حرف الحاء

حتمية انتصار المؤمنين

أركان النصر المذكورة في القرءان هي:

  1. الإيمان بالله كما تحدث عن نفسه في كتابه، وعليه مصداقا لذلك أن يتولاه وأن ينتصر له وأن يجعل نفسه من حِزْبه.

  2. ذكر الله، وهو الإحساس الصادق بالحضور الإلهي مهما كانت الظروف والأحوال، ويصدقه ما يصدر عن الإنسان من أقوالٍ وأفعال.

  3. تقوى الله، وهي ما يترتب على الذكر بالمعنى المذكور من مشاعر وأحاسيس وأقوال وأفعال.

  4. الفقه، وهو على المستوى الفردي يعني تفوق الملكات الذهنية والإدراك الشامل للسنن الإلهية والكونية، وعلى المستوى الجماعي يتضمن التفاعل الإيجابي بين الملكات الفردية.

  5. الصبر، وهو على المستوى الفردي يعني متانة البنيان النفسي وما يترتب على ذلك من قدرة على الصمود ومواجهة العوامل المثبطة والمحن وتحدي الصعاب، وعلى المستوى الجماعي يعني متانة بنيانها العام، وهذا يتضمن وجود شبكة متينة من العلاقات والارتباطات بين الجماعة.

  6. التواصي بالحق والتواصي بالصبر.

وكل ذلك يستلزم أصلا وجود الأمة المؤمنة التي اجتمعت فيها الشروط اللازمة للأمة، حتى وإن لم تتحقق بالمدى الأمثل.

إن أمة المؤمنين التي اجتمعت فيها أولا شروط الأمة، كما اجتمعت في أفرادها كافة الشروط القرءانية اللازمة للنصر من الإيمان وذكر لله تعالى والتقوى والفقه والصبر (بالمعاني القرءانية)، لا يمكن أن تُهزم إلا هزيمة عابرة، ولكن لابد من أن يُختَم لها بالنصر، وذلك لتقدمها على خصومها من حيث المرتبة، فهي تهزم عدوها لا محالة كما يهزم الشاب اليافع طفلاً صغيراً مثلاً.

والمؤمن العضو في أمة تزعم الإيمان يُعامل أيضا وفق المقتضيات العامة لتلك الأمة، وذلك لأنه ما من أمة تنشأ إلا وينشأ بإزائها كتاب يحصي عليها أعمالها كأمة، ويُنظَر في أمرها في كل حين وفقا لأعمالها المحصاة عليها، وبالرجوع إلى   القوانين والسنن يحكم عليها ، ويكون ذلك الحكم بمثابة القضاء الذي لا محيص عنه بالنسبة للأفراد، فإذا ما اقتضت القوانين ابتلاء أمة بالفقر مثلا، فإن ذلك الفقر يكون بالنسبة للمؤمنين تكفيرا عن ذنوبهم ورفعاً لدرجاتهم وقد ينجِّيهم الله تعالى بأن ييسِّر لهم أسباب الهجرة إلى   بلد أكثر ثراء مثلاً، أما المؤمنون الصادقون فهم الأعلون وهم المنصورون كما جاء في القرءان.

فنسق القوانين الخاص بالأمة له السيادة على نسق القوانين الخاص بالأفراد، قال تعالى:

{ وَاتّقُواْ فِتْنَةً لاّ تُصِيبَنّ الّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصّةً وَاعْلَمُوَاْ أَنّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}‏ (الأنفال : 25 )،

فالآية تبين أنه إذا شاع الظلم في أمة فإن الفتنة قد تصيبهم جميعا، حتى إن أولئك الذين لم يشتركوا في الظلم قد يصيبهم أذاها.

ومن هنا وجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووجب عمل الصالحات والتواصي بالحق  وبالصبر والنصح للجميع، كما وجب إشاعة نوع من العبادات الجماعية، ووجب عقاب أهل البهتان وقائلي الزور وكاتمي الشهادة والمجاهرين بالمعاصي والعاملين على إشاعة الفواحش والترويج لها، ومن هنا أيضا أوجب الله على نفسه أن يذكر في ملأ من ذكره في ملأ، فإن دعوة الناس إلى الله تعالى هي أحسن القول، وهي عبادة قائمة بذاتها يُثابُ المرء عليها ويذكره الله تعالى بها في الملأ الأعلى، وهذا يعني أنه يصبح محبوباً لدى الملأ الأعلى ينصرونه ويؤيدونه ويعملون على صلاح أمره.

أما الجماعة المؤمنة فهم الأعلون وهم المنصورون طبقًا للقوانين والسنن كما جاءت في القرءان، قال تعالى:

{وكانَ حَقَّاً عَلَينا نَصْرُ المُؤمِنِين} (الروم : 47)، وقال: {وأَنْتُمُ الأَعْلَونَ إنْ كُنْتُم مُؤمِنين} (آل عمران: 139).

ولقد اقتضت السنن الإلهية أن يكتب النصر النهائي للرسول ولمن آمن به واتبعه من قومه وأن يهلك من تصدى لرسالته، فمن أراد أن ينتصر فليجعل نفسه من أتباع الرسل وليتأسَّ بهم في دعوتهم إلى   الله وجهادهم في سبيله.

إن من أراد الانتصار والغلبة والفلاح عليه أن يجعل نفسه من حزب الله بأن يتولى الله ورسوله والذين آمنوا،

{وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُون} [المائدة:56].

*******

قال تعالى:

{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إلى قَوْمِهِمْ فَجَاؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِين} [الروم:47]

عندما يأتي الرسول قومه فإنهم ينقسمون إلى   فئات أهمها:

  1. المؤمنون الذين آمنوا بما أُنزل عليه وتحققوا به حتى صار الإيمان سجية لهم وصار اسم المؤمنين عَلَمًا عليهم يُعرفون به، وهؤلاء سينصرهم الله تعالى بمقتضى سننه التي هي مقتضيات أسمائه الحسنى.

  2. الذين أجرموا، وهؤلاء لم يكتفوا بتكذيبهم لرسولهم، وإنما عملوا أيضًا بمقتضى كفرهم، فتفننوا في إيذاء المؤمنين واضطهادهم ومحاولة فتنتهم في دينهم، وهؤلاء يعرضون نفسهم للانتقام بمقتضى السنن.

فلأقوام الرسل أحكامهم الخاصة، فالفصل في أمرهم يتم في هذه الحياة الدنيا، ذلك لأن رسلهم أتتهم بالبينات اللازمة لكي يؤمنوا.

*******