من هدي القرءان الكريم

سورة الصافات

سورة الصافات 99-113

سورة الصافات 99-113


{وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (112) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (113)}

قرر إبراهيم عليه السلام الهجرة من بلده بعد أن نجاه الله تعالى من كيد قومه، قَالَ: إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ، وهذا بالطبع لا يعني أبدًا أن ربه كان يقيم في البلد الذي هاجر إليه، ولكن قوله يدل على صدق عزمه في طلب ربه وثقته في أن لديه ما يتطلع إليه من الهداية.

وقد توجه إلى ربه بالدعاء: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ}، وهذا يدل على أنه لم يكن قد أنجب من بعد ابنه البكر، فأجاب الله دعاءه وبشره بِغُلَامٍ حَلِيمٍ، فهذه بشرى خاصة به، وهي كانت البشرى بابنه البكر إسماعيل.

إسماعيل عليه السلام

إن إسماعيل عليه السلام كان من الصفوة من أنبياء الله المرسلين، قال تعالى:

{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55)} مريم

والقرءان والتوراة يثبتان أن إسماعيل هو ابن إبراهيم وأنه هو الذبيح، قال تعالى:

{وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ{99} رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ{100} فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ{101} فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ{102} فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ{103} وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ{104} قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ{105} إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ{106} وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ{107} وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ{108} سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ{109} كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ{110} إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ{111} وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ{112} وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ{113} الصافات

وقال:

{وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128)} البقرة

وقال: {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء} [إبراهيم:39]

وجاء في سفر التكوين، الإصحاح 22:

1وَحَدَثَ بَعْدَ هذِهِ الأُمُورِ أَنَّ اللهَ امْتَحَنَ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لَهُ: «يَا إِبْرَاهِيمُ!». فَقَالَ: «هأَنَذَا». 2فَقَالَ: «خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، الَّذِي تُحِبُّهُ، إِسْحَاقَ، وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ الْمُرِيَّا، وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الْجِبَالِ الَّذِي أَقُولُ لَكَ».

فالنص صريح "خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ"، فإسماعيل هو الابن الذي كان يمكن أن يوصف بأنه ابن إبراهيم الوحيد لعدة سنوات.

والتبشير بإسماعيل تم مباشرة بعد إزماع إبراهيم أن يذهب إلى ربه طلبا للهدى وبعد أن دعا ربه قائلا: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} الصافات 100، فهذا هو دعاء إبراهيم عليه السلام عند ذهابه إلى ربه، وقد استجاب الله تعالى له بمجرد أن دعا، ولذلك سيقول من بعد: {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء} إبراهيم39.

ومن الواضح أن إسماعيل كان أول استجابة له، وبذلك أقرت التوراة أيضًا، وإن تعلل بنو إسرائيل بأنه كان ابن جارية، وهذا زعم باطل، فقد كانت مصرية حرة، وكون أم إسماعيل ليست منهم هي مشكلتهم هم، فلا يوجد تمييز عنصري عند الله تعالى!

وقال تعالى {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء} [إبراهيم:39]

فهذا القول من إبراهيم عليه السلام يثبت أن إسماعيل ابنه كإسحاق، فالقران في النظم يوجب القران في الحكم، كما يثبت أن إسماعيل أكبر من إسحاق.

وقوله تعالى: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128)} البقرة، يبين أن لهما معا ذرية واحدة، وهي التي جاء منها النبي المنتظر.

وقال تعالى: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَـهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون} [البقرة:133] يبين أن إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ هم آباء يعقوب، ومن المعلوم أن إبراهيم هو والد إسحاق، وهكذا لابد أن يكون إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ أبوين له، ومن آيات القرءان الأخرى والتوراة وأساليب اللسان العربي يتبين أن إسحاق هو والد يعقوب وأن إسماعيل هو عمه، وأنه كان معلوما وموقرا بين بني يعقوب المباشرين.

وقوله تعالى: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّا مِّنَ الصَّالِحِينَ {112} وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ{113} الصافات يثبت أن الذبيح هو إسماعيل عليه السلام، فثمة تبشيران في القرءان وفي آيات الصافات لإبراهيم عليه السلام؛ تبشير أول بغلام حليم، وبعد صبر إبراهيم على الابتلاء وامتثاله لأمر ربه تم التبشير بإسحاق، أي تم التبشير بعد فداء إسماعيل بذبح عظيم.

فالتبشير بإسحاق جاء هدية لإبراهيم بعد نجاحه في الابتلاء، وكان إسماعيل غلاما، وهو البكر.

فأول تبشير لإبراهيم كان بغلام حليم هو إسماعيل، ولأنه ليس ابنا لزوجته العقيم لم يرد لها ذكر عند هذا التبشير، وبعد تمام الابتلاء بشره الله تعالى بإسحاق رغم أنه كان شيخا وأن زوجته كانت عقيما، وكان التبشير في حضورها، بل كان التبشير لها بالأصالة، قال تعالى: {وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} هود71

فالتبشير كان لها بإسحاق ومن ورائه يعقوب، وهذا يعني أن ابنها سيعيش وينجب يعقوب، وهذا ينفي أن يكون هناك أمر -من بعد- بذبح إسحاق فلا تبديل لكلمات الله تعالى، كما أن الأمر بذبح إسحاق هو ابتلاء لها هي أكثر من أن يكون ابتلاءً لإبراهيم، فإسحاق كان ابنها الوحيد، وبعض الراغبين في جعل إسحاق هو الذبيح حاولوا التغلب على هذه الصعوبات بجعل يعقوب الوارد في هذه الآية أخًا لإسحاق، وهذا ما تنفيه التوراة نفسها كما ينفيه القرءان.

وفي النص التوراتي المذكور يتبين ويتضح تزوير اليهود! فلم يكن إسحاق أبدا هو الابن الوحيد لإبراهيم، وقد ارتبك المزورون فأضافوا "الذي تحبه"، ثم صرحوا بالاسم، فكشفوا كذبهم، أما النص الأصلي فكان بلا ريب: "خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ" ولم يرد فيه "الَّذِي تُحِبُّهُ، إِسْحَاقَ"، فحرصهم الزائد على إخفاء معالم التزوير قد أدى إلى كشفه!

والحق هو أن قصتهم والتي تابعهم فيها بعض المفسرين المسلمين ملفقة، فلم يصدر أمر مباشر من الله تعالى بذبح ابن إبراهيم الوحيد إسماعيل، وإنما هو الذي ظن أن هذا تأويل ما رآه، واعتبره أمرا إلهيا، هذا مع أن الرؤيا عادة تحتاج إلى تأويل، وكان هذا الظن هو البلاء المبين.

إنه طبقا للسان العربي فإن البشارة الثانية هي بإسحاق ذاته وليس بجعل إسحاق الموجود أصلًا نبيا كما يزعم البعض، لا خلاف على ذلك بين من لديه السليقة اللسانية العربية، ولما كانت آيات القرءان يصدِّق بعضها بعضا ويفصِّل بعضها بعضا، فهذه البشارة كانت مقترنة أيضا بما أظهرته الآية الأخرى، أي بإسحاق ومن ورائه ابنه يعقوب.

وقوله تعالى {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} هود71 يبين أن إبراهيم عليه السلام كان يعلم أن ابنه إسحاق سيعيش وسينجب يعقوب، ولا يجوز الزعم بأن يعقوب أخا لإسحاق، فذلك يتضمن تكذيبا بالقرءان والتوراة، قال تعالى: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} البقرة133

فالتبشير بإسحاق حدث بعد الابتلاء، وقوله تعالى: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ} الصافات112، هو كقوله تعالى: {فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ}آل عمران39، {إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ }آل عمران45، {يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً }مريم7

فالتبشير مفعوله هاهنا هو الشخص ذاته طبقا للسان العربي والأسلوب القرءاني، انظر إلى التبشير بيحيى والمسيح، فالتبشير هو بالكائن ذاته، وليس بإعطاء مرتبة أو درجة لكائن كان موجودا.

ولا توجد أية ضرورة لذكر اسم إسماعيل في آيات الصافات، فهناك منهج قرءاني لإيراد الحقائق والعلوم، وهذا المنهج يأخذ في الاعتبار مفهوم النصوص وإشاراتها وفحاواها ومقتضياتها، والآيات تتكامل ويصدق بعضها بعضا، وذكر الأسماء في القرءان يخضع لتوازنات عددية محكمة هي من آياته، يوجد تبشير بغلام حليم بعد الدعاء، كبر هذا الغلام، ذكرت التوراة أنه كان ابن جارية وأن سارة طلبت منه إخراجهما من بيتها، فأكمل القرءان القصة: {رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ }إبراهيم37، فهو لم يسكن ذريته كلهم وإنما بعضهم.

أكملت آيات الصافات القصة، ابتُلي إبراهيم بموضوع الذبح، كانت ذرية إسماعيل هي التي حفظت الصلاة بالفعل وتحققت بها وفيها دعوة إبراهيم: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء}إبراهيم40، بعد انتهاء البلاء المبين بشره الله تعالى بإسحاق، كان ذلك في منزل زوجته العقيم، لذلك قالت: {قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـذَا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هَـذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ }هود72، كانت البشرى هي: {وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ}هود71

واليهود لا يعترفون بوالدة إسماعيل كزوجة وإنما كأَمَة، ولكنهم يعترفون مضطرين بإسماعيل كأكبر أبناء إبراهيم، وإن كانوا يقولون إن ابن الجارية لا يرث لكي يخرجوا من حرج مخالفة قانون البكورية أو يقولون إن إسحاق هو المحبوب ليستبعدوا إسماعيل من هذه المحبة، وهم بذلك يسيئون إلى إبراهيم عليه السلام، وكلمة جارية تعني عند العرب أيضًا البنت أو الفتاة الصغيرة، فهي لا تعني بالضرورة الأمة.

ورغم أنه مكتوب في التوراة: خذ ابنك وحيدك لتذبحه، فقد حاولوا عبثا إثبات أن الذبيح هو إسحاق، وتابعهم على ذلك أكثر المفسرين، فقول المجتهدين الجدد ليس بجديد.

ولم يذكر الله صراحة أنه أمر إبراهيم بذبح ابنه إسماعيل، القرءان ذكر أنه رأى في المنام أنه يذبحه، وكتاب اليهود هو الذي أورد الأمر الصريح له بذبح ابنه الوحيد! وتابعهم المفسرون على ذلك! وهم قد زعموا ما زعموه ليجعلوا الأمر القرءاني هو عين الأمر الوارد عند اليهود! وهكذا كان دأبهم دائما؛ فهم يقدمون ما أورده أي مصدر ثانوي على ما أورده القرءان!

والحق هو أن الرؤيا بحاجة دائمة إلى تأويل! وكونه رأى في المنام أنه يذبح ابنه لا يعني أنه كان عليه بالفعل أن يذبحه، فكان ظنه هذا هو عين ابتلائه!

ورؤيا يوسف عليه السلام كان لها تأويل، والتأويل هو الذي تحقق!، وليس ما رآه بالضبط!

إن كل إنسان مهما علا قدره معرض للابتلاء، بل إنه كلما علا قدره كان عرضة لابتلاء أشد، ولكن الله تعالى لا يأمر بمخالفة أوامره أبدا.

إن رؤيا الذبح التي رآها إبراهيم عليه السلام كان يجب تأويلها مثل كل الرؤى ومنها الرؤى الواردة في القرءان، ولكن إبراهيم عليه السلام لورعه الشديد بادر بالشروع بالتنفيذ، خاصة وأن ابنه إسماعيل الغلام الحليم قال له: {....يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102)} الصافات، وكان بالفعل من الصابرين كما شهد له الله تعالى في القرءان: {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (85)} الأنبياء، وكان بالفعل صادق الوعد: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (54)} مريم، وفي كل ذلك إثبات لمدى سمو ورقي ورفعة شأن هذا النبي الكريم.

وإبراهيم عليه السلام قد صدَّق الرؤيا والتزم بها كما هي، ولم يلجأ إلى طلب التأويل، وذلك مخافة أن يبدو كمن هو مرتاب في الأمر، واكتفى بعرض الأمر على ابنه إسماعيل الذي أبدى إيمانا وشجاعة واستسلاما لما ظنه أمرا إلهيا، ولذلك حُقَّ له أن يكون جدا لأول المسلمين.

وبالنسبة لإبراهيم كان هذا هو البلاء المبين! ومن الابتلاءات التي تعرض لها فنجح فيها ومن الكلمات التي أتمها فجعله الله تعالى للناس إماما، ولم يكن الله تعالى ليأمر والدا بأن يقدم ولده أضحية بشرية وقد منعها الدين المنزل من لدنه من قديم! فلا أضحيات بشرية في الدين الإلهي، وإنما هي في أديان أهل الأرض مثل أديان أوروبا وسكان أمريكا اللاتينية القدماء!

أما في كتب اليهود فكان الأمر مباشرا، وهذا تحريف كعادتهم ودأبهم، وكان المفسرون المحسوبون على الإسلام كالعادة هاجرين للقرءان مؤمنين إيماناً لا يتزعزع بما لدى اليهود وأكثرا تعصبا للتراث الإسرائيلي من الإسرائيليين أنفسهم!!

أما من تابعهم من الضالين والمجتهدين الجدد في هذا العصر فالأمر عندهم صار عقيدة وكرامة، لذلك لا أقبل من أحدهم جدلا في هذا الموضوع، لأنهم كما لمسنا دائما في مثل هذه الأمور لن يقيموا للقرءان ولا لأي برهان وزنا وسيظهرون شيئا مما لديهم من سوء الأدب وسيرفعون شعار "لا تفرقوا بين الرسل" لينكروا به أية فضيلة للنبي الخاتم وجده المظلوم إسماعيل!

*****

جاء الوعد لإبراهيم في سفر التكوين، الإصحاح الخامس عشر:

18فِي ذلِكَ الْيَوْمِ قَطَعَ الرَّبُّ مَعَ أَبْرَامَ مِيثَاقًا قَائِلاً: «لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ، مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ، نَهْرِ الْفُرَاتِ. 19الْقِينِيِّينَ وَالْقَنِزِّيِّينَ وَالْقَدْمُونِيِّينَ 20وَالْحِثِّيِّينَ وَالْفَرِزِّيِّينَ وَالرَّفَائِيِّينَ 21وَالأَمُورِيِّينَ وَالْكَنْعَانِيِّينَ وَالْجِرْجَاشِيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ».

وجاء في سفر التكوين؛ الإصحاح الحادي والعشرين:

9وَرَأَتْ سَارَةُ ابْنَ هَاجَرَ الْمِصْرِيَّةِ الَّذِي وَلَدَتْهُ لإِبْرَاهِيمَ يَمْزَحُ، 10فَقَالَتْ لإِبْرَاهِيمَ: «اطْرُدْ هذِهِ الْجَارِيَةَ وَابْنَهَا، لأَنَّ ابْنَ هذِهِ الْجَارِيَةِ لاَ يَرِثُ مَعَ ابْنِي إِسْحَاقَ». 11فَقَبُحَ الْكَلاَمُ جِدًّا فِي عَيْنَيْ إِبْرَاهِيمَ لِسَبَبِ ابْنِهِ. 12فَقَالَ اللهُ لإِبْرَاهِيمَ: «لاَ يَقْبُحُ فِي عَيْنَيْكَ مِنْ أَجْلِ الْغُلاَمِ وَمِنْ أَجْلِ جَارِيَتِكَ. فِي كُلِّ مَا تَقُولُ لَكَ سَارَةُ اسْمَعْ لِقَوْلِهَا، لأَنَّهُ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ. 13وَابْنُ الْجَارِيَةِ أَيْضًا سَأَجْعَلُهُ أُمَّةً لأَنَّهُ نَسْلُكَ».

وفي الإصحاح الثاني والعشرين:

1وَحَدَثَ بَعْدَ هذِهِ الأُمُورِ أَنَّ اللهَ امْتَحَنَ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لَهُ: «يَا إِبْرَاهِيمُ!». فَقَالَ: «هأَنَذَا». 2فَقَالَ: «خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، الَّذِي تُحِبُّهُ، إِسْحَاقَ، وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ الْمُرِيَّا، وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الْجِبَالِ الَّذِي أَقُولُ لَكَ».

طبقا لكتب اليهود: "لأَنَّهُ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ"، والوعد كان بإسحاق قبل الأمر بالذبح، ولذلك لا يمكن أن يأمره بذبحه! وهذه حجة دامغة ضد مزاعم بني إسرائيل ومن اتبعهم من السلف والخلف.

والنص الآمر بالذبح: "خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، الَّذِي تُحِبُّهُ، إِسْحَاقَ"، من الواضح أنهم لم يتمكنوا من حذف كلمة "وحيدك"، وإسحاق لم يكن أبدًا ابنه الوحيد، فرأوا أن من الأسهل أن يطعنوا في إبراهيم عليه السلام، فجعلوا كلمة "وحيد"، أنه الوحيد الذي يحبه!!

ومن الواضح هنا مصدر اعتقادات المفسرين المحسوبين على الإسلام والضالين من السلف المقدس، فالنص التوراتي يتحدث عن أمر مباشر، وليس عن رؤيا تستلزم تأويلا!!!

وكان قد جاء في الإصحاح الثامن عشر:

15وَقَالَ اللهُ لإِبْرَاهِيمَ: «سَارَايُ امْرَأَتُكَ لاَ تَدْعُو اسْمَهَا سَارَايَ، بَلِ اسْمُهَا سَارَةُ. 16وَأُبَارِكُهَا وَأُعْطِيكَ أَيْضًا مِنْهَا ابْنًا. أُبَارِكُهَا فَتَكُونُ أُمَمًا، وَمُلُوكُ شُعُوبٍ مِنْهَا يَكُونُونَ». 17فَسَقَطَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى وَجْهِهِ وَضَحِكَ، وَقَالَ فِي قَلْبِهِ: «هَلْ يُولَدُ لابْنِ مِئَةِ سَنَةٍ؟ وَهَلْ تَلِدُ سَارَةُ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِينَ سَنَةً؟».

18وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ ِللهِ: «لَيْتَ إِسْمَاعِيلَ يَعِيشُ أَمَامَكَ!». 19فَقَالَ اللهُ: «بَلْ سَارَةُ امْرَأَتُكَ تَلِدُ لَكَ ابْنًا وَتَدْعُو اسْمَهُ إِسْحَاقَ. وَأُقِيمُ عَهْدِي مَعَهُ عَهْدًا أَبَدِيًّا لِنَسْلِهِ مِنْ بَعْدِهِ. 20وَأَمَّا إِسْمَاعِيلُ فَقَدْ سَمِعْتُ لَكَ فِيهِ. هَا أَنَا أُبَارِكُهُ وَأُثْمِرُهُ وَأُكَثِّرُهُ كَثِيرًا جِدًّا. اِثْنَيْ عَشَرَ رَئِيسًا يَلِدُ، وَأَجْعَلُهُ أُمَّةً كَبِيرَةً. 21وَلكِنْ عَهْدِي أُقِيمُهُ مَعَ إِسْحَاقَ الَّذِي تَلِدُهُ لَكَ سَارَةُ فِي هذَا الْوَقْتِ فِي السَّنَةِ الآتِيَةِ». 22فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْكَلاَمِ مَعَهُ صَعِدَ اللهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ.

فثمة إصرار على أن العهد بإسحاق وعلى أن نسل إبراهيم منه، وهناك وعد لسارة: "وَأُبَارِكُهَا وَأُعْطِيكَ أَيْضًا مِنْهَا ابْنًا. أُبَارِكُهَا فَتَكُونُ أُمَمًا، وَمُلُوكُ شُعُوبٍ مِنْهَا يَكُونُونَ"، ومن قبل أن يولد إسحاق كان هناك نص على أن الله سيقيم عَهْدًا أَبَدِيًّا لِنَسْلِهِ مِنْ بَعْدِهِ وأن به سيدعى لإبراهيم نسلا!! فكيف يقولون إنه جاءه أمر بذبحه؟؟

وتناقضات كتابهم لا حصر لها، وبالتأكيد كانت مباركة إسماعيل وجعله أمة كبيرة بعد صبره في مواجهة البلاء العظيم، وسؤال إبراهيم بخصوصه يبين أنه كان يحبه، وهذا هو الشعور الفطري الطبيعي من والد لابنه البكر.

وكل من يحاولون نفي أن إسماعيل هو الذبيح إنما يستندون إلى مرويات هي محض إسرائيليات فجة، وبعض المجتهدين الجدد يفعلون ذلك رغم أنه ضد منهجهم، فهم يأخذون بالمرويات الضعيفة هنا ويرفضون المرويات القوية الصحيحة المنسوبة إلى الرسول والمصدقة للقرءان هناك!! وهذا مما يكشف حقيقة أمرهم!!

وهم يسلِّمون بكلام بني إسرائيل رغم أنهم هنا هم الخصوم، فهم الذين يزعمون أن إسحاق هو الذبيح، وإسماعيل كان بالفعل أبًا ليعقوب لأنه عمه: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} البقرة133، ولا يوجد أية ضرورة لتكرار ذكر ذلك في كل الآيات.

*****

عندما كان إبراهيم وإسماعيل يرفعان القواعد من البيت شرعا يدعوان الله تعالى، ومن هذا الدعاء:

{رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} البقرة128

فهذه الآية تثبت أن إسماعيل هو ابن إبراهيم، فذريتهما واحدة، وقد أقَّرت التوراة بذلك أيضا، فلا يستقيم ولا يجوز التشكيك في شيء من ذلك.

ومن دعائهما أيضا:

هذه الآية: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ} البقرة129، بالإضافة إلى: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} البقرة128 تقطعان بأن الذرية واحدة! (ردا على من زعموا ان إسماعيل ليس ابناً لإبراهيم)!!

وهذا هو الدعاء الذي أعلن الله تعالى في عدة آيات أنه استجاب له كما طلبا تماما: {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ{1} هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ{2} الجمعة، {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ }البقرة151، {لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ }آل عمران164.

وكل ذلك يثبت أن النبي الخاتم هو من ذرية إبراهيم وإسماعيل، ويلاحظ أن نفس الاسم الذي توجها إليه بالدعاء هو الذي حقق لهما ما أرادا، وهو الاسم العَزِيزُ الحَكِيمُ.

ولذلك صدق الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ عندما أعلن أنه دعوة أبيه إبراهيم عليه السلام.

قال تعالى: {أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} البقرة133

لا يوجد هنا إلا احتمال واحد: هو أن إسماعيل عم يعقوب! ولا يجوز المراء في ذلك.

ويُلاحظ أن كل الآيات التي اجتمع فيها ذكر النبيين إسماعيل وإسحاق قد قدمت إسماعيل بالذكر، بل إنها نصت على أنه رسول نبي، وهو بذلك متقدم من حيث الدرجة والمرتبة فضلا عن السنّ على إسحاق:

{أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ }البقرة133، {قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ }البقرة136، {أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ كَانُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ }البقرة140، {قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ }آل عمران84، {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء }إبراهيم39، {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً{54} وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً{55} مريم.

ويُلاحظ أن آيات سورة مريم تذكر صفتين تؤكدان أن الذبيح هو إسماعيل: أنه كان صادق الوعد، وأنه كان من الصابرين، والوعد هو قوله لأبيه: {...قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} الصافات 102، وقد شهد له ربه بالفعل أنه من الصابرين، قال تعالى: {وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (85)} الأنبياء.

والفعل الإلهي المترتب على الصبر على البلاء هو الرضا، ولذلك كان إسماعيل عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً، قال تعالى: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55)} مريم

وبالطبع سيعلق بعض الضالين من المجتهدين الجدد ويقولون: "لا يجوز التفريق بين الرسل"، والحق هو أنه لا يجوز التفريق بين الرسل في أمر الإيمان بمعنى أنه يجب الإيمان بهم كلهم، هذا مع الإقرار والإيمان بأن بعضهم أفضل من بعض كما ذكر الله تعالى في القرءان، هذا بالإضافة إلى أن الرسول النبي هو أفضل من النبي مطلقا، وأن إسماعيل هو رسول نبي بينما كان إسحاق نبيا فقط!

والذي يفرق بين الرسل فعلا هم أهل الكتاب لرفضهم الإيمان ببعضهم وخاصة خاتمهم، وكذلك المجتهدون الجدد الذين يفضلون الرسال والأنبياء الآخرين على النبي الخاتم بلسان الحال ويحاولون إنكار فضائل إسماعيل لحساب إسحق!!! إنه لا يجوز استعمال قاعدة "لا تفريق بين الرسل" التي لا يفقهون معناها لتكذيب القرءان ولإنكار فضائل بعض الأنبياء.

*****

قال تعالى: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ{100} فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ{101} فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ{102} فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ{103} وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ{104} قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ{105} إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ{106} وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ{107} وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ{108} سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ{109} كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ{110} إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ{111} وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ{112} الصافات

التبشير بإسحاق جاء هدية لإبراهيم بعد نجاحه في الابتلاء، وكان إسماعيل غلاما، وهو البكر.

كان أول تبشير بغلام حليم هو إسماعيل، ولأنه ليس ابنا لزوجته لم يرد لها ذكر هنا، وبعد تمام الابتلاء بشره الله تعالى بإسحاق رغم أن زوجته كانت عجوزا عقيما.

*****

لدى هجرته دعا إبراهيم عليه السلام ربه قائلا: {رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ} الصافات 100

فاستجاب له ربه وبشره بغلام حليم هو إسماعيل ثم بغلام عليم هو إسحاق، فقال: {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء} إبراهيم39

فالاثنان موهوبان له بفعل واحد فاعله واحد هو الله تعالى، فالاثنان سواء في أنهما ابنان لإبراهيم عليهم السلام، فلا مجال لإنكار أن إسماعيل هو ابن إبراهيم.

عندما كان إبراهيم وإسماعيل يرفعان القواعد من البيت أخذا يدعوان الله تعالى، ومن هذا الدعاء:

{رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} البقرة128

فهذه الآية تثبت أن إسماعيل هو ابن إبراهيم، فذريتهما واحدة، وقد أقَّرت التوراة بذلك أيضا، فلا يستقيم ولا يجوز التشكيك في شيء من ذلك.

ومع ذلك فقد أنكر ذلك بعض الضالين والمضلين الجدد فكشفوا للناس عن حقيقة توجهاتهم فلا يتبعهم من بعد إلا من هو مثلهم

*******

1

1.png