من هدي القرءان الكريم

سورة آل عمران

سورة آل عمران 2أ

اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ {2}

هذه الآية الجليلة هي من آيات التوحيد، وهي بكليتها تشير إلى اسمٍ إلهي من الأسماء العظمى.

وهي أيضًا تذكر اسمًا من الأسماء الإلهية العظمى ومن أسماء النسق الأول وهو المثنى: "الْحَيّ الْقَيُّوم"، والمثنى هو اسم إلهي يشير إلى سمة إلهية واحدة يقتضي التعبير عنها استعمال لفظين عربيين كل منهما يشير إلى سمة متميزة، وهذا الاسم يشير إلى سمة ذاتية واحدة تفصيلها الحياة الحقيقية والقيام بالذات وقيام كل ما هو من دونه به، وهذه السمة هي من السمات العظمى التي انفرد الله تعالى بها؛ فلا شريك له فيها، أما كل ما هو من دونه فإنما حياته به وله وقيامه به وله.

فهو سبحانه الحي القائم بنفسه قيامًا ذاتيا والذي قام به كل شيء، فهو القائم على كل شيء، وهو القائم على كل نفس بما كسبت، فلا وجود لشيء إلا به ولا قيام له إلا به، فهو الذي يمد كل كائن بأسباب وجوده وبقائه في كل وقت وحين، وهو الذي قرن كل ماهية أو حقيقة بالمواد اللازمة لإظهارها وتحققها لكي تمارس مهامها المنوطة بها.

وهو القائم بالتدبير، لذلك عنت له الوجوه إذ هي تعلم أنها قائمة به فهي المفتقرة دائما إليه، ولذلك فهي بلسان حالها مسبحة بحمده عابدة له، وإنما سيظهر الأمر لكل الناس من عرفه ومن جهله يوم القيامة.

إنه على المسلم أن يتذكر دائمًا أن ربه هو الحي حين لا حيّ في ديمومية ملكه وبقائه، فعليه أن يلوذ بالحي الباقي ليبقى وليحيى قلبه فيحيى هو حياة الأبد، فعلى المسلم أن يتوكل على ربه الحي وألا ينشغل عنه بالفانين الآفلين، وعليه أن يتذكر أيضا أن ربه هو القيوم فلا يفوته شيء من علمه ولا يؤوده حفظه، فهو القائم بذاته الذي قام كل شيء به، وحفظ الأكوان هو أهون عليه وأيسر مما يجب أن يبذله الإنسان من جهد ليحافظ على بعض الأفكار أو المعلومات في ذهنه، وقد ينسى الإنسان معلومةً ما فتكون قد انتهت بالنسبة إليه وإن لم تنته بالنسبة إلى غيره، أما الله سبحانه فهو لا ينسى، ولو افتُرِض المستحيل ونسي شيئًا ما لذهب هذا الشيء لتوِّه إلى العدم، فعينُ حفظ الله للشيء هو عينُ علمه به هو عين حفظه له.

وعلى المسلم أن يعلم أن الله هو القيوم القائم بذاته والذي قام به كل شيء غيره، والذي لا يفوت شيء من علمه ولا يئوده حفظه، ولا يئوده حفظ أي مخلوق من مخلوقاته.

إن هذه الآية هي من آيات القرءان العظمى التي اختص الله تعالى بها نفسه، ولم يذكر فيها شيئا عن غيره، فالآية العظمى لا يرد فيها إلا أسماء وشؤون وقوانين وسنن إلهية، فهي تتضمن بذلك لبّ الإيمانيات الإسلامية.

والواجب على المسلم أن يذكر ربه بهذه الآية، فبالمداومة على ذلك يكتسب قلبه مددًا من الحياة الحقيقية الجوهرية، وكذلك يجب عليه أن يشهد لربه بما شهد به ربه لنفسه، إيمانًا به وتسليمًا له، وبذلك يكون على الطريق للتحقق بمرتبة أولي العلم.

*******

1

1.png