حرف الفاء

الڤاندال والأريوسية

الآريوسية هو مذهب وضعه آريوس السكندري بناءً على تفسيره لبعض ما ورد في الإنجيل والعهد القديم، وعقيدته الأساسية تختلف عن العقيدة الأرثوذوكسية، ومن أجل الردّ عليه كان انعقاد أول مجمع مسكوني، وهو مجمع نيقية بأمر الإمبراطور الروماني قسطنطين، وقد انتصر هذا المجمع لعدوه اللدود (القديس) الكسندروس الأول پاپا الإسكندرية، وقد أصبح قانون الإيمان كما صيغ في مجمع نيقية، وفقًا لعقيدة ألكسندروس وتلميذه أثناسيوس السكندري هو ما تتفق عليه كل الطوائف المسيحية الكبرى.

والكسندروس الأول پاپا الإسكندرية هو بطريرك الكنيسة القبطية الأرثوذكسية التاسع عشر (313-326 م)، وهو قديس في الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية والكنيسة الأرثوذكسية المشرقية والكنيسة الكاثوليكية، وعقيدته كانت تقوم على الإيمان بأزلية الابن ووحدته مع الأب في الجوهر، موضحًا أن بنوته للأب طبيعية وفريدة وليست بالتبني، ولذلك دعا الصديقة مريم بـ"والدة الإله"، ولإثبات ذلك يقول "إذا كان الابن هو كلمة الله وحكمته وعقله، فكيف وُجد زمن لم يوجد فيه؟! هذا كمن يقول بأنه وُجد زمن كان فيه الله بلا عقل وحكمة"!!!!

فهو يختلق قولًا ثم يتخذه مقدمة لإثبات ما يحلو له!!!!

والمشكلة أن كلامه لا يتسق مع عقيدتهم، فكل أقنوم من أقانيم الثالوث هو عندهم إله كامل موصوف لوحده بكل الصفات الإلهية، فلا مبرر لكي يجرد منها "الأب" لإثبات وجود الابن!

أما آريوس فقال بأنه خلال مرحلةٍ ما من المراحل لم يكن الأب والابن والروح القدس متحدين ببعضهم البعض، فعلى الرغم من أن يسوع موجود قبل إنشاء العالم بيد أنه قد خُلِق والروح القدس بأمر من الأب، أي أنه وإن كان إلهًا فإنه ليس إلهًا كاملا، وأقل من الله بنقطتي الأزلية والجوهر، وذلك بمعنى أن الابن، والذي يُطلَق عليه في اللاهوت اسم "الكلمة"، كائن مخلوق من العدم بإرادة الأب.

فالأب والابن والروح القدس يشكلون ثلاثة أقانيم متباينة فيما بينها، وليست متساوية من حيث الجوهر، حيث أن الروح القدس يخضع للابن الذي بدوره يخضع للأب، وعلى الرغم من أن الأقانيم الثلاثة تشترك في الطبيعة الإلهية إلا أن هذه الطبيعة متباينة في جوهرها، فالابن والروح القدس ينبثقان من الأب ويقبلان منه كيانيهما، إذ يعطي ذاته لهما، فهما يظلان بصورةٍ ما مرؤوسين للأب، فهم وإن كانوا آلهة لا يمتلكون الكيان الإلهي المطلق، فالأب ذو جوهر متعالٍ وأرفع من الابن الذي بالرغم من كونه إلهًا يبقى في درجة أقل منه في السلطة والمجد.

لاحظ قوله "ينبثقان"، مخالفًا بذلك العقيدة الأرثوذوكسية التي تقول بأن الابن وُلِد، أما الروح القدس فقد "انبثق"، فالأب هو الذي وَلد، والابن هو الذي وُلِد، والروح القدس هو الذي ينطلق أو ينبثق (It is the Father who generates, the Son who is begotten, and the Holy Spirit who proceeds)

وقد استعمل هو فعل الانبثاق لإثبات تغاير الطبيعة بين الأب وبين الابن، ولكنهم لم يبالوا بهذه التفرقة، فناقضوا أنفسهم.

فالأزلية في الأريوسية هي للأب فقط، الذي هو إله العهد القديم، وحده، ذلك لأنه لو كان الابن أزليًا، فإن هذا سيقود حتمًا لاعتباره كما هو الأب مبدأً وأساسًا لكل مخلوق، وبما أن العقل لا يمكن أن يقر بمبدأين وأساسين فالابن إذًا، بالرغم من أنه موجود قبل كل الخليقة وقبل كل الأزمنة، يرتبط بالآب الذي كان قبله وأخذ منه كيانه؛ هذا يعني أن الابن لم يكن موجودًا في وقت من الأوقات، أي أنه والروح القدس معه لا يشتركان مع الأب في صفة الأزلية.

فآريوس بذلك يقر ويؤمن بالثالوث مثل سائر المذاهب المسيحية الكبرى، ولكنه يعطي مكانة أعلى للأب، ويجعل الابن والروح القدس أشباه آلهة، ويجعلهما مرؤوسين للأب.

فالقوم بتجاهلهم لكتبهم المقدسة يعمهون في الظلمات، ويَضلون ويُضلون.

وبالطبع لا يوجد ما يضطر أحدًا لتمحيص مثل هذا الكلام، ويمكن لأي شخص أن يضع العديد من أمثال هذه العقائد، ويلقي على الآخرين عبء تفنيدها.

فحسب العقيدة الأريوسية لو كان الابن أزليًا فإنه كالأب مبدأً وأساسًا لكل مخلوق، وبما أن العقل لا يمكن أن يقر بمبدأين وأساسين فالابن إذًا بالرغم من أنه موجود قبل الخليقة وقبل الأزمنة، إلا أنه يرتبط بالأب الذي كان قبله وأخذ منه كيانه، بمعنى أن الابن لم يكن موجودًا والروح القدس في وقت من الأوقات، أي أن الأقنومين الثاني والثالث لا يشتركان مع الأقنوم الأول في الصفة الأزلية.

ورفضت الآريوسية أيضًا القول بأن الابن من طبيعة الأب، وقالت إن الابن "وُلِد" بمعنى "خُلِق" من الأب مباشرة أما سائر المخلوقات الأخرى فقد خلقت بالابن وبإرادة الآب، والطبيعة الإلهية هي -بلا ريب- غير قابلة للتغير والفساد، لذلك لو كان الابن مخلوقًا فإن منح الآب جوهره أو جزءًا منه للابن سيؤدي إلى انقسام الطبيعة الإلهية الغير منقسمة أصلاً، لذلك فقد رفض آريوس وأتباعه مبدأ "الجوهر الواحد".

ومجمع نيقية عندما أشار إلى صفة الولادة كان يقصد إلى أن المولود يكون من جوهر والده، بينما فعل الخلق لا يجعلها كذلك، لذلك فإن استخدام مصطلح: "مولود من الأب قبل كل الدهور" كما جاء في قانون الإيمان النيقاوي لا يشير إلى الخلق بل إلى أن الآب والابن من جوهر إلهي واحد، جَوهَر واحِد؛ نفس الجوهر ὁμοούσιος ، هومسيوس، بمعنى أن الابن من ذات جوهر الآب.

وقد اقترح آريوس أن يضاف حرف إلى مصطلح هومسيوس بحيث يصبح معناها محورًا من ذات جوهر إلى شبيه جوهر.

فالكلمة عند آريوس موجودة بفعل إرادي من الأب، ولكون الابن مخلوقًا فهو بطبيعته قابل للتغير جسدًا ونفسًا، فهو بذلك أدنى من الأب، ولكنه أقدس جميع الخلائق، إذ لا يمكن أن يخلق كائن أعلى منه.

أما مجمع نيقية فقد كان حازمًا، وأدان آريوس ووصف مذهبه بالهرطقة والقائلين به بالهرطقة، فعقيدته تصف المسيح بأنه أزلي له نفس جوهر الإله الأب؛ أي أن لهما نفس الجوهر الإلهي؛ أي إنهما Consubstantial، وبالتالي فهما متساويان في الألوهية، هذا القول تم تبنيه في المجمع لتوضيح العلاقة بين المسيح وبين الإله الأب في الهيئة الإلهية، وهذا القول هو العقيدة التي تتبعها كل الطوائف المسيحية الرئيسة Major Christian denominations.

فالطوائف المسيحية عمومًا تشير إلى أن مصطلح “ابن الله” هو إشارة إلى كون يسوع وهو "الابن المتجسد"، و"الكلمة التي أخذت جسدًا" من ذات جوهر الآب، ولا يشير المعتقد المسيحي إلى أنه “ابن” أو “الابن” بالمعنى البشري المتعارف عليه.

أما آريوس فقد وجد أن البنوة لله كما وردت في العهد الجديد ليست إلا تبنيًا: الأب تبنى الابن منذ خلقه.

لكل ذلك فالآريوسية مذهب مسيحي ثالوثي، ولا تتفق مع الإسلام كما يظن المتحمسون، فالآريوسية اعترفت بألوهية المسيح، وإن قالت بأن ألوهيته مكتسبة وليست أصلا فيه.

أما ثالث أقانيم الثالوث، وهو الروح القدس، فلم يتحدث عنه كثيرا رغم إيمانه بالثالوث، فقد كان متخصصًا في شؤون الإله الابن، فقط.

وعلى العموم فالروح القدس، رغم ألوهيته، مظلوم عندهم جميعا، فمهمته الرئيسة أن يستكملوا به الثالوث، أما الإله الابن God the Son فهو الذي يحظى بأعلى درجات التمجيد، وإليه يتوجهون بالأدعية الحارة.

اجتمع مجمع الإسكندرية في عام 321 م، وندد بتعاليم آريوس وأعلن أنها هرطقة وإحداث في الدين وبدعة وضلالة، ولكن أقوال آريوس كانت قد ذاعت وانتشرت، بلغ الجدل والاضطرابات حدًّا دفع الإمبراطور الروماني قسطنطين إلى الدعوة إلى عقد مجمع مسكوني في نيقية عام 325 م، وذلك بحضور 318 أسقفًا ورئاسة ألكسندروس الأول بطريرك الإسكندرية وأوسابيوس القرطبي أسقف إسبانيا.

لدى بداية أعمال المجمع كان 22 أسقفًا مؤيدًا لألكسندروس الأول القائل بان للابن نفس طبيعة ومادة الآب، أي أنه إله كامل أبرزهم (القديس) أثناسيوس الذي غدا پاپا الإسكندرية فيما بعد.

هذا في حين أن عقيدة آريوس كانت تحظى بتأييد 16 أسقفًا أبرزهم أوسابيوس أسقف نيقوميدية وثيوانس أسقف نيقية وماس أسقف خليقدونية، أي كان هؤلاء يقولون بأن للابن لاهوت مكتسب، وأنه ليس من نفس جوهر الأب، انتهى المجمع بانتصار (القديس) ألكسندروس الأول وتلميذه (القديس) أثناسيوس، وتم صياغة قانون الإيمان المسيحي وفق ما ارتضياه.

كان أكثر ما يهم الإمبراطور قسطنطين الحفاظ على تماسك إمبراطوريته، حاول رأب الصدع واسترضاء من تمّ إصدار قرارات الحرم Excommunication  ضدهم، وهم أبرز مؤيدي آريوس، فضلًا عن آريوس نفسه، رفض (القديس) أثناسيوس أي مصالحة مع آريوس، مما عرضه لغضب الإمبراطور، تم عقد مجمع محلي وإدانته، ففرّ من الإسكندرية، وأصبح شريدًا مطاردًا، قدم الكثير من المصريين أرواحهم فداءً له، تمكنوا من إخفائه عن الرومان، انتشر الرهبان المصريون في أرجاء الإمبراطورية للترويج لعقيدة أثناسيوس، وهكذا انتقلت الرهبانية إلى أوروبا لتكرس فيها عصر الظلمات.

وعندما تحين آريوس العودة إلى مصر منتصرًا تُوفي على الطريق، بينما كانت الصلوات ترفع في كنائس مصر المؤيدة للقديس أثناسيوس طالبة موته، من الأرجح أنه قُتِل مسمومًا، فجنود العسل كانت تعمل أيضًا في الزمن القديم، تم اغتيال آريوس المكروه من الشعب ورهبانه مثلما سيفعلون بالإمبراطور جوليان الملقب بالمرتد من بعد!  

أما يوسابيوس أسقف نيقوميدية وثيوانس فقد ظلوا في القسطنطينية، وكانا مقربين من الإمبراطور، وكانا بذلك في مأمن من دعوات الجماهير العريضة، وعندما اعتمد قسطنطين قام بتعميده يوسابيوس أسقف نيقوميدية الآريوسي، أي أن الإمبراطور الروماني الذي كان أول من اعترف بالمسيحية دينًا من أباطرة الرومان، وذلك طبقًا لمرسوم ميلانو 313 م، مات آريوسيا!

وحال مصرع أريوس المفاجئ من إتمام انتصاره على أثناسيوس، واعتبرها أتباع عقيدة نيقية معجزة!

وقد تأخرت الإدانة النهائية للآريوسية، ذلك لأن الأباطرة الذين توالوا على عرش الإمبراطورية البيزنطية خلال الفترة من 325 إلى 381، كانوا آريوسيين أو شبه آريوسيين.

ساد المذهب الأرثوذوكسي وتغلب في كل أوروبا الغربية وشمال أفريقيا التي كانت تابعة للإمبراطورية الرومانية، والشعب الروماني كان يعتنق بالطبع الأرثوذوكسية الكاثوليكية، ولم تكن هذه البلاد تعرف أي مذهب آخر، بعكس الحال في المشرق؛ المركز العتيد لتصنيع الخرافات والأساطير الدينية، فكانت توجد فيه مذاهب عديدة.

ولكن القوط (الجوت) ومنهم الڤاندال اعتنقوا الأريوسية، وقد تمكنوا من احتلال جنوب غرب أوروبا على حساب الرومان بما في ذلك جنوب فرنسا وشمال أفريقيا، وكانوا هم الذين احتلوا روما ونهبوها انطلاقا من قرطاجة.

وعندما هاجم جنسريك ملك الڤاندال والآلان روما سنة 455 م لم تجد روما جيشًا يمكن أن يتصدى له، استطاع الپاپا ليو أن يحصل منه على وعد بأن يمتنع عن ذبح السكان وتعذيبهم وإحراق المدينة.

سقطت روما الكاثوليكية بسهولة، أُسلمت المدينة أربعة أيام كاملة للجند ينهبون فيها ويسلبون، تم نهب ما في المعابد من كنوز، وكان من بين هذه الغنائم المناضد الذهبية والماثلات ذات الشعب السبع، وغيرها من الآنية المقدسة التي جاء بها تيتوس Titus من هيكل أورشليم إلى روما منذ أربعة قرون، وذلك عندما قضى على ثورة اليهود الأولى ودمر أورشليم وهيكلها، تمَّ نهب كل ما كان في القصر الإمبراطوري من المعادن الثمينة والحلي والأثاث، كما تمَّ نهب كل ما له قيمة في بيوت الأغنياء، تم أسر ما لا حصر له من الرومان واستعبادهم، تمَّ تشتيت شمل الأسر الرومانية، كانت العائلة الإمبراطورية من الغنائم.

وبذلك ثأرت قرطاجنة لنفسها، على أيدي المستوطنين الجدد، من روما التي دمرتها قديما على يد جيش بقيادة سكيپيو أميليانوس في عام 146 ق. م. ولكن خفف من وطأة الانتقام أن الڤاندال كانوا مسيحيين أريوسيين.

وكان الڤاندال هم الذين أكسبوا الأندلس اسمه (الأندلس مشتقة من ڤاندالوسيا)، فالطبقة الحاكمة وشعبهم من الڤاندال كانوا أريوسيين، أما الشعب الأصلي المقهور، وهم الأغلبية الساحقة، فكانوا كاثوليك، ومن قبل الغزو العربي كانت الكاثوليكية الرومانية قد استردت قوتها فهزمت القوط في جنوب فرنسا واستسلم لها حكام الأندلس، وتكثلكوا.

*******