حرف التاء

التوفي

التوفي


إن التوفي غير المقيد بالليل أو المنام يكون مقترنا بالموت أي مصاحبا له، قال تعالى:

{وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ(61)} (الأنعام: 61)، فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ(27)( محمد: 27)، الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(32)( النحل: 32)، وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ(40)} ( الرعد: 40)، {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير} [البقرة:234]، {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيم} [البقرة:240]

فالتوفي يعني ما يحدث للإنسان عند الموت وهو عزل النفس عن التصرف في الجسم واستخلاص الكيانات اللطيفة المتعلقة بها منه ومنها الكيان الذي كانت به حياة الجسم قبل أن تنبثق فيه النفس، ويترتب على ذلك انتقال وعيها ومجال حياتها إلى عالمها البرزخي فلا يكون لها من تصرف في هذا العالم المادي الظاهر ولا تأثير إلا فيما ندر، لذلك فإن أملاكه المادية تورث ويرجع أمر من كان موكلا بهم إلى الله تعالى الذي يرث أيضا ما كان قد استخلفه فيه ويرث كل ما حصله طوال حياته، أما الجسم فيصبح مجرد كتلة مادية يخضع لما تخضع له المادة من قوانين ومنها القانون الثاني للديناميكا الحرارية.

*******

أما الإنسان فالتوفي بالنسبة له يعني استخلاص كيانه الجوهري الذي هو النفس من الجسم، وهذا يعني عزل النفس عن التصرف في الجسم وبالجسم، وهذه النفس تتضمن كافة الكيانات اللطيفة التي كانت تتحكم في الجسم الذي يُترك لتعمل فيه القوانين الخاصة بالأعضاء البيولوجية المادية فيتحلل عادة، وهذه النفس تصعد إلى عالمها الصعود اللائق والمناسب لها، والذي هو يختلف عن الصعود المكاني المعلوم، وهذا هو العالم الذي يمكن تسميته بالبرزخ لأنه فاصل بين عالمين حقيقيين بالنسبة للإنسان، وأحوال النفوس في البرزخ تتنوع تنوعاً هائلا، وبالطبع فالإطار الزمني اللازم لهذا العالم يختلف تماما عن الإطار الزمني المعلوم.

أما مصير الإنسان فيعتمد على الصورة النهائية التي آلت إليها نفسه، فهذه النفس كيان شديد السيولة وهو يتشكل وفق آثار كل أعمال الإنسان التي أقدم عليها بمحض اختياره، وهذه الآثار محكومة بقوانين حقانية صارمة لا تجامل أحداً من أجل أحد ولا تحابي أحدا، وهذه الآثار تتفاوت تفاوتا هائلا؛ فمنها ما يصل إلى أعماق النفس ومنها ما يمس سطحها الخارجي فقط، ولذلك يخدع نفسه من ظن أنه يستطيع تدارك الأمر قبيل احتضاره.

*****

الفرق بين التوفي وبين الموت

الإنسان يُتوفى (الفعل مبني للمجهول) التوفي النهائي فيموت (مبني للمعلوم)، والتوفي هو استخلاص النفس التي هي الكيان الإنساني الجوهري من الكيان الإنساني الكلي وانقطاع صلتها تمامًا بالجسم الذي كان آلتها الظاهرة في هذا العالم تتفاعل به مع الآخرين، وهي إذ تنسحب من الجسم تأخذ معها الكيانات الأخرى اللطيفة، ومنها سبب حياة الجسم، فيصبح مجرد كيان مادي طبيعي ويبدأ في التحلل العادي وفقا لقوانين الطبيعة.

والموت هو الحالة المترتبة على التوفي المذكور، فهو تفكك الكيان الإنساني إلى مكوناته، والنفس الجوهرية لا تموت وإنما تذوق الموت، فهي تشعر بما يحدث أثناء استخلاصها واستيفائها، فالموت بالنسبة لها هو انقطاع تصرفها بالجسم وقدرتها على التفاعل من خلاله مع عالم الشهادة ومن هم فيه.

هذه النفس يتيقظ وعيها بعالمها الحقيقي، وتصبح مقيدة بإطاراته، وليس بإطارات العالم المشهود.

*******

التُوفي والرفع

كل الأنبياء قد توفاهم الله تعالى، ثم رفعهم إليه، هذا الرفع يعني أنهم أحياء بكياناتهم الجوهرية التي هي أنفسهم عنده؛ فهم الشهداء، وهم أعلى مرتبة من الشهداء، ولذلك صلى بهم النبي في ليلة الإسراء إعلانا بتجاوزه لمراتبهم وإمامته عليهم، فمن التقدير السابق في علم الله تعالى أنه هو الأول والسابق، وببروزه بجسده كان لابد له من السلوك بمقتضى الحكمة ليتحقق بما هو مقدر له، وهذا ما تحقق في ليلة الإسراء.

أما أجسام الأنبياء فقد عادت إلى الأرض التي خلقت منها، ولا يعني الكلام السابق أنه من الممكن أن يبرز نبي من الأنبياء لقومه ظهورا عاما ليبين لهم الحقائق وليردهم عن الضلال الذي تورطوا فيه، فهذا الباب قد أغلق بختم النبوة! ويجب العلم بأن حب كل نبي لربه يتفوق بكثير على حبه لقومه، وكذلك هو أشد الناس إجلالاً لربه وخوفاً منه؛ فهو لا يحب ولا يريد إلا ما أحبه الله وأراده.

*******

شويخص يقول: "اذكر آية واحدة تنص على موت المسيح"!

الإجابة:

1. موت أي إنسان هو سنة كونية، لا يملك أحد تبديلا لها ولا تحويلا، ولقد ذكر القرءان في نصوص قطعية الدلالة أن كل الناس سيموتون، وليس مطلوبًا من القرءان أن ينص بالتفصيل على موت كل إنسان على حدة من بعد أن ذكر الحقيقة اليقينية العامة، وخلود أي إنسان هو الاستثناء الذي يلزمه نصّ قطعي الدلالة.

2. المسيح هو النبي الوحيد الذي ذكر الله تعالى أنه توفاه في نص قطعي الثبوت والدلالة، والتوفي معناه معلوم، وثابت بالقرءان واللسان العربي، فهو مقترن ومتبوع مباشرة بالموت إلا إذا قُيِّد بقرينة تفيد عدم اقترانه به، فالمتوفي يورث وتوزع تركته وتتربص زوجته بنفسها مدة معلومة، ولقد قال يوسف عليه السلام كما في القرءان: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِين} [يوسف:101].

3. التوفي الذي طلبه يوسف عليه السلام هو نفسه الذي سيجهر به المسيح في يوم القيامة، قال الله تعالى: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد} [المائدة:117]، وهذا نص قطعي بات على أن صلته العامة بالناس قد انقطعت بمجرد أن توفاه ربه، وأنه لن ينزل رغم أنف من اتخذوا القرءان مهجورا.

*****

المسيح تُوفِي مثل كل من خلوا من الرسل

1. موضوع نزول المسيح عليه السلام مقترن بالزعم بأنه رُفع بجسمه حيًّا إلى السماء وأنه لم يذق الموت أبدا، هذا رغم أن ربه توفاه كما ذكر في القرءان، وهذا الزعم منهم يتضمن كفرا بآيات القرءان التي تنص على أن الله تعالى قد توفَّاه ورفعه إليه، وهذا ما يحدث مع كل الأنبياء والرسل، فالله سبحانه يتوفى الأنفس أي يستوفيها ويقبضها ويستخلصها من جسمها، هذا التوفي هو الذي يترتب عليه الموت لا محالة، والله تعالى عندما يقول إني متوفيك إنما ينسب إلى نفسه أفعال الملائكة الموكلين بذلك باعتبارهم آلاتِه وأدواتِه، ولذلك يُضاف الفعل إليهم أحيانا، قال تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُون}[الأنعام: 6 [،{قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُون} [السجدة:11]، لاحظ اقتران مجيء الموت بالتوفي، فالتوفي والموت مقترنان ما لم يأت ما يخصص التوفي بأنه مؤقت.

2. والرفع إلى الله سبحانه ليس له أية دلالة مكانية، فهو سبحانه ليس مقيدا بمكانٍ ما، والأعمال الصالحة مثلا تُرفع إليه، فليس للرفع إلى الله ولا للهجرة إلى الله ولا للذهاب إلى الله أية دلالات مكانية، ومن ظن أن للرفع أية دلالة مكانية فقد أساء الظن بربه وقيده بالمكان، ولله سبحان العلو والتعالي المطلق فوق كل الأطر المكانية الزمانية وفوق كل المفاهيم والتصورات المستخلصة من هذا العالم المادي، ومنها مفهوم المكان، ولم ترد كلمة "السماء" في النص لكي يقولوا إن الرفع قد حدث إليها، والرفع له معانٍ عديدة، قال تعالى: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}الزخرف32،{وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَك}[الشرح:4]، أما إسناد أحرف الجر إلى الله تعالى فليس كمثله إسنادها إلى غيره، قال تعالى فيما يقصه عن إبراهيم ولوط عليهما السلام: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِين} [الصافات:99]، {فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم}[العنكبوت:26]، فهما هاجرا من مكانٍ إلى مكان كما ذكر القرءان، فهما هاجرا إلى الأرض التي بارك الله فيها للعالمين، ولا يعني ذلك بالطبع أن الله سبحانه محصور في المكان الذي هاجرا إليه.

3. ورغم أن الآيات تقول: {إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُون} [آل عمران:55]، {بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء:158] فهم مصرون على أن المعنى هو أن المسيح حيٌّ بجسمه الآن في السماء، وهذا يعني أنهم يعتبرون أن السماء مكان، وأن الله فيه، والحق هو إن الإنسان يمكن أن يكون بجسمه في الأرض وهو مع الله وعند الله، هذا مع العلم بأن كلًّا من المعية والعندية عامة، وخاصة، فلله تعالى الإحاطة التامة بالمكانة وبالمكان، مع العلو المطلق عليهما في الآن، وهم بالطبع لا يعرفون ماذا تعني هذه السماء، والجسم الطيني للإنسان لا يمكن أن يوجد إلا في ظروف مشابهة لهذه الأرض، ويحتجون بأن الرسول قد التقى عيسى في السماء أثناء المعراج، وهذه حجة عليهم، فلا توجد خصوصية لعيسى في ذلك، فقد التقى أنبياء كثيرين طبقا للمروية، والتقى بعضهم في سماوات أعلى من السماء التي التقى فيها عيسى، ولم يرد أبدا أنهم لم يُتوفوا أو إنهم رفعوا بأجسامهم الترابية إلى ربهم، وما سرى على خاتمهم -وهو معلوم بالضرورة- سرى عليهم جميعا، أما إذا كان المقصود بالسماء أحد العوالم اللطيفة فهي لا تحتمل وجود جسم طيني فيها أصلا، ومن المعلوم أن عيسى عليه السلام -مثل غيره- مخلوق من تراب مثلما، قال تعالى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُون} [آل عمران:59].

4. ورغم أن الرفع جاء بعد التوفي إلا إنهم مصرون على تجاهل قوله تعالى "متوفيك"، ومن معاني "الرفع" بعد مكرهم به ألا يصلوا إليه، فبمقتضاه لن يكون في متناول أيديهم He will not be accessible to them، وكونه كذلك يشمل نفسه وجسمه، فهم لم يتمكنوا من النيل منه بأية صورة من الصور.

5. ولقد أقرّ المسيح في آيات قرءانية محكمة بأن صلته بقومه انقطعت تماما بعد أن توفاه الله تعالى، وأنه منذ أن توفاه الله تعالى إلى أوان الإدلاء بشهادته أثناء استجوابه يوم القيامة لم يعاود الاتصال بهم أبدا ولم يعد شهيدا أو رقيبا عليهم، وبالتالي فهو لم ولن يلغي حكم الجزية ولم ولن يخيرهم بين الإسلام أو القتل كما تشير إلى ذلك الخرافة ولم ولن يكسر الصليب أو يقتل الخنزير، ولو كان قد فعل شيئا من ذلك لذكره عند استجوابه أمام ربه! أو لما كان هناك معنى لاستجوابه أصلا! ولو فعل شيئا من ذلك لكان معناه أنه نسخ بعض أحكام الشريعة الإسلامية وأنه هو خاتم النبيين مما يتعارض مع عقيدة ختم النبوة، وبالتالي فخرافة عودة المسيح تتناقض تماما مع ما يقرره القرءان الكريم.

6. والنبي عيسى عليه السلام يكاد يكون النبي الوحيد الذي ذكر القرءان بكل صراحة ووضوح أن الله تعالى توفاه ورفعه إليه، مع أن هذا هو حال كل الرسل والأنبياء وغيرهم حتى لا يكون لأحد عليه حجة، وقد ذكر المسيح في آية محكمة في القرءان أن صلته بقومه انقطعت بعد أن توفاه الله تعالى، ولا جدوى من محاولة صرف الآيات القرءانية عن معانيها لتتوافق مع خرافة من خرافات أهل الكتاب.

7. الفعل يتوفَّى في القرءان يرد بمعنى قبض أو استيفاء النفس من الجسم، مع بقاء الجسم بالطبع في بيئته الطبيعية وهي الأرض، قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون}[الأنعام:60]، {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون} [الزمر:42]، {إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُون} آل عمران: 55، {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِنْ أَعْبُدُ اللّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِين} [يونس:104]، فالتوفي مفعوله الحقيقي الأنفس فقط، مهما كان المخاطَب، وذلك يعني أن يَتَوَفَّاكُم = يتوفى أنفسكم، ولا دخل للجسم في هذا الأمر، والمخاطب من الإنسان هو نفسه لا جسمه، وسواء أكان التوفي مؤقتا كما هو الحال بالليل أو دائما كما هو الحال عند الموت فلا دخل للجسم بهذا الأمر، فهو يظل حيث كان، والنفس هي التي يمكن أن تُرفع إلى الله بالمعنى اللائق، وآية الزمر:42 تبيِّن أن الله تعالى إذا كان قد قضى على الإنسان الموت يمسك النفس، أما إذا لم يكن أجله المسمى قد حان فإنه يرسلها، وفي كلتا الحالتين فالجسم يظل في مكانه حالة التوفي؛ أي في هذه الأرض، ولا يجوز أن يُطلق عليه لقب إنسان بدون النفس التي هي الكيان الجوهري المخاطب والمكلف، ولم يرد أبدًا أن التوفي يعني رفع الإنسان بجسمه حيا إلى السماء، وآية آل عمران: 55 لا تقول بذلك أبدا، وليس للرفع إلى الله تعالى أية دلالة مكانية، فالنفس ليست بكيان مادي، أما الجسم بدون النفس فهو عند الله أينما كان هذا الجسم، فالله تعالى ليس منحصرا في مكان معين في هذا الكون المادي الطبيعي، ولكن الناس لم يتحرروا من تصوراتهم المادية الصبيانية عن ربهم، والمقتولون في سبيل الله أحياء بالفعل عند ربهم يُرزقون، هذا رغم أن أجسامهم أو بقاياها هنا في هذه الأرض، فلا يتصور أحد أنهم موجودون في حديقة بجوار بيت مادي يقيم ربهم فيه! ورفع المسيح إلى الله لا يعني أن الله قد رفعه بجسمه حيا إليه، وهذا المعنى لا علاقة له بأي معنى للرفع ومشتقاته في القرءان، فأقوى من كلمة "رفعه" ما ورد في حق "الذين قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ" فقد نص القرءان أنهم بالفعل "أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ"، قال تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (171)} آل عمران، فها هي آيات تنص نصا صرحا بلا حاجة إلى أي تأويل أن الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ليسوا أَمْوَاتًا، بل إنهم أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، هل ثمة ما هو أقوى وضوحا من ذلك؟ ومع ذلك فلا يشك أحد أن أجسامهم مدفونة بالفعل في الأرض!!!وما حدث مع المسيح هو ما يحدث مع كل من أنعم الله عليهم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ، حيث يتوفاهم الله تعالى ويرفعهم إليه، ولكن خصوصية المسيح هو أنه كان في كهولته؛ أي في ذروة قوته واكتماله، فلم يكن قد بلغ من الكبر عتيا، ولم يوجد سبب ظاهر ليكون سببا في موته، فكان النص على الرفع تكريما له حتى لا يظن أحد أن ذلك كان من باب النقمة، ولابد أنه أخبر الحواريين بذلك حتى لا يظنوا به الظنون، وفي كل الآيات التي ذكر فيها التوفي فالمقصود بها هو توفي النفس، فالتوفي في الليل أو غيره أي التوفي مطلقًا هو إمساك النفس، ولا ترسل النفس ثانية إلا إذا كان الإنسان لم يقضَ عليه بالموت بعد، ولا شأن للجسم بهذه المسألة أبدا، فالموت هو توفي الإنسان؛ أي استيفاء نفسه مع إمساكها وورود الفعل "توفي" أو مشتقاته في القرءان مقترنة بالموت وما يترتب عليه من أحكام شرعية عديدة، ولكن أهل الباطل يحاولون دائما فرض باطلهم على القرءان! قال تعالى:{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِنْ أَعْبُدُ اللّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِين} [يونس:104]، {وَاللّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ قَدِير} [النحل:70]، {قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُون} [السجدة:11]، {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير} [البقرة:234]، {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيم} [البقرة:240]، {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُوْلَـئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِين} [الأعراف:37]، {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيق} [الأنفال:50]، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيج} [الحج:5]، {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون} [غافر:67]، من كل هذه الآيات يتضح أن التوفي هو ما يضاد الرد إلى أرذل العمر أو البقاء إلى الشيخوخة؛ أي هو ما يضاد البقاء الدنيوي المعلوم، فهو إمساك النفس المؤدي إلى الموت والذي بسببه تصبح أملاك الإنسان الدنيوية حقا لورثته ويمكن لامرأته أن تزوج، أما الرفع بعد التوفي فهو ما يحدث لكل عباد الله الصالحين تكريما لهم، وقد اقتضى ما حدث لعيسى عليه السلام أن يرد نص به، وهذا النص لا ينفيه عن غيره ولا يبرر ادعاء أنه لم يمت مثل من خلوا قبله من الرسل.

8. قال تعالى: {إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُون}آل عمران: 55، واللفظ (متوفيك): لا يعني إلا التوفي المقترن بالموت، ولا تعني منيمك أو رافعك رفعا وافيا بجسمك الترابي كما يزعم البعض، فكلمة "التوفِّي" مفعولها النفس فقط، ولا شأن لها بالجسم، ولا تعني هنا إلا قبض النفس المفضي إلى الموت، ولا يوجد ما يستدعي صرفها عن معناها، ولا يوجد أي مثال ينافي هذه القاعدة في القرءان أو فيما هو منسوب إلى النبي أو في كلام العرب، وقد وردت مشتقات كلمة توفَّى (تفعَّل) في القرءان الكريم عددا كبيرا من المرات مقترنة بالموت أو مؤدية لمعناه، وهي لا ترد أبدا بمعنى النوم، ولا تعني أبدا إلا استيفاء النفس من الجسم، وهناك استيفاء مؤقت، وهو يحدث عند النوم كما في الآيتين 61 من سورة الأنعام، وفي الآية 43 من سورة الزمر، ولم تأت في أيٍ منها بمعنى قبضه وافياً بجسمه، وحتى ذلك التوفي بالليل الذي يحدث عند النوم لا يعني أبدا رفع الجسم حيا إلى السماء، أما في الآيات القرءانية الكثيرة الأخرى فهو مقترن بالموت المترتب عليه أحكامه، فالزعم بأن معنى "توفى" قبضه وافياً بجسمه هو معنى أحدثه المضلون ليتلاءم مع الخرافة المقررة سلفا، وفي كل المعاجم العربية المختلفة يتأكد هذا الكلام، فقد جاء فيها "توفاه الله: إذا قبض روحه (في الأصح نفسه)"، وقد ورد في كتب المرويات فعل التوفي بمعنى الموت ولم يرد له معنىً غيره: فقد روى البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "تُوفي رسول الله وما في بيتي من شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي فأكلت منه...."، كما أخرج عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "تُوفي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري ....."، وقد ورد عن ابن عباس في صحيح البخاري في كتاب التفسير عند تفسير الآية السابقة حيث قال ابن عباس: متوفيك: مميتك، فالآية قطعية محكمة في دلالتها على موت عيسى عليه السلام، والحديث التالي الوارد في البخاري يثبت أن التوفي غير المقيد بأية قرينة مقترن بالموت: [4349] حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة أخبرنا المغيرة بن النعمان قال سمعت سعيد بن جبير عن بن عباس رضى الله تعالى عنهما قال خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا أيها الناس إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلا ثم قال {... كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِين}، ثم قال ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول يا رب أصيحابي فيقال إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول كما قال العبد الصالح:{وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيد} فيقال إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، فهذه المروية ذات الأصل الصحيح تحسم الأمر تماماً، فالتوفي غير المقيد بأية قرينة مقترن بالموت، وبالتالي انقطاع التأثير على من يضلون وبالتالي عدم المسئولية عن ضلالهم والعربي بالسليقة يفهم من القول "توفاه الله" أنه أماته، لا ريب في ذلك، فالتوفي بدون بيان وقرينة صارفة كما في آية الزمر مفضٍ إلى الموت لا محالة، وفي الحقيقة الآية واضحة تماما لولا إصرارهم على ليّ عنقها لاستنطاقها بخرافاتهم، ولو كان الرفع يعني رفعه بجسمه كما هو إلى الله تعالى لما كان لكلمة "متوفيك" معنى ولاكتفى بالقول "وَرَافِعُكَ إِلَيَّ".

9. يقولون إن معنى: "إني متوفيك" أي "قابضك بكاملك" وبالتالي فالآية عندهم تعني: "قابضك بكاملك ورافعك إلى السماء بجسمك"، هذا المعنى لم يرد أبدا، ولا تسمح به اللغة، وقولهم إنما هو تدليس وتلفيق، فالذي يُتوفى هو النفس وليس الجسم، أما الجسم فيبقى مكانه أثناء التوفي، وهذه النفس قد تعود للجسم، وقد لا تعود، أما الجسم الترابي فلا مكان له إلا هذه الأرض، بل لا معنى له بدون هذه الأرض، والتوفي الذي يحدث بالليل هو توفي النفس مع بقاء الجسم مُلقى في مكانه الأرضي، ولا يعني أبدا رفع الإنسان بجسمه حيا إلى السماء، والتوفي المذكور في الآية هو التوفي النهائي المقترن بالموت، ذلك لأنه لم تأت أية قرينة صارفة عن المعنى المعلوم، ولو كان التوفي هو المقصود عند النوم لكان معناه أن نفسه أخذت وانفصلت عن الجسم انفصالا مؤقتا، فالذي يتبقى هو الجسم، هذا الجسم لا يُخاطب كإنسان، وإنما الذي يخاطب كإنسان هو النفس! فالنفس هي التي رفعها الله إليه، فلآية لم تتعرض لموضوع الجسم مطلقا!! ولم ترد كلمة "السماء" في النص مطلقا، ولكنهم أضافوها لظنهم أن الله سبحانه موجود في مكان اسمه "السماء"!!

10. لو كانت الآية تعني "قابضك بكاملك ورافعك إلى السماء بجسمك" لكان من الممكن الاكتفاء بالقول: "إني رافعك إليّ" فقط، ولكان لا محلّ للقول "إني متوفيك".

11. استعمال الجملة الإسمية للإخبار عن واقعة مستقبلية هو تأكيد شديد على الحدوث الحتمي لها بالنسبة للمخاطب، والجملة الاسمية نفسها، بالإضافة إلى ذلك، مؤكدة تأكيدا شديدا، واسم الفاعل "مُتوفِّي" مستعمل في الجملة هنا للتعبير عن فعل مستقبلي قريب مؤكد تأكيدا شديدا، والمفعول به هو المخاطب، والجملة مطلقة، لا تقييد فيها، فالتوفي فيها هو التوفي المعلوم.

12. لقد تُوفِّي السيد المسيح التوفي الذي سأله يوسف عليه السلام عندما قال: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ }يوسف101، وهو نفس التوفي المذكور في الآية الآتية: {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} المائدة117، ولو كان قد نزل وفعل ما نسبوه إليه لأشار إليه ولو بإيجاز أو لما كان ثمة مجال للاستجواب أصلا، وآية المائدة 117 نصٌّ قطعي الدلالة على أن المسيح تُوفِّي مرة واحدة وليس مرتين أو أكثر، أما الضالون من نصارى المسلمين فيجعلونه قد توفي مرتين.

13. وهل كان هؤلاء يريدون أن يقول الله تعالى لرسوله في موقف كهذا: "إني مميتك"؟؟!! بل لقد قال بعضهم كلمة أشد من ذلك!! إن التعبير بالتوفي هو الأجمل والأكرم في موقف كهذا، أما الرفع فهو رفع النفس إلى محلها اللائق بها عند ربها، فالأنبياء أولى من الشهداء بأن يكونوا أحياءً عند ربهم يرزقون، والرفع يتضمن أيضًا حفظه وحفظ جسمه أيضا فلا يصلون إليه.

14. ما معنى "يُتَوَفَّوْنَ" في الآيات {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير} [البقرة:234]، {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيم} [البقرة:240]، {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُوْلَـئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِين} [الأعراف:37]؟ وما معنى "نَتَوَفَّيَنَّكَ" في الآيات الآتية: {وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُون} [يونس:46]، {وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَاب} [الرعد:40]، {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُون} [غافر:77]؟ والآن اقرؤوا: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) رَبَّنَا آَمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54) إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55)} آل عمران، هل يوجد أي إشكال؟ بالطبع لا، المعنى واضح تماما، لقد حُسِم الأمر، وتم إبلاغ الرسالة، واتضحت المعالم، وآمنت طائفة الحواريين وحدها، وأعلنوا أنهم أنصار الله، وكفرت الطائفة الأخرى، وأحكم الذين كفروا تدبيرهم، وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ، وطالما تمَّ الأمر فقد انتهت مهمة الرسول، ولكن لابد من نجاته من الذين كفروا الذين أحاطوا به، أعلن الله تعالى له أنه متوفيه، وأخبره أن ذلك ليس من باب النقمة بل هو رفع له ولمكانته، وأكَّد له أنهم لن ينالوا منه كما أخبره من قبل: {...وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (110)} المائدة، فرغم شدة تحديه لبني إسرائيل وحملاته عليهم لم يستطيعوا أبدا أن ينالوا منه، وقد طمأنه الله على مصير من اتبعوه، أما تفاصيل ما حدث فليس للناس علم بها، كل ما في الأمر أنه باختفاء المسيح عن أعين الناس أشاع بنو إسرائيل أنهم قتلوه، قال تعالى: {وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا} [النساء:157]، فما زعمه بنو إسرائيل أنهم قَتَلوا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ، ولقد تولى القرءان تكذيبهم كما نفى عنه ما أشاعه آخرون من أنه صُلِب، وأكد أن الأمر كله اشتبه عليهم، وبيَّن أن الناس ليس لديهم علم بحقيقة ما حدث، وليس لديهم إلا الظنون والتخرصات.

15. وبالنسبة للمحسوبين ظلمًا على الإسلام من الذين كفروا بالقرءان، والذين لا يقيمون له ولا لأدلته وزنا ويريدون الدليل من المرويات على أن التوفي يكون مقترنا بالموت، ها هي مروية نزول عيسى: (قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا همام ، أنبأنا قتادة ، عن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد ، وإني أولى الناس بعيسى ابن مريم ; لأنه لم يكن بيني وبينه نبي ، وإنه نازل ، فإذا رأيتموه فاعرفوه: رجل مربوع إلى الحمرة والبياض، عليه ثوبان ممصران ، كأن رأسه يقطر وإن لم يصبه بلل ، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويدعو الناس إلى الإسلام، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، [ ص: 458 ] ويهلك الله في زمانه المسيح الدجال ، ثم تقع الأمنة على الأرض، حتى ترتع الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان بالحيات لا تضرهم، فيمكث أربعين سنة، ثم يُتوفَّى ويصلي عليه المسلمون")، هل رأيتم؟ "ثم يُتوفَّى ويصلي عليه المسلمون"!

16. وقولهم بأنه رُفِع بجسمه حيا إلى السماء هو نفسه عقيدة النصارى مصاغة بطريقة مموهة، وهو يتضمن تجسيما لله تعالى وتشبيها له بخلقه، وهو سبحانه منزه عن أن يحل في مكان ليجلس فيه المسيح بجانبه، فلله سبحانه الإحاطة المطلقة بالأكوان وبكل أطر الزمان والمكان، والسماء ليست بمكان مادي، ولا كوكب يقيم الله سبحانه على سطحه، أما المسيح عليه السلام فمكان نفسه مثل مكان من خلوا قبله من الرسل على تفاوت بينهم في الدرجات، ولو تمكن أي إنسان من الطواف بكل الأكوان لما وجد جسم المسيح إلا مدفونا في مكانٍ ما من هذه الأرض، ولن يجده أبدا جالسا بجسمه بجوار ربه!!!! ذلك ظن أطفال النصارى ومن تابعهم من المسيحيين المسلمين!!!!

*******