سورة الملـك

سورة الْمُلْكُ 16

أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ

المراد هنا بالسماء المعنى الأصلي المطلق للفظ وليس المعنى المقيد المقابل للأرض، فلفظ السماء لغويًّا هو اسم معنى، فالسماء هي معنى أو سمة أو صفة كالبهاء والصفاء والنماء، فهي لا تعنى بالضرورة الأجرام الفلكية.

ولذا فالآية تصفه سبحانه بأن له العلو المطلق واللطف المطلق، فليست السماء هنا مكانا يحصره، ذلك لأنه من المعلوم طبقا للآيات أنه خالق السماوات كلها وهو الذي استوى إليها فقضاهن سبع سماوات وأوحى في كل سماء أمرها، وهو الذي أمرها أن تأتيه طوعا أو كرها فأتته طائعة، فكيف يتخيل السلفية والمشبهة بعد هذا البيان أنها من الممكن أن تحده أو تحصره؟

فالآية تبين أن له العلو المطلق واللطف المطلق، لذلك فله الحكم والقهر على كل ما هو دونه، ولذا فكيف يعصونه ويظنون في الوقت ذاته أنهم في مأمن من عذابه؟

ويلاحظ أنه بالنسبة للإنسان فإن نفسه هي في السماء بالنسبة إلى جسمه المقيد بالأرض، ولذا فللنفس السيادة والتحكم والسيطرة على الجسم.

فالقول بأنه سبحانه في السماء يعنى أنه في شأن معين هو التجلي بالعلو والقهر والغلبة، قال تعالى عن نفسه:

{يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ} الرحمن29،

ففي آيات كثيرة لا يعنى الحرف (في) الوجود في مكان، بل هو يبين كونهم في حالة لائقة بهم ومناسبة لهم، ولقد قال تعالى:

{بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} ص2، {ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ}البقرة176، {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} فصلت52، وقال: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطا مُّسْتَقِيما} النساء175، {وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ}الشورى8، {وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِين} [الأنبياء:86].

وللآية معان أخرى، فإن القضاء يقدر ويتعين أولا في الكيانات اللطيفة وتتلقاه هنالك الملائكة الموكلة، ويكونون بذلك محله من الوجود وفى الوجود، فهو يتكون ويتعين فيهم أي في قلوبهم فهم آلات الحق التنفيذية، ويتنزل الأمر من الكيان الألطف إلى الكيان الأكثف إلى أن يصل إلى الأرض فيتحقق.

ولقد قال سبحانه:

{وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ(3)} (الأنعام: 3)

وتلك الآية ترد على من زعموا أنه في السماء بالمعنى المكاني، والسماوات هنا هي العوالم اللطيفة والعلوية المقابلة للأرض، فليس ثمة تقييد مكاني هنا فإن القول بأنه في مكانين متقابلين يعنى أنه فوق المكانين وأنه منزه عن مقتضيات كل منهما فله الاحاطة التامة بهما.

ولقد بين المعنى وفصَّله بقوله

{وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ(84)} (الزخرف: 84)،

فالسماء والأرض مجالي إلاهيته ومجال تفصيلها وسلطانها، أما هو من حيث ذاته فله الاحاطة بكل ما خلق ولا يتقيد بالزمان أو المكان أو المقتضيات اللغوية، ومن العجيب أن يتصور الحشوية وعبدة الأسلاف أنه في السماء بالمعني الحرفي الدارج وهم يقرءون أن الأرض جميعًا قبضته يوم القيامة، والسماوات مطويات بيمينه.

ومن المعلوم بالطبع أنه توجد سماء مقابلة للأرض بالنسبة للإنسان، فالأرض هي ما يحمله أو يقله، والسماء هي ما يعلوه، ولذلك يطلق لفظ السماء أيضا على السحاب مثلا وعلى كل الأجرام السماوية.

أما الحرف "في" فيأتي بمعانٍ عديدة حسب العبارة والسياق، فهو يأتي: للظرفية المكانية، للسببية والتعليل، بمعنى على، بمعنى إلى، بمعنى مع، للتأكيد، لبيان الحالة ... الخ

ومن البديهي أنه عندما يأتي في عبارة تتعلق بالذات الإلهية أن يؤخذ في الاعتبار العلو الإلهي المطلق فوق كل المفاهيم والتصورات البشرية والإحاطة الإلهية المطلقة بالزمان والمكان.

 *******