من هدي القرءان الكريم

سورة الأنعام

سورة الأنعام 3

{وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُون} [الأنعام:3]

القول "اللّهُ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُون" قول محكم ظاهر المعنى، وهذا المعنى الظاهر مترتب على أنه سبحانه هُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ، فهو سبحانه الحاضر المطلق، وحضوره حضور ذاتي مطلق، ولكن هذا الحضور يتعالى علوًّا مطلقًا عن كل المفاهيم والتصورات والإدراكات، فهو حضور يتعالى عن أن يتقيد بالإطار الزماني المكاني لهذا العالم، وهو لذلك الحضور يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُون، ويعلم السرّ وأخفى. 

ولا يجوز تقييد هذا الحضور بسمة من السمات، أو بفعل من الأفعال، فهو حاضرٌ بذاته، وبذلك، ولذلك، هو حاضر بمنظومات أسمائه وسماته.

فالإشارة هنا إلى محض الحضور الذي يكون بالنسبة للإنسان المعية العامة المشار إليها في قوله تعالى: 

{... وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير} [الحديد:4]، {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم} [المجادلة:7]

والآية من آيات الذكر، وبالاشتغال بها يزداد إحساس الإنسان بالمعية الإلهية وبالحضور الإلهي.

*****

إنه هو الله في السماوات والأرض، وفي كل العوالم اللطيفة والكثيفة، المحكمة والمفصلة، فالهوية الذاتية تتجلى هناك بكل لوازم الاسم "الله" من أسماء وسمات وأفعال، فهو لذلك المنفرد بالإلٰهية في السماوات وفي الأرض، وهذا ما يوجب عليهم القيام بحقوق هذا الاسم؛ أي القيام بحقوق كل منظومة الأسماء الحسنى.

ولذلك فهو يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُون، فله منظومة أسماء العلم والإحاطة، وله المعية الذاتية والحضور الذاتي مع كل ما خلق، فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.

وفي الآية إشارة إلى أن في كيان الإنسان ما يناظر السماوات والأرض.

وهذا ما يوجب على الإنسان القيام الخاص بحقوق المعية الذاتية، وجماع كل ذلك هو التحلي بالتقوى والتطهر من كل ما يناقضها.

وما يكسبون هو إشارة إلى كل آثار ونتائج أفعالهم الاختيارية.

ويجب على المؤمن أن يذكر نفسه دائمًا بهذه الحقائق، وأن يُذكِّر بها غيره.

***

الآية تشير إلى حضوره الذاتي المطلق في السماوات والأرض، والمشار إليه بالمعية في قوله تعالى:

 {.... يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير} [الحديد:4]، {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم} [المجادلة:7]

والاسم "الله" هو الاسم الذي يشير إلى الذات "النفس" الإلهية من حيث اتسامها بكل الأسماء التي اقتضت كل الأشياء، وقولهم إن معناه هو المعبود بحق أو ما إلى ذلك لا يؤدي معناه، فاسم الكائن يكون من حيث ذاته وكيانه، لا من حيث ما يجب على الآخرين أن يفعلوه تجاهه.

*****

والآيات الثلاث الأولى من هذه السورة هي من آيات الذكر التي يجب أن يلهج بها الإنسان وأن يذكر بها ربه، كما يمكن أن يذكره بجمل واردة فيها، وهي:

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ

هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ

وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ

1

1.png