة صياغة منظومات وعناصر الدين وفقًا لكل ذلك.

11. كل ما يأتي به التجديد يكون متسقًا مع ما يتضمنه القرءان الكريم اتساقا تاما.

12. نفي تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، واستلزم ذلك نقد الكثير من التراث والأديان التي حلت محلّ الإسلام بطريقة متميزة فريدة.

*******

المجددون هم الذي يحملون أمانة العلم الحقيقي في كل قرن (جيل من الناس)، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، هم الذين يقدمون للناس التأويل الذي أصبحوا مهيئين له باطراد التقدم ويفتحون لهم أبوابا قد أُغلقت كما يفتحون أبواب مجالات جديدة، فهم يعيدون للدين روحه ويجددون شبابه.

وهناك مجددون نادرون يظهرون في الفترات التاريخية الحاسمة من تاريخ الدين.

*******

من المرويات ذات الأصول الصحيحة ما يرويه أبو هريرة عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ:

( إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا )

رواه أبو داود (رقم/4291) وصححه السخاوي في "المقاصد الحسنة" (149)، والألباني في "السلسلة الصحيحة" (رقم/599).

والمروية صحيحة لما يلي:

1. لكون النبوة قد خُتِمت، فلابد من الحاجة إلى مجددين، وذلك بمقتضى عالمية الدين وحتمية التطور.

2. لكون الإسلام هو الرسالة الخاتمة، فلابد أنه يتضمن من الأصول والعناصر ما هو لازم لتلبية احتياجات الناس في كل زمان ومكان، فلابد من مجدد يستنبط للناس ما يلزمهم بخصوص المستجدات من الأمور، ولقد أشار القرءان إلى هؤلاء المستنبطين.

3. لكون التطور هو من سنن الوجود، والإسلام هو الرسالة العالمية الصالحة لكل زمان ومكان، وهو يتضمن من المصطلحات الدينية ما يتسع مضمونه ومصاديقه وفقا للتطور البشري، فلابد من وجود من لديهم الاستعداد لإدراك ذلك وبيانه للناس.

4. لكون الشيطان لم يكف عن العمل، ومن أعماله المذكورة في القرءان الإلقاء في الرسالات، تلك الإلقاءات التي يتلقاها شياطين الإنس ويدسونها في الدين.

5. لأنه سيظل موجودا بين الناس مبطلون وغالون وجاهلون يحدثون في الدين ما ليس منه، ولابد من مجدد يزيل عن وجه الدين كل ذلك.

6. لأن القرءان أشار إلى أن تأويل بعض آياته سيأتي حينا بعد حين، فلابد من وجود من لديهم الاستعداد لتلقي التأويل.

7. وبالطبع لابد من مرور فترة زمنية يتراكم فيها نصاب كافٍ مما يستجد من إلقاءات شياطين الإنس والجن وكذلك تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين وتشتد بعدها الحاجة إلى التعامل مع المعطيات الجديدة، وعندها تشتد الحاجة إلى مجدد جديد.

أما القول بأن ما يسمونه بفهم السلف هو القول النهائي في كل الدين فهو شرك غليظ وسوء أدب ومرض نفسي ومرض اجتماعي خطير، ولن تفلح أمة آمنت بذلك بمثل ما أنه لن يفلح من انتقلت عيناه إلى قفاه.

*******

لابد لهذا الدين عندما تشتد الحاجة من مجدد، هو يستخرج ما هذا الدين من الكنوز التي أُودعت للناس وآن أوان كشفها والانتفاع بها، فهذا المجدد يلبي حاجات الأمم في عصره، ويزيل عن وجه الدين ما يحجب جلاله وجماله، كما يبين الطريق الأمثل اللازم لرقي الأمة، وكذلك لرقي الإنسان وعروجه إلى الأعالي.

وكون الطريق الذي يبينه هذا المجدد يختلف عن طرق السابقين هو الأمر الأكثر احتمالا واتساقًا مع السعة الإلهية والسنن الإلهية الكونية التي هي مقتضيات الأسماء الحسنى الإلهية.

فاكتشاف طريق جديد لا يقلل من شأن السلف الصالح، ولا يعني أن المجدد هو أفضل بالضرورة منهم، فمناط التفاضل هو التقوى وسلامة القلب.

*******

إن المجدد الفرد هو نسيج وحده، فهو سابق أفقيا ورأسيا لقرنه وعصره، مشدود دائمًا إلى المستقبل، تتجسد فيه آمال القرون ورغبتهم في الخروج مما منه يعانون، وفي الفرار من باطل الإصر والأغلال وتراث الأولين إلى الحق المبين، وفي معرفة الحقائق كما هي بدون تحريفات الآخرين، وفي الخروج من عبادة الدنيا والسلف إلى عبادة رب السلف والخلف.

*******

والمقصود بالخطاب الديني هو آيات القرءان وما يصدقها ويتسق معها من الآثار المنسوبة إلى الرسول من حيث انها موجهة إلى كيان إنساني، فالله تعالى يكلم الإنسان بآيات القرءان، والرسول يبين للناس الذكر المنَزَّل بالذكر المنْزَل، فسنة الرسول هي مقتضى عمله بآيات القرءان، وهي يعينها سنة الله الماثلة في القرءان، والله تعالى لم يعين هيئة أو سلطة لتتحدث إلى الناس باسمه، بل نفى عن رسوله أن يكون على الناس وكيلا أو حفيظا أو مسيطرا أو جبارا، ونهى الرسول عن أن يكره الناس أن يكونوا مؤمنين، ومع ذلك فقد اختلس بفجرٍ ووقاحة بعض شياطين الإنس لأنفسهم هذه السلطات على الناس وسَحَرُوا قلوب النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بشركٍ غليظ وبإفكٍ عَظِيمٍ

ولا يحق لإنسان أن يسمح لأحد بالتطفل على العلاقة الخاصة التي تربطه بربه.

ولا سبيل إلى المساس بالنصوص القرءانية، لذلك فمصطلح "تجديد الخطاب الديني" ليس بدقيق، ولكن المطلوب هو تجديد الدين المعلوم للناس نفسه.

فالحقيقة الثابتة هي أن النبوة قد خُتِمت، ودين الحق قد اكتمل، وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا لا مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم، وتمَّ استخلاف الإنسان في الأرض، وهو بذلك أصبح مهيئًا ومزودًا بكل ما يلزم لمواصلة سعيه في الأرض والقيام بمقتضيات حمل الأمانة وكافة المهام المنوطة به.

ومما يُساعد على فقه المقصود بتجديد الدين ما ورد في هذا النصّ المنسوب إلى الرسول: "يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالِ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلِ الْجَاهِلِينَ".

فتَحْرِيفَ الْغَالِينَ وَانْتِحَالِ الْمُبْطِلِينَ وَتَأْوِيلِ الْجَاهِلِينَ هي الأسباب المباشرة لظهور الأديان التي حلَّت محلّ الإسلام، وبالقيام بنفيها يبرز الوجه الناصع الساطع له، وهذا يتضمن إظهار البنيان الشامخ لدين الحق بكافة منظوماته وعناصره وأموره، هذا بالإضافة إلى ما أصبح الناس مستعدين لفقهه من التأويل الذي أتى أوانه، فظهور دين الحق هو الاستجابة الإيجابية الفعالة لنفي تَحْرِيفَ الْغَالِينَ وَانْتِحَالِ الْمُبْطِلِينَ وَتَأْوِيلِ الْجَاهِلِينَ، فظهور النور كافٍ لتبديد الظلام دون الدخول بالضرورة في صراعٍ مع أشباح الظلام وخفافيشه.

*******