من هدي القرءان الكريم

سورة طه

سورة طه 2-7

مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقرءان لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا (4) ٱلرَّحۡمَٰن عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7)

هذه الآيات تبين المقصد من إنزال القرءان، إنه تحقيق السعادة للإنسان، فالسعادة هي ما يقابل الشقاء، وليس من الشقاء قلة الرزق أو ضيق ذات اليد أو مصائب الدنيا، فكل ذلك لا يمكن أن ينال من السعادة الجوهرية الكامنة في قلب من أُنزِل القرءان على قلبه.

فكل من أراد السعادة فليعمل على أن يكون القرءان آيات بينات في صدره، فآيات القرءان تمحو آثار الشقاء أينما كانت، فالقرءان ماحٍ بذاته وآياته للشقاء ولكل آثار ومظاهر الشقاء، فمن أراد السعادة والفرح الدائم المتجدد فليشتغل بالقرءان من حيث أنه كلام خالق الأكوان؛ من بيده مقاليد السماوات والأرض والزمان والمكان.

والقرءان هو تذكرة لمن يأخذ أموره بالجدية اللازمة ولا يترك أمره فرطا، هو تذكرة لمن يخشى ربه؛ ذلك الإله الجليل الذي له الغيب المطلق والذي هو السند وإليه المرجع والمآل، الذي خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى، وهذا يتضمن أنه خلق أيضا السماء الدنيا المزينة بزينة الكواكب.

والإشارة إلى "مَا تَحْتَ الثَّرَى" هي إشارة شديدة الأهمية، فهي إشارة إلى تلك العوالم الخفية التي تعيش في تجاويف هذه الكرة الأرضية، ولا يكاد الإنسان يعرف عنها شيئا.

والاستواء على العرش هو من المتشابهات التي لا يرقى الإنسان إلى إدراك حقيقتها، ولكنه مفصَّل بمقتضياته ولوازمه التي ذُكرت في الكتاب في الآيات المصاحبة لتلك التي ذكر فيها الاستواء، فمن لوازم الاستواء ومقتضياته وتفاصيله:

  1. أن لله سبحانه ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى أي أن له كل شيء.

  2. أن له الخلق والأمر.

  3. أنه يسخِّر الكواكب والنجوم بأمره.

  4. أنه يقدِّر (يصمِّم = To design) الكائنات والظواهر الكونية.

  5. أنه يدبِّر الأمر ويفصِّل الآيات ليحقق مقاصده.

  6. أنه يُصرِّف شؤون مملكته.

  7. أنه يعلم الأمور والوقائع ويحيط بها حال تحققها، كما يعلم السر وأخفى.

  8. أنه مع الناس أينما كانوا.

  9. أنه بصير بكل ما يعملون.

  10. أنه لا شفاعة عنده إلا بإذنه.

  11. أن إليه المرجع والمآل.

  12. أنه يبدأ الخلق ثم يعيده.

  13. أنه سيحاسب وسيجازي الناس على أعمالهم.

  14. أنه يمارس مقتضيات الألوهية والربوبية والملك على كل ما خلق.

أما لماذا سخَّر الحق سبحانه الشمس والقمر والكواكب والنجوم فإنما كان ذلك لتحقيق مقاصده الوجودية والدينية، الأصلية والفرعية، ومنها تهيئة الظروف اللازمة لظهور الإنسان وبقائه، ولقد كان الاستواء بالاسم ٱلرَّحۡمَٰن الذي تفصيل إحكامه هو كل الأسماء الحسنى، فهذه الأسماء هي مصدر كل سنة إلهية وكونية وإليها يرجع أمر الكائنات.

أما من زعموا أن الاستواء معلوم أو أنه سبحانه مستوٍ على عرشه كما يستوي الملك على أريكته فقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا وقالوا على الله ما لا يعلمون ولم يلقوا بالاً إلى قوله تعالى:

{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}.

وٱلرَّحۡمَٰن سبحانه مع استوائه على العرش ليس بينه وبين عباده بون زماني أو مكاني؛ بمعنى أنه لا يلزم الواحد منهم السفر إليه في الزمكان ليصل إليه، فهو القريب المجيب الداني دون كل شيء قربه، وهو السميع القريب، أما الذي يحول بينهم وبين إدراكه مع قربه المطلق منهم وإحاطته التامة بهم فهو العلوّ المطلق لكنهه الذاتي المطلق وحقائق أسمائه وسماته فوق كل مفاهيمهم وتصوراتهم، فليس ثمة حجاب وجودي بينه وبينهم إلا ما ترتَّب على ذلك من تقيدهم وقصورهم وخضوعهم لأنساق قوانينه وسننه وكونه سبحانه ليس كمثله شيء؛ فلا شيء كفؤه يدانيه ولا إمكان لوصفه، فالحجاب هو عزته المطلقة وعلوه الذاتي المطلق على كل ما هو دونه إذ ليس لهم أن يألفوا ذاته التي هي الغيب المطلق وليس لديهم من اللطائف أو الملكات ما يمكن أن يدرك كنهها، فالغيب المطلق لا يُدرك.

وليس لدى مخلوق من الحواس الظاهرة أو الباطنة ما يجعله يدرك شيئا عن كنه ذات الله تعالى ولا عن كنه أسمائه أو سماته، فلله تعالى العلوّ المطلق على كل خلقه وعلى كل تصوراتهم ومفاهيمهم وله الإحاطة الذاتية المطلقة بهم، فهو الذي يتَّسم مع كونه القريب المطلق بأنه العالي الشامخ فوق كل شيء عُـلوُّ ارتفاعه، فهو القريب المطلق في عين كونه البعيد الأبعد.

ومع كل ذلك فإن كنهه الذاتية يقتضي أن تكون له الفعالية المطلقة في كل ما خلق وأن يكون له القهر المطلق فوق عباده وأن يكون أقرب إليهم من أنفسهم بل ومن ماهياتهم وحقائقهم، فالحقيقة المحمدية ليست هي الحجاب بينه وبين خلقه، وإنما هي الحقيقة التي اقتضاها الاسم الأعظم فكانت بذلك الحقيقة التامة المحيطة بكل ما هو دونها من الحقائق بمعنى أنه ما من حقيقة دونها إلا وهي من تفاصيل إحكامها، واقتضى كل ذلك أن يكون له وجود في العالم العلوي بما يتفق مع طبيعة هذا العالم من قبل وجوده الجسدي واقتضى ذلك أيضا أن يبقى بوجوده هذا حيا وشاهدا على الأمم وعلى شهداء كل الأمم.

والله سبحانه بفعاليته التامة مستوٍ على العرش الذي هو جماع عروش الأكوان باسمه ٱلرَّحۡمَٰن، وهو بذلك آخذ بناصية كل دابة، فهي خاضعة لسننه نافذٌ فيها أمرُه حتى لو كان لديها الإرادة والاختيار فما كان لها ذلك إلا بأمره.

فاستواؤه سبحانه على العرش مُفصَّل بهيمنته التامة على الكيان الأعلى والألطف من كل كائن، وهو بذلك يسيره كيف يشاء، ولكن هذا لا يعني جبرًا أو إكراها، بل يتضمن تسيير الكائن وفق طبيعته الذاتية ليتحقق بذلك مقصد إلهي.

ولقد قال بعضهم إن الاستواء معلوم، وهذا غير صحيح، فهم لا يعلمون إلا الاستواء المنسوب إلى ما دون الله تعالى كالإنسان مثلا، أما الاستواء المذكور في القرءان فليس بمعلوم، ولا يمكن معرفة استواء منسوب إلى كائن إلا بمعرفة حقيقة هذا الكائن، هذا في حين أن للذات الإلهية الغيب المطلق، وليس لمخلوق أن يدرك حقيقتها أصلا، فلا ظاهر للعبارات التي تتحدث عن الاستواء المنسوب إلى الله ليتم صرف المعنى عنه بالتأويل، فلم يبق إلا أن تخبر تلك الذات عن نفسها، وعن حقيقة الاستواء، وهذا هو ما حدث.

أما القول بأن الكيف مجهول ففيه نسبة الكيفية إلى الله سبحانه، والحق هو أن من أبدع الكيفيات واقتضاها فهو يجل عنها، أما قولهم بأن السؤال عن هذا الأمر بدعة فهذا ما لا يُسلَّم به، ذلك لأن كل مسلم مطالب بتدبر آيات الكتاب وفقهها، ولابد لكل آية حتى وإن كانت من المتشابهات من معنى وفحوى يمكن أن يفقهه الناس وأن ينتفعوا به وأن يعملوا بمقتضياته، والاستواء المنسوب إلى الله تعالى ورد في آيات عديدة، ولم ينزل الكتاب على الناس ليخروا على آياته صمًّا وعميانا، فعلى كل مسلم أن يتدبر القرءان ما استطاع إلى ذلك سبيلا فذلك أمر واجب وفرض لازم يفوق في أهميته إقامة الصلاة وإلا فليسأل أهل الذكر الحقيقيين وهم أهل الله تعالى أهل القرءان، فإن كان هؤلاء كذلك حقا فإن عليهم أن يجيبوا بما يشفى الغليل، وإلا فمن قال لا أعلم فقد أفتى.

أما ما فعله مالك بن أنس من رمي السائل بالابتداع والأمر بإلقائه خارج المسجد وهو ما اهتز له الرواة فرحا ورقص له السلفيون على مدي العصور طربًا وما زالوا يرددونه إلى الآن في نشوة فهو يدل على مدى ما حاق بالأمة من انهيار وانحطاط على كافة المستويات، وهو نوع من الإرهاب والترويع دفعت الأمة وما زالت إلى الآن تدفع ثمنه.

ولقد كان المنافقون يصلون في مسجد النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ نفسه بل ويدبرون المكائد ولم يأمر أبدا بإلقاء أحد منهم خارج المسجد بل كان يصلي عليهم و يستغفر لهم إلى أن نهته الآية عن ذلك، فإن قيل إن مالك بن أنس رأى باطنه وأدرك أنه مبتدع فإن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ نفسه لم يؤمر بالتنقيب عما يضمره المرء في نفسه، ورغم أن ربه نبأه بحقيقة أمرهم فإنه لم يأمره أبدًا بإلقائهم خارج المسجد، فما فعله مالك من إخراج السائل من المسجد ليس من الإنصاف في شيء، بل هو أخطر مما فعله السائل، وكان عليه أن يقر بجهله في هذه المسألة بدلا من أن يرمى السائل باتهام ويعرضه للإذلال، كما أن المساجد لله تعالى وليست لمالك ولا لغيره، أما معنى إجابة مالك فهو أن الاستواء معلوم ولكنه مجهول، وهذا خلف.

إنه لا يجوز معاملة كل الناس على أنهم مسلمون وأنهم يجب أن يسلموا بكل ما يُلقى إليهم دون جدال أو نقاش، والقرءان نفسه يعطي للإنسان الحق في أن يستيقن وأن يتحقق من الأمور، ويأمره بطلب البرهان المبين.

***

إن استواء الله سبحانه على العرش بعد خلقه مكونات مملكته يشير إلى هيمنته التامة على تلك المملكة وممارسته مقتضيات أنه الملك الحقيقي المطلق، فهو يري ويسمع ويدبر ويفصل ويقضي في الأمر ويحكم، وله مقاصده وحكمه في كل ما يفعل.

ولما كان أمر الخلق مستمرا متجددا بالنسبة للمخلوقات فكذلك أمر الاستواء فهو بالنسبة لها فعل مستمر متجدد، فالاستواء الإلهي المطلق مفصَّل بما لا يتناهى من المظاهر.

والآية 7 تشير إلى أن عالم الغيب طبقات ودرجات، فهناك ما هو أخفى من السرّ، والله تعالى يعلم السرّ، وما هو أخفى من السرّ، فيجب أن يعلم الإنسان ذلك، وأن يعمل بمقتضى ذلك، وبداية يجب أن يتطهر الإنسان من الظنّ بأن الله تعالى لا يعلم ظاهره وعلانيته.

إنه على الإنسان أن يجلّ وأن يوقر الحضور الإلهي معه، ومع أخفى طبقات كيانه الجوهري، وجماع ما يلزم لذلك هو التقوى، وهي مناط الأكرمية عند الله تعالى.

*******

1

1.png