دائرة المعارف

حرف الألف

الإسراء

الإسراء

كان المكانُ الذي يشغله المسجد الأقصى الآن قبلةَ المسلمين الأولى، فالدين عند الله واحد؛ هو الإسلام به أُرسل كل الرسل، ولقد بدأ بصورة بسيطة ثم أخذ ينمو ويكتمل مع الزمن مواكبا لتطور الإنسان وتقدمه ودافعا إليه، وكان يتخللُ ذلك نزولُ شرعةٍ ومنهاجٍ من حينٍ لآخر لإصلاح الأحوال الخاصة بالأقوام والأمم، وهذه الشرائع والمناهج من الممكن أن تتعدد.

ولكن كان التطور يمضي باتجاه الوفاء بكل ما يلزم الإنسانية الشاملة والعالمية، ولقد بدأ الإسلام رسميًا بإبراهيم عليه السلام، وبلغ في سياق اكتماله ذروة كبرى مع موسى عليه السلام، ثم ذروة مع مجمل أنبياء بني إسرائيل ثم ذروة كبرى مع المسيح عليه السلام، إلى أن آن أوان اكتمال الدينِ وتمامه، وقد حدث ذلك بالرسالة المحمدية التي تلقاها خاتم النبيين صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ، فبلغ الدين أوجَ كماله، وأصبح رسالة عالمية للناس كافة، وقد تضمن علوما جديدة وشرائع جديدة، ونسخ ما نسخ من الشرائع السابقة الخاصة وأبقى ما أبقى، فالمسجد الأقصى هو عنوان وحدة الدين.

فالمسجد الأقصى هو قبلة المسلمين الأولى، وهو البيت الذي كان مركز الرسالات السابقة، كما كان قبلتهم ومقر اعتكاف الأنبياء، ومحور اهتمام الأمة التي كانت تحمل الرسالة، فالدين واحد، وكان المسلمون بهذا الاعتبار يتخذون المسجد الأقصى قبلة في مكة، وبعد الهجرة مكثوا على ذلك مدة 16 شهرًا تقريبًا، وكلمة "المسجد" هي بالأصالة اسم مكان، فالعبرة بالمكان وليس بالبنيان، وهذا المكان هو الذي أسرى الله تعالى بعبده خاتمِ النبيين إليه ليلا، قال تعالى:

{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} الإسراء

والمراد بـ (عبده) في القرءان كلِّه إذا وردت هكذا مطلقة بدون ذكر اسم العبد هو خاتم النبيين سيدُنا محمد وحده لا غيره، فهو العبد المطلق لله تعالى، وهو العبد المحض المضاف للهوية الإلهية، قال تعالى:

{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1)} الكهف، {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1)} الفرقان، {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (36) الزمر، {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10)} النجم، {هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (9)} الحديد

أما إذا كان المقصودُ غيرَه فلابد من ذكر اسمه، قال تعالى: {ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2)} مريم.

فالعبد المطلق المضاف إلى الهوية الإلهية هو محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِه وسَلَّمَ، والله الذي أنزل على عبده الكتاب والفرقانَ والآياتِ البينات هو الذي أسرى به، وهو الذي أوحى إليه ما أوحى عندما كان قاب قوسين أو أدنى.

ومن أسمائه العَلَمية أيضًا الاسم "عَبْدُ اللَّهِ"، قال تعالى:

{وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} [الجن:19]

والرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِه وسَلَّمَقد انتقل من مكة إلى المسجد الأقصى في أورشليم (كان اسمها في ذلك الوقت إيليا اختصارا لاسمها الروماني إليا كابيتولينا) بأمر الله تعالى، والبراق هو الكائن الذي كان لازما لحماية جسده الشريف أثناء الانتقال الحقيقي إلى هناك، وفي المسجد الأقصى (المكان) أمّ النبيين في الصلاة، وفي ذلك إشارة إلى إمامته لهم وتقدمِه عليهم.

*****

قال تعالى:

{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِير} [الإسراء:1]

فهو سبحانه الذي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى، وهو أيضًا الذي أمر موسى بأن يسري بعباده ليلا في قوله تعالى:

{فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُون} [الدخان:23]

وفي ذلك إشارة إلى أن الإسراء هو بالأجسام الحقيقية وفي نفس الإطار الزمني الخاص بهذا الكوكب الأرضي، فالإسراء بالنبي كان حقيقيا بمثل ما كان إسراء موسى بمن اتبعه حقيقيا، والفرق مع ذلك هائل، فالذي أسرى بالنبي هو الله تعالى المقدس والمنزه والذي هو عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِير، والذي أسرى ببني إسرائيل هو موسى عليه السلام.

والرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِه وسَلَّمَ قد انتقل من مكة إلى المسجد الأقصى في أورشليم (كان اسمها إليا في ذلك الوقت) بأمر الله تعالى، وكان يوجد ما يحيط بجسمه حمايةً له، وهناك أَمّ النبيين في الصلاة، وفي ذلك إشارة إلى إمامته لهم وتقدمِه عليهم، فالإسراء هو رحلة ترقٍّ في عالم الملك، أي في عالم الشهادة، وهو يتضمن استيعاب كمالات الأنبياء من حيث أنهم في عالم الشهادة، والإسراء يتضمن اختزال المكان والإشارةَ إلى نسبيته، والنص على أنه كان ليلا للتأكيد على أن الإسراء كان في عالم الشهادة، فالإسراء لم يكن رحلة منامية وإنما انتقالا حقيقيا.

ويزعم الكثير من (القرءانيين) و(المجتهدين) الجدد أن آية الإسراء خاصة بموسى عليه السلام ظنا منهم بأن الإسراء يجب أن يكون واحدا في القرءان كله!!! وهم يحاولون ليّ عنق هذه الآية لتؤيد أقوالهم.

والحق هو أنه كما قيل لموسى عليه السلام: {فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُون} [الدخان:23].

كذلك قيل للوط عليه السلام:

{قَالُواْ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيب} [هود:81].

والفرق الهائل بين آية تقول إن الله سبحانه هو الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَك حَوْلَهُ لِيُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِه وبين أن يأمر أحد الأنبياء بأن يسري بالناس هربا من العبودية أو الهلاك! ولكن المشكلة هي في هؤلاء (المجتهدين) الذين أضلهم الشيطان ودفعهم إلى إنكار اية مكرمة للرسول الأعظم!!

ويقول الكثير من (القرءانيين) و(المجتهدين) الجدد إنه لم يكن هناك مسجد في وقت الإسراء لأن المسجد الأقصى بناه الأمويون!! ولذلك يجب بيان ما يلي:

1. المسجد أصلا مكان، وليس بالضرورة بناءً، فهو المكان الذي يسجد فيه الناس لربهم، والبناء القائم في المكان قد يتهدم ويُعاد بناؤه دون أن يعني ذلك انتفاء وجود المسجد، وقد حدث ذلك للكعبة نفسها عدة مرات.

2. المسجد يستمد مكانته من أنه كان المكان الذي عمل فيه أنبياء بني إسرائيل؛ وهي الأمة الحاملة للرسالة قبل الأمة المحمدية، ففيه مثلا اعتكف زكريا ومريم ودخله المسيح عليهم السلام.

3. الأمويون بنوا المسجد في هذا المكان لعلم الناس بأنه هو المسجد الأقصى المقصود في الآية، وقد اهتم المسلمون بأمره بمجرد فتح أورشليم-القدس، والذي بدأ البناء في المكان المعلوم هو عمر بن الخطاب وليس الأمويين، وكون الأمويين حاولوا استثمار الموضوع لصالحهم ليس بحجة ضد المسجد الأقصى، كما أن إعادة الأمويين بناء الكعبة بعد أن دمرها جيشهم بقيادة الحجاج الثقفي ليس بحجة ضد الكعبة!

4. ويقول بعضهم: "وأين آثار الهيكل الذي بناه سليمان؟"، والجواب هو: "وأين ما عمله له الجن من مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ؟" إن أمر سليمان عليه السلام كله خارج نطاق المألوف، واختفاء آثاره وآثار الأنبياء كان لأن الله تعالى أراد أن يكون أمرهم غيبا عن الناس ليكون مجالا للإيمان، ومن المضحك أن يقول أحدهم إنه لن يؤمن بالنبي سليمان مثلا إلا إذا ثبت وجوده تاريخيا بالوثائق والأدلة الساطعة!!! ومع ذلك فمن يستطيع أن يجزم بأن كل آثار العالم القديم قد بقيت؟ ومن يستطيع أن يجزم أن كل ما بقي قد اكتشف كله؟

*****

والإسراء هو تجول وسفر وانتقال واعٍ حقيقي للنفس الإنسانية الحقيقية في أقطار الأرض وفي عالم الشهادة وهي في حال يقظتها وتمام وعيها لترى أيضا من آيات الله الكبرى، والأهم في هذا الأمر هو النفس بالطبع، ولا توجد مشكلة في أن تكون مصحوبة بالجسم، فكل هذه الأمور داخلة في مجال القدرة الإلهية، وهي لا تمثل أي خرق للقوانين والسنن، وإنما هي خرق للمألوف فقط، وهي مترتبة على إعمال أنساق أعلى منها، ويجب أن يعلم الناس أن الله تعالى يعيد خلق كل إنسانٍ مع الزمن، ولا مشكلة عنده في أن يعيد خلقه في مكانٍ آخر!

أما المعراج فهو صعود وتجوال حقيقي وسفر وانتقال للنفس الإنسانية الحقيقية، وهي الكيان الإنساني الجوهري، في أقطار السماوات وما فوقها وهي في حالة يقظتها وتمام وعيها لترى من آيات الله الكبرى.

ويجب العلم بأن السماوات هي عوالم حقيقية متدرجة في اللطافة والنوعية ونسق القوانين الحاكم عليها، وأنها تختلف عن الأجرام السماوية التي تشكل السماء الدنيا، والمعراج في هذه السماوات اللطيفة إلى الله تعالى لا يعني أبدا أي انتقال مادي، ولا يجوز أن يتصور الناس أن المعراج في السماوات إلى الله تعالى بمثابة رحلة فضائية، وهذا التصور المادي خاطئ ومضلل وتشبيهي.

والإسراء والمعراج هما قطبا حلقة رقي وعلو وتسامي أي نبي، لذلك فهما يتبادلان التأثير المؤدي إلى هذا التسامي والرقي.

*****

الإسراء هو رحلة ترقٍّ في عالم الملك، أي في عالم الشهادة، وهو يتضمن استيعاب كمالات الأنبياء من حيث أنهم في عالم الشهادة، والإسراء يتضمن اختزال المكان والإشارةَ إلى نسبيته، والنص على أنه كان ليلا للتأكيد على أن الإسراء كان في عالم الشهادة، والإسراء يكون بالإنسان حال كونه ذا جسم، وفي حياته هذه، قال تعالى لموسى عليه السلام: {فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُون} [الدخان:23]، وكذلك قيل للوط عليه السلام: {قَالُواْ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيب} [هود:81]

فالإسراء لم يكن رحلة منامية وإنما انتقالا حقيقيا، والقول إلى المسجد الأقصى يعني تماما المكان الذي كان فيه المسجد وليس بالضرورة البنيان، فكلمة "مسجد" في اللسان العربي هي بالأصالة اسم مكان مشتق للدلالة على مكان وقوع الفعل مثله مثل: منزل، مجلس، مجرى، مسعى .... الخ.

أما المعراج فهو صعود وتجوال حقيقي وسفر وانتقال للنفس الإنسانية الحقيقية في أقطار السماوات وما فوقها وهي في حالة يقظتها وتمام وعيها، ولابد لأول معراج أن يكون مسبوقا بالإسراء، والإسراء هو تجول وسفر وانتقال واعٍ حقيقي للنفس الإنسانية الحقيقية في أقطار الأرض وفي عالم الشهادة وهي في حال يقظتها وتمام وعيها، وهو يعبر أيضاً عن اكتمال الكيان الإنساني الظاهري واكتمال الاستعداد لبدء المعراج.

ولقد قصّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ على الناس كيف ارتقى رقيا سريعا حتى تجاوز كل المقامات والدرجات ووصل إلى المرتبة الأعلى فكان الآية الكبرى، ورأى الآية الكبرى، فرووا عنه ما استوعبوه، وظل الرواة يتناقلون شفاهيا ما رُوى عبر عشرات السنين قبل عصر التدوين، فمروية المعراج تشير إلى أصل صحيح، فلابد للنفس بعد ظهورها وبسعيها إلى ربها من الترقي من مرتبة أولية إلى مرتبة نهائية، ولابد من عمل في عالم الشهادة للوصول إلى العبودية القصوى والمرتبة العليا، ولابد من تحقق لطائف النفس بكمالاتها ومن تذوقها لمقامات من جُعلوا أئمة كل عالم لطيف، ولابد لخاتم النبيين من تجاوز كل العوالم اللطيفة والانفراد برب العالمين.

والترقي مفتوح إلى ما لا نهاية، والمقصود بالمرتبة النهائية في الرسالة هي نهاية ما يصل إليه الإنسان في حياته الدنيا.

فلقاء النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ بالأنبياء واحدا تلو الآخر ولقاؤه بكل نبي في سماء من السماوات هو إشارة إلى تحققه في حال كونه في عالم الشهادة بمراتبهم وتجاوزه لدرجاتهم، هذا مع كون كل واحد منهم وصل إلى ذروة كمالٍ معين، وأصبح في الذروة لكل من يتطلع إلى هذا الكمال ممن يتوافق معه.

والإسراء المذكور في القرءان هو بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ من المسجد الحرام في مكة إلى المسجد الأقصى في المدينة المسماة بالقدس الآن، والمقصود بالمسجد هو المعبد الذي كان يتعبد فيه الأنبياء من قبل، أي المعبد الذي صلَّى فيه المسيح ومن أتى قبله من الأنبياء واعتكف فيه زكريا ونُذرت له مريم عليهم السلام، والعبرة بالمكان، ولقد هدم الأمويون الكعبة مرتين، وكان المسلمون يحجون إلى مكانها بلا حرج، وبافتراض أن الكعبة انهارت مثلا بسيل من السيول أو لأي سبب آخر الآن لما كان هناك من حرج في الحج إلى مكانها حتى يُعاد بناؤها، وهذا ما حدث بالفعل، وقد انتقل النبي ليلا من المسجد الحرام في مكة إلى المسجد الأقصى في القدس، والعبد المطلق المنسوب إلى الهوية الإلهية في القرءان هو النبي الخاتم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ وليس موسى عليه السلام.

ولا يجوز الالتفات إلى أقوال المؤرخ أو بالأحرى المخرف د. الصليبي الذي قام بنفي الشرق الأوسط كله من مكانه وحشره في عسير في جنوب الحجاز في سبيل أن يجعل من كتاب اليهود صحيحا تاريخيا ولدحض أي حق للمسلمين في المسجد الأقصى ولفتح مجالات للكيان الصهيوني ليتوسع من بعد، كما لا يجوز الالتفات إلى شتى اقتراحات المهاوييس الجدد وعبيد الشهرة التي تطلع من حين لآخر بهذا الخصوص.

ومطلع سورة الإسراء يشير إلى انتقال حمل الرسالة إلى الأمة المحمدية وانتهاء دور بني إسرائيل كأمة حاملة للرسالة وإلى تواريخ خاصة ببني إسرائيل، ويتضمن أسرارا ورموزا متعلقة بمصيرهم يدركها المؤهلون لذلك، ومن مطالع السور يمكن استخلاص بعض الأسرار المتعلقة بالأمور المستقبلية، وقد استخلص أبو الحكم عبد السلام بن برجان تاريخ استعادة بيت المقدس أيام صلاح الدين من مطلع سورة الروم، وذلك قبل استعادته.

*****

أما الصخرة فهي أسطورة لا أصل لها، ولم يكن يجوز بناء قبة عليها أبدا، فلا وجود في الإسلام لأشجار أو صخور مقدسة، ولو كان تقديس الأشياء جائزا لكان من الأولى أن تُبنى القبة على طور سينين الذي شهد التجلي الإلهي وكان فيه كلام الله تعالى لموسى عليه السلام، أو تُبنى على مكانٍ عاش فيه النبي بالفعل وتلقى فيه الوحي مثل بيته أو غار حراء، ومن المعلوم أن القبة المبنية على ضريح النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ بناها سلطان مصر محمد بن قلاوون سنة 678 هـ ثم أعاد بناءها السلطان قايتباي سنة 888 هـ، ولم يفكر أحد من قبل هذا في أن يبني قبة هناك.

ولا شك أن الأرض التي تضم جسد النبي هي أقدس من صخرة يزعمون بلا أي دليل أنها المكان الذي انطلق منه دابة اسمها البراق إلى السماء!!!! ولا يوجد أي نص قرءاني يشير إلى أهمية خاصة للصخرة، وقولهم بأنها كانت منصة انطلاق البراق إلى السماء بحكم أنها أعلى نقطة في المنطقة هو زعم مضحك، وليس للمعراج في السماوات إلى سدرة المنتهي أية دلالات مكانية، وهي لم تكن رحلة فضائية، ويجب العلم بأن البيت الذي كان يعيش فيه النبي والمكان الذي دُفن فيه أقدس من هذه الصخرة، أما اهتمام الأمويين بهذه الصخرة وإنفاقهم الأموال الهائلة لبناء قبة عليها فكان له أهدافه السياسية أساسا، وقد كان الحافز على ذلك هو إعلان عبد الله بن الزبير نفسه خليفة في الحجاز وسيطرته على المشرق الإسلامي واستفحال أمره، ومن المعلوم أن هذه القبة مصممة ليطوف الناس بها.

*****

إن المعراج هو اسم يُطلق على مجموعة التجارب السامية التي يمر بها النبي في سعيه نحو ربه وتلقيه الوحي منه وتحققه بمراتب الكمال، وهذا التحقق يتم بكل قوى وجود النبي وكل كياناته، وقد أشارت إليها سورة النجم، ويجب العلم بأن جنة المأوى والسدرة وغيرها أجلّ من أن تكون أكوانا مادية كالأرض مثلا، ولكنها أكوان واقعية حقانية أعظم وجودا من الأرض، وكذلك المعراج هو أكثر حقانية وواقعية من كل حقائق الأرض، وعندما يتحقق الإنسان بالحياة الحقانية في الدار الآخرة سيدرك عندها أن كل حياته الدنيوية بالنسبة لها كانت كأضغاث أحلام.

أما السؤال هل الإسراء كان بالروح أم بالجسد فهو سؤال خاطئ أصلا، ويدل على جهل عريق، ومن طرحه لا يعرف الفرق بين الروح وبين النفس، وهو من نتائج غلبة التصورات المادية الإسرائيلية الأعرابية على المذاهب وطبع الناس بطابعها.

ولكون المعراج يسمو فوق كل الخبرات البشرية العادية فلا توجد تعبيرات لغوية مألوفة للإنسان تصلح لشرحه وبيانه، وكل ما يمكن هو الإشارة إليه بالرموز، ولذلك ورد ذكره في آيات متشابهات في مطلع سورة النجم.

ويجب العلم بأن كلمة "رؤيا" لا تعني بالضرورة رؤيا منامية، ومن الغريب أن المسلمين الذين من المفترض أنهم يؤمنون بالغيب ويعلمون أن النبي الخاتم كان يتلقى الوحي من عالم الغيب تغلب عليهم التصورات المادية الفجة ويكفرون حقيقة بالغيب، وهذا بالطبع من تأثير الطبيعتين الإسرائيلية والأعرابية اللتين غلبتا على المذاهب الأعرابية الأموية العباسية بشتى صورها.

أما المرويات الشائعة فقد دخلها كثير من أساطير الفرس وأهل الكتاب، ولكن ذلك لا يجوز أن يُتخذ ذريعة لنفي المعراج، فلا نبي بدون معراج!

ويجب العلم بأن التعبير عن التجارب السامية الخاصة بالمصطفين الأخيار من الناس هو فوق الإدراك العادي ولا يمكن التعبير عنها إلا بأسلوب رمزي؛ أي بآيات متشابهات!

ومرويات الإسراء تندرج في إطار بيان هذا الموضوع، فلها أصل في القرءان، فلا يجوز أبدا التكذيب بكل ما تتضمنه، لقد ذكر القرءان بكل وضوح أنه هو الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَك حَوْلَهُ لِيُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِه، وجاءت مرويات مبينة لذلك ومتسقة معه، فلا يجوز النفي المطلق لها أو التكذيب بها، وفي نفس الوقت ليس ثمة ما يلزم المسلمين بالإيمان بكل التفاصيل الواردة في هذه المرويات.

ورغم أن الرسول لم يتحدَّ أحدا بالإسراء أو المعراج إلا أن منكري النبوة في قرارة أنفسهم مصرون على أنه يجب اعتبارهما معجزتين ليتمَّ من بعد نفيهما بحجة أن الرسول لم يأت قومه بآيات أي معجزات!!! وهم في الحقيقة يتهمون القرءان بالتناقض، فالله تعالى يعتبر كتابه آية وآيات!

وكذلك طالما أثبت الله تعالى العلم ببعض الغيب لبعض رسله، وقال إنه يظهر على غيبه من ارتضى من رسول فلا يجوز لأحد نفي علم النبي ببعض الغيوب بإذن الله تعالى وإظهاره، وما المعراج إلا رحلة في عالم الغيب تجل عن الحسابات والقيود الزمكانية.

*****

إن كل تجارب السمو والرقي الجوهري يُطلق عليها إجمالا اسم المعراج (يمكن إطلاق أي اسم آخر)، ذلك لأنها تعبر عن الاقتراب الفعلي من الله تعالى (وهذا لا يعني قطع مسافات مادية)، ولابد لكل نبي من القسط الأوفر منها! ولكن المكذبين بعالم الغيب –وإن كانوا محسوبين على الإسلام- لا يأبهون بها، فهم يريدون الدين جدلا بيزنطيا أو مذهبا اجتماعيا أو مقولات يتصارعون بها مع الآخرين، النبي بشر، ولكنه مؤهل روحيا ووجدانيا ليتصل بعالم الغيب ويرى كبار الملائكة الذين لو رأى أحدهم بشر عادي لانفطر قلبه، ومنهم من يسمع مباشرة كلام ربه، ومنهم من رأى، ومَا كَذَبَ الْفُؤَادُ منه مَا رَأَى، ورأى ما يَغْشَى السِّدْرَةَ، ومَا زَاغَ الْبَصَرُ منه وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى، وبذلك كان شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا.

*****

إن المعراج يعبر عن الرقي الإنساني الجوهري بعد الوجود في عالم الشهادة، وأثناء هذا الرقي يتحقق الإنسان ذو المدى الأبعد بمقامات من سبقوه إلى عالم الشهادة واحدا تلو الآخر ويتجاوزهم واحدا تلو الآخر، ويستوعب كل تفاصيل مقاماتهم ويتعرف على الأمور الموحاة في كل عالم من العوالم اللطيفة المتتالية والمتداخلة وعلى الكائنات التي تعيش في هذا العالم وتدبره وتفصله بإذن ربها، هذه العوالم هي أكثر حقانية من هذا العالم المادي الطبيعي، ولكل واحد من الأكابر معراجه الخاص.

والتعبير عن الحقائق العليا التي هي خارج نطاق الخبرة البشرية يستلزم دقة عالية، مثلا: القول بأن المعراج هو بالجسد يستلزم القول بالتجسيد وبتقييد الإله في مكانٍ ما، وهذا غير صحيح، والناس لا تعرف قيمة النفس ولا تعلم أنها هي الإنسان الحقيقي، وفي الوقت ذاته فرغم أن رقي الإنسان ككل لا يعني أساسا إلا رقي هذه النفس وتحققها بدرجات من القرب الإلهي الحقيقي فالقول بأن المعراج بالروح (ويقصدون بها النفس) يمكن أن يجعل الناس تظن أن المعراج حلم أو رؤية ليلية!! والمعراج بداهة أكبر من ذلك بكثير، هل وضحت المشكلة؟! لذلك قلنا إن المعراج يعبر عن الرقي الإنساني الجوهري بعد الوجود في عالم الشهادة ورحلة الإنسان صعدا إلى ربه، رغم أنه لا يترتب على ذلك أي انتقال مكاني، فالله تعالى ليس محصورا في أحد أركان الكون!

ولابد لكل نبي من معراج إلى ربه، وبالطبع لابد من تشابه مثل هذه التجارب كما تتشابه النبوات في جوهرها، لذلك فوجود قصة مشابهة عند الفرس مثلا لا يجوز أن يُتخذ ذريعة لنفي المعراج النبوي، وأمور المعراج المشار إليها في آيات متشابهات في سورة النجم هي من الأمور الغيبية، ومن الإيمانيات.

وإذا كان الإسراء هو ترقٍّ في عالم الشهادة ويترتب عليه اختزال المكان فالمعراج هو ترق في عالم الغيب ويترتب عليه اختزال الفواصل الزمنية.

الإنسان هو نقطة التمييز بين عالمي الغيب والشهادة، فالأمر نسبي، وعالم ما بداخل النواة الذرية مثلا هو غيب الآن بالنسبة للإنسان، فعالم الشهادة هو هذا العالم المألوف للإنسان، ولابد له من إطار زمكاني، أما ألفاظ مثل "السماء" و"السموات" فلها استعمالات عديدة في القرءان، والسياق هو الذي يحدد معناها، والسماوات السبع المنسوبة إلى الله هي سبعة عوالم متنوعة من حيث المادة (بالمفهوم العام) ونسق القوانين الحاكم والإطار الزمكاني اللازم، ولهذه السماوات نقاط أو لطائف مناظرة في الكيان الإنساني، وكلما تيقظت لطيفة منها لدى إنسان لأي سبب من الأسباب اشتد إحساسه بكائنات العالم المناظر، ولكل عالم من هذه العوالم نبي خاص بلغ الذروة في التفاعل مع هذا العالم والتحقق بعلومه، وخُتمت به الدرجات في هذا العالم.

والمعراج هو عملية ترقٍّ وتحقق فعلي بما في هذه العوالم العلوية، وفي هذه الرحلة القدسية كان لقاء النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ بنبي هذا العالم إشارة إلى تحققه بمقامه واستيعابه لعلومه حال كونه في عالم الشهادة، وهذه العوالم للطافتها متداخلة، لا يزاحم بعضها بعضا كما هو الحال في الكائنات المادية.

وبالطبع، كانت هذه الأمور أعلى من استيعاب الرواة فأنزلوا الخبر إلى مستوى إدراكهم واستيعابهم، وأصبحت المسألة رحلة فضائية تستلزم دابة مجنحة استعاروها من التراث الفارسي الأشوري البابلي كما استعاروا تفاصيل قصة رحلة موجودة لدى الفرس الزرادشتيين.

*****

سيظل سيدنا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَفي رقيٍّ دائم إلى ربه دون أن يلحقه أحد ممن هم من دونه، لأن حقيقته أشرف وأجمع، ولذا فمداه أبعد، وترقيه أسرع، ولكنه مهما ترقى سيظل عبداً لربه، بل إن هذا الترقي يعني تحققه بمزيد من العبودية، لذلك فإنه في حالات ترقيه الإسرائية والمعراجية قد وصفه الله تعالى بالعبودية قال تعالى: {سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَىَ بِعَبْدِهِ} (الإسراء: 1)، وقال: {فَأَوْحَىَ إِلَىَ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىَ} (النجم: 10)، إن الله تعالى قد خلق رسوله الحبيب في أحسن تقويم، وأجمل فيه من صفات الكمال ومقاديره ما لا تسعه الأكوان، ثم أرسله رحمة للعالمين، ورتب من الأحداث والوقائع والابتلاءات ما هو قمين بإبراز وتفصيل ما أجمل فيه من صفات الكمال، فرآها الناس وعاينوها وعلموا أنه هو الرؤوف الرحيم المطاع الأمين الهادي البشير النذير والداعي إلى الله بإذنه والسراج المنير ذو الصفح الجميل، وكذلك هو القائد الفذ العظيم والقاضي العادل الأمين، فرأى الناس فيه المثل الأعلى والقرءان الحيّ يسعى والحجة البالغة والهدي والنور والآية الكبرى.

*****

إن ثمة تناظر بين معراج النبي المشار إليه بعبارات متشابهات في أول سورة النجم وبين ما حدث لموسى في سينين، فالأفق الأعلى يناظر الوادي المقدس طوى، والسدرة العلوية تناظر الشجرة، والوحي العلوي الغامض المسكوت عنه يناظر الكلام المسموع المذكور في القرءان، والدنو والتدلي يناظر التجلي، وما يغشى السدرة المشار إليه يناظر التجلي للجبل، وصدق رؤية الفؤاد وثبات البصر يناظر ما حدث لموسى عندما تجلى ربه للجبل، والفرق بين النبيين الكريمين هو الفرق بين الأمرين.

*****

إن الرسول قد روي للمستمعين كيف أسرى به وكيف عرج به إلى السماوات وما فوقها، وكانت الرواية طويلة وتتضمن تفاصيل لا عهد لأحد بها وليس لديهم ربما الألفاظ التي تعبر عن تلك التجربة غير المألوفة، ولكن الأمر واضح وضوحا إجماليا، فالوقائع المرئية تبين كيف تحقق النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ بكمالات من سبقه من الأنبياء تحققا ذوقيا واستوعبها وكيف تجاوزهم واحدا بعد الآخر، فهو ارتقى من حيث المقام والدرجة وفقا لمقتضيات الحكمة الإلهية، وذلك الرقى حدث بالطبع مرة واحدة ولم يكن ثمة داع لتكراره، ومنظومة أسماء الحكمة والتي تتضمن من المثاني الحكيم العليم والحكيم الخبير والعليم الحكيم .... تقتضي ألا يتحقق الإنسان بكل مراتب الكمال دفعة واحدة بل لابد من الترقي شيئا فشيئا، أما بعد أن تحقق بمقاماتهم واستوعب ما لديهم حق له أن يعرج مباشرة إلى ما فوق السماوات وأن يتابع سموه وترقيه إلى ما لا نهاية له من المقامات والدرجات.

ويلزم القول بأن العروج ليس برحلة مادية بالمعنى الدارج بل هو معراج للنفس السامية فهي تسمو إلى أعلى المراتب وتجول في الملكوت جولانا حقيقيا وتطالع الآيات الإلهية الكبرى مطالعة حقيقية من حيث ما اكتسبته أو ما تيقظ فيها من ملكات واستعدادات راقية يعبر عنها إجمالا بروح القدس، فما تراه النفس من حيث ذلك هي أمور حقانية وكل ذلك لا يستلزم انتقالا للجسم من مكانه.

ومما رآه ما قصه على الناس من مشاهد لمصائر الطائعين والعاصين، واختلاف الرواة في تلك التفاصيل إنما كان بسبب كثرة الوقائع وتعددها فلم يكن لفرد واحد أن يستوعب وأن يتذكر كل ما قيل خاصة وأن ما رواه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ لم يدون في محضره ولا في وقته وإنما دون من بعد ذلك كثير.

أما الصلاة فلقد كانت مفروضة منذ بداية البعثة النبوية وإنما حدد عددها في معراجٍ ذي أهمية خاصة، أما كونها خمسا في العمل وخمسين في الأجر فتلك سنة إلهية اقتضتها منظومة أسماء الرحمة والهدي، أما الحوار الذي دار بخصوص عددها فإنما كان في نفس النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ إذ تضمنت نفسه الحقيقة الموسوية والتي كانت أصلا من تفاصيل حقيقته، فلما تحقق بها واستوعبها في المعراج انتقلت إليه بالضرورة كل خبراتها وأذواقها وتجاربها، وبالتالي فهو لم يكن مضطرا للتنقل بين ربه سبحانه وبين موسى عليه السلام، ذلك لأن الله سبحانه محيط بالمكان والأكوان، وإنما دار الحوار في نفسه بين مقتضيات حقيقتين في أمر فوِّض إليه أصلا تحديده وفقا لخبراته وخبرات من سبقه والتي اكتسبها بالعروج والرقى، ثم حسم النداء الإلهي الأمر وثبت بذلك كونه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ قد أُرسل رحمة للعالمين، والتفاصيل التي أوردوها غير صحيحة، ولكن لها أصل هو التخفيف عن الأمة.

أما توزيع الأنبياء على السماوات فهو للدلالة على أن السماوات ليست كطبقات بناء مادي مثلا وإنما هي عوالم لطيفة تتفاوت في اللطافة كما تتفاوت أيضا في النوعية والقوانين والمقتضيات، لذلك لا يتحتم بالضرورة أن تعلو إحداها الأخرى بالمفهوم المكاني الدارج أو أن يحتوى الأعلى منها الأدنى إذ أنها غير مقيدة بالإطار الزمكاني المألوف وإنما يمكن أن تتجاور وأن تتداخل كما أن وجود نبي في سماء أعلى أو أدنى لا يعنى أفضليته المطلقة على نبي آخر وإنما هو بيان بالكيان اللطيف الذي كان غالبا عليه وللاسم الإلهي الذي يربه ويتولى أمره، ومن الجدير بالذكر أن الكيان الإنساني الجوهري يتضمن ما يناظر تلك السماوات السبع من اللطائف والتي يكون كل منها من مادة السماء المناظرة، ويلاحظ أن السماوات السبع شيء والسماء الدنيا شيء آخر.

أما وجود باب لكل سماء فإشارة إلى نقاط الاتصال والتداخل بين كل عالم والعالم الآخر والتي يمكن من خلالها الانتقال من عالم إلى عالم آخر، وفى ذلك أيضا إشارة إلى ضرورة إتيان البيوت من أبوابها.

والأرض نفسها مكونة من طبقات، وتوجد بوابات أو فتحات أو نقاط اتصال وانتقال فيما بينها.

أما الطَرْق فإشارة إلى ضرورة أن يصدر فعل إيجابي من الإنسان حتى يتم له ما يريد، فلكي يغفر له مثلا لابد أن يعرف أن ربه غفور رحيم ولابد أن يستغفره، أما الاستئذان بنفس الكيفية وبنفس الكلمات فإشارة إلى ثبات القوانين والسنن المتعلقة بالآداب فالترقي لا يجعل الإنسان في حل من أداء الواجبات والتمسك بالآداب.

وما رُوى عن الإسراء والمعراج يبين علو درجته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ على سائر الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين، وكذلك يبين علو درجة جبريل عليه السلام على خواص الأنبياء المرسلين، وهو يبين أيضا أنه طالما كان الإنسان حيا فإن فرصته في العلو والترقي تظل قائمة، ولذلك فإن خواص البشر نظرًا لطبيعة الإنسان يمكنهم تجاوز درجات ومراتب ومقامات كثير من الملائكة والذين خلق كل منهم في مقامه المعلوم في حين ندب الإنسان إلى السعي للتحقق بكماله والفوز بالدرجات العلى، ويتبين من أمر الإسراء والمعراج أن رؤية آيات الله الكبرى تكون على مراتب بحسب درجات الرقى الإنساني، وأعلى تلك المراتب أن يرى الآيات بأشد حواسه كشفا وهى البصر ويراها كلها دون أن تشغله آية عن الأخرى، فلا يزوغ البصر ولا يطغى، أما المرتبة التي تسبق الرؤية البصرية والتي تعنى الانكشاف التام للأمر المدرك فهي الرؤية الفؤادية أي من حيث الجانب الواعي من القلب الإنساني الذي يتضمن كافة الملكات القلبية من جانبها الإرادي أي الذي يمكن للإنسان توجيهه ويكون على وعى تام بمدركاته.

لذلك فالإنسان يكون على وعى بمجال إعمال الفؤاد، وهذا المجال يتضمن أساسا الكيانات الأمرية، فالرؤية الفؤادية ألطف من الرؤية البصرية، فبالفؤاد يرى الإنسان المعاني والأفكار كما هي ويدرك الأمور التي ليست لها صورة يتعلق بها الإدراك البصري كما يرى الكيان الأمري من كل كائن الرؤية الملائمة، أما الإدراك البصري فيعنى انكشاف الأمر تماما بالنسبة إلي الرائي وإن كان لا بد له من صورة لا تقترب من حقيقة الكيان إلا بقدر رقي الإنسان، ويمكن للإنسان الحريص على تزكية نفسه وتحقيق كمالها إذا ما سمت مرتبته أن يتحقق له الإدراك البصري في النهاية، أما الإدراك الفؤادي فهو للصفوة من أولى الألباب وقد يكون متبوعا بالإدراك البصري.

*****

الإسراء بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَك الله حَوْلَهُ هو كما تقول السورة تماما؛ أي إن الإسراء تم به كله؛ بنفسه وجسمه، وكان هذا يستلزم حماية الجسم بآية إلهية، وهي بالطبع لم تكن دابة مجنحة، هذه الدابة المجنحة استعارها القصاصون من التراث الأشوري البابلي الفارسي.

وقد عرج بالرسول مرات لا حصر لها إلى السماوات العلى، وكان أولها قبل الإسراء، وبه تحقق بما هو أصلا مقدر له.

وفي أول معراج طاف الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ في الملكوت؛ أي في عالم الغيب المتعدد الأبعاد، وعرج إلى ربه وارتقى وتجاوز في ذلك درجات الأنبياء، وتذوق في كل مرحلة كل كمالاتهم الجوهرية وتحقق بها واستوعب خبراتهم واستوعب كمالاتهم في عالم الغيب كما استوعبها من قبل في عالم الشهادة.

ثم تحقق بدرجات أئمة الملأ الأعلى وتجاوزها إلى أن وصل إلى المكانة العليا مرتبة انفراده بربه التي لا يُنطق بها ولا يمكن لمخلوق أن يتخيلها أو أن تخطر بباله.

أما السؤال هل كان ذلك بالروح أم بالجسد فليس بسؤال صحيح، وكان عليهم أن يستبدلوا فيه بالروح النفس، ولا يدرى أحد كيف استمروا يرددون مثل هذا السؤال طوال أربعة عشر قرنا دون أن يفكروا في ماهية السؤال ذاته والذي هو خطأ محض، والحق هو أن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله سَلَّمَقد وصل بذاته وكل كيانه إلى المكانة العليا وعاين التجليات العظمى بكل قوى وجوده، وتلك التجليات ليست بذات صورة، ولكن التجلي إذا اشتد فسيدركه الإنسان بكل كيانه ولطائفه وحواسه وستترجمه كل حاسة إلى أسمى ما لديها، فيتعلق البصر بنور جميل باهر ويتعلق السمع بأعذب الأصوات وبأعذب الكلام، وذلك في حين أنه يري بدون عينين ويسمع بدون أذنين، فالنفس الراقية لا تكون بحاجة إلى حواس الجسد.

ويجب العلم بأنه قد ثبت تماما أن واضعي المرويات من الفرس قد أدرجوا في مروية الإسراء والمعراج كثيرا من أسطورة كانت معرفة لديهم مما أعطى الفرصة لأعداء الله تعالى للتطاول على الإسلام والتشكيك في موضوع الإسراء وفي الإسلام ذاته، وكان ذلك بسبب عبيد السلف والمرويات، فيجب على محترفي التكسب بالدين العودة إلى كتاب الله تعالى والكف عن ترديد أساطير الفرس.

وحقائق الإسراء والمعراج هي أشد حقانية من حقائق الوجود المادي المألوف، بل إن حقائق الوجود المادي تبدو كخيالات وأوهام أو كسراب بقيعة مقارنة بحقائق الإسراء والمعراج!

*****

1