دائرة المعارف

حرف الميم

المعراج

المعراج

قال تعالى:

{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِير} [الإسراء:1]

{وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18)} النَّجْمِ

{إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22) وَلَقَدْ رَآَهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (23)} التكوير

المعراج هو صعود وترقٍّ وتجوال حقيقي وسفر وانتقال للنفس الإنسانية الحقيقية، وهي الكيان الإنساني الجوهري، في أقطار السماوات وما فوقها، وهي في حال يقظتها وتمام وعيها لترى من آيات الله الكبرى، مثل هذا المعراج لا علاقة له بالإطار الزمكاني الخاص بالعالم المادي، ولا يستلزم حصانا مجنحا، ولا اعتلاء صخرة كمنصة انطلاق، ولكن القصاصين من السلف المنحرف نقلوا قصة فارسية أشورية مع إضافات تلمودية ودسوها في التراث المقدس.

والإسراء هو تجول وسفر وانتقال واعٍ حقيقي للنفس الإنسانية الحقيقية في أقطار الأرض وفي عالم الشهادة وهي في حال يقظتها وتمام وعيها لترى أيضًا من آيات الله الكبرى، والأهم في هذا الأمر هو النفس بالطبع، ولا توجد مشكلة في أن تكون مصحوبة بالجسم أو غير مصحوبة به، فكل هذه الأمور داخلة في مجال القدرة الإلهية، وهي لا تمثل أي خرق للقوانين والسنن، وإنما هي خرق للمألوف فقط، وهي مترتبة على إعمال وسريان أنساق أعلى منها.

والإسراء والمعراج هما قطبا حلقة رقي وعلو للكيان الإنساني، لذلك فهما يتبادلان التأثير المؤدي إلى هذا الرقي.

*****

كلمة "معراج" على وزن مفعال.

واسم الآلة يأتي على وزن "مفعال"، ولكن صيغة "مِفعال" هي أيضًا من صيغ اسم الفاعل المؤكد، وهي تدل على من يكثر منه الفعل.

فيمكن القول بأن صيغة اسم الآلة منقولة لاسم الفاعل للتأكيد الشديد بمعنى أن الفاعل قد أصبح بمثابة آلة لإصدار الفعل.

كما يمكن القول بأن اسم الآلة هو أساسًا للدلالة على خاصية الآلة ووظيفتها.

فإذا كان فاعل الفعل يمارس الفعل كعادة له، وكأنه آلة لإصداره فإنه يوصف بأنه مفعال، ومن ذلك:مفتاح، معوان ومعطاء ومدرار.

ولذلك فلكلمة معراج دلالتان:

1. هي اسم فاعل مؤكد لفاعل الفعل "عرج"، وذلك لكونه يمارس الفعل كعادة مؤكدة له، وكأنه آلة لإصداره.

2. هي اسمٌ لآلة العروج نفسها، مثلما يكون المفتاح آلة للفتح.

ومن هنا جاءت التسمية "الإسراء والمعراج"

ويجب العلم بأن العمليتين مستقلتين تمامًا.

وعروج الرسول إلى السماوات العلى وإلى جنة المأوى وسدرة المنتهى حيث رأى ما رأى، وحيث رأى من آيات ربه الكبرى هو أمرٌ ثابتٌ بالقرءان، وقد تم التعبير عنه بآيات متشابهات لأنه فوق مدارك وتصورات الإنسان.

سيقول السفهاء: "ولماذا تم في القرءان نفي إمكانية أن يرقى بسلم في السماء؟"

نعم رُفِض طلب كفار قريش أن يأتيهم بآية وفق مفهومهم، أي آية حسية مادية، كما تعلموا من اليهود، وقيل لهم إنهم لن يؤمنوا إذا رأوا هذه الآية الحسية، ولن تزيدهم رؤيتها إلا كفرًا وعنادًا فيصدر عليهم الحكم بالإبادة والاستئصال كما حدث مع الذين من قبلهم.

أما الآيات الحقيقية الباقية فكانت تنزل على الرسول بينهم، فلم يقيموا لها وزمنًا، مع علمهم بأن الإتيان بمثلها فوق طاقة البشر.

والسفهاء من الفريقين، أي المنكرين للمعراج والمصدقين للمروية بصورتها التراثية يستبطنون الظن بأن الأمر مادي بحت، وأن رب العالمين مقيم في مكانٍ ما، وأن الأمر كان يستلزم رحلة طبيعية فيزيائية لكي يصل الرسول إلى الحضرة الإلهية، وهم لم يفقهوا الدلالات المختلفة لكلمات مثل "سماء" و"سماوات"، وهم بذلك أثبتوا أنهم بدائيون حسيون مثلهم مثل عتاة وأئمة الكفر القرشيين.

وبعضهم ينكر المعراج بحجة أن الرسول لم يُزود بأي آية يريها لقومه، ولذلك فإن (معجزة) المعراج لم تحدث.

وهذا أيضًا من الخلط المعيب، فهم يزعمون أن المعراج معجزة بالمعنى الذي يقصدونه هم والغوغاء، ثم بنفونه بسبب تصورهم هم!

يجب العلم بأن عروج الرسول إلى السماوات العلى وإلى جنة المأوى وسدرة المنتهى حيث رأى ما رأى، وحيث رأى من آيات ربه الكبرى هو أمرٌ ثابتٌ بالقرءان، وقد تم التعبير عنه بآيات متشابهات لأنه فوق مدارك وتصورات الإنسان.

ولكن الرسول لم يتخذ من هذا الأمر حجة على قومه ليطالبهم بالإيمان، ولم يُطالبهم الله في كتابه بالإيمان بسببه، ولم يقل لهم ائتوا بمثل هذا المعراج، مثلما فعل في التحدي بالقرءان.

تحداهم بالقرءان لأنهم كانوا عربًا أقحاح، وكان فيهم الشعراء المجيدون، فلم يستطيعوا الإتيان، ولو بسورة منه، فأقيمت عليهم الحجة، ورغم ذلك لم يؤمنوا.

فالمعراج هو أمرٌ خاص بالرسول، لم يأت في القرءان أي تحدٍّ به للناس، ولم يُطالبوا بالإيمان بسببه، ولم يقل الرسول نفسه إنه (معجزة) بالمعنى الذي كان يقصده كفار قريش والمجتهدون الجدد والعامة والدهماء.

*****

إن المعراج هو صعود وتجوال حقيقي وسفر وانتقال للنفس الإنسانية الحقيقية في أقطار السماوات وما فوقها وهي في حالة يقظتها وتمام وعيها، ولابد لأول معراج أن يكون مسبوقا بالإسراء، والإسراء هو تجول وسفر وانتقال واعٍ حقيقي للنفس الإنسانية الحقيقية في أقطار الأرض وفي عالم الشهادة وهي في حال يقظتها وتمام وعيها، وهو يعبر أيضًا عن اكتمال الكيان الإنساني الظاهري واكتمال الاستعداد لبدء المعراج.

ولقد قصّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ على الناس كيف ارتقى رقيا سريعا حتى تجاوز كل المقامات والدرجات ووصل إلى المرتبة الأعلى فكان بذلك الآية الكبرى، ورأى الآية الكبرى، فرووا عنه ما استوعبوه، ولكن عدم التدوين أدى إلى اندثار أكثر الأخبار، وظل الرواة يتناقلون شفاهيا ما تبقى منها عبر عشرات السنين قبل عصر التدوين.

ولما كان القرءان قد تكلم بإيجاز شديد عن الإسراء بالرسول إلى المسجد الأقصى، وعبَّر عن المعراج بآيات موجزة متشابهات فقد لجأ القصاصون لتلبية طلبات الناس وإلحاحهم إلى اختلاق وقائع وإلى استيراد أساطير من تراث الفرس وأهل الكتاب لمضاعفة حجم القصة إلى أقصى حد ممكن.

كما لعب التعصب المذهبي دورًا في صياغة الآثار الخاصة بقصة الإسراء، ويظهر ذلك عندما زعموا أن قريشا استعانت بأبي بكر بن أبي قحافة ليتأكد من صدق وصف الرسول للمسجد (الذي كان مكانه في الحقيقة خاليًا في ذلك العصر لقيام الرومان بمحوه محوا تامًّا من قبل)، وكان من الأولى بالطبع ألا تأتي الشهادة من رجل يعلمون أنه مؤمن بالرسول، وكان في قريش من غير المؤمنين في ذلك الوقت من يمكن أن يتحقق من وصف المسجد غير الموجود أصلًا، فالرحلة إلى الشام في الصيف كانت تقليدا قرشيا راسخا.

فواضعوا المروية لم يكن يعنيهم أي منطق أو اتساق، فهم كانوا يعلمون أن جمهورهم هو من عبيد (الصحابة) من الدهماء والسفهاء والغوغاء.

واختلاق حكاية الوصف الدقيق للمسجد الأقصى في المروية يدل على تاريخ هذه الإضافة، فقد حدثت بالتأكيد بعد إتمام بناء المسجد الأقصى، والانتهاء منه كان في عهد الوليد بن عبد الملك الأموي، فالإضافة حدثت بعده بزمنٍ كاف.

فمروية المعراج تشير إلى أصل صحيح، فلابد للنفس بعد ظهورها وبسعيها إلى ربها من الترقي من مرتبة أولية إلى مرتبة نهائية، ولابد من عمل في عالم الشهادة للوصول إلى العبودية القصوى والمرتبة العليا، ولابد من تحقق لطائف النفس بكمالاتها ومن تذوقها لمقامات من جُعلوا أئمة كل عالم لطيف، ولابد لخاتم النبيين من تجاوز كل العوالم اللطيفة والانفراد برب العالمين.

والترقي مفتوح إلى ما لا نهاية، والمقصود بالمرتبة النهائية في الرسالة هي نهاية ما يصل إليه الإنسان في حياته الدنيا.

والإسراء المذكور في القرءان هو بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ من المسجد الحرام في مكة إلى المسجد الأقصى في المدينة المسماة بالقدس الآن والتي كان اسمها إيليا في ذلك العصر، والمقصود بالمسجد هو المعبد الذي كان يتعبد فيه الأنبياء من قبل، أي المعبد الذي صلَّى فيه المسيح ومن أتى قبله من أنبياء بني إسرائيل الذي كان هو خاتمهم واعتكف فيه زكريا ونُذرت له مريم عليهم السلام.

والعبرة إنما هي بالمكان وليس بالبنيان، ولقد هدم الأمويون الكعبة مرتين، وكان المسلمون يحجون إلى مكانها بلا حرج، وبافتراض أن الكعبة انهارت مثلا بسيل من السيول لما كان هناك من حرج في الحج إلى مكانها حتى يُعاد بناؤها، وهذا ما حدث بالفعل.

وقد انتقل النبي ليلا من المسجد الحرام في مكة إلى المسجد الأقصى في إيليا (القدس)، والعبد المطلق المنسوب إلى الهوية الإلهية في القرءان هو النبي الخاتم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ وليس موسى عليه السلام، ولا يجوز الالتفات إلى أقوال المخرف البروتستانتي د. الصليبي الذي قام بنفي الشرق الأوسط كله من مكانه وحشره في عسير في جنوب الحجاز في سبيل أن يجعل من كتاب اليهود صحيحا تاريخيا ولدحض أي حق للمسلمين في المسجد الأقصى.

كذلك لا يجوز الالتفات إلى شتى اقتراحات المهاوييس الجدد وعبيد الشهرة التي يقذفون الناس بها من حين لآخر بهذا الخصوص، ومطلع سورة الإسراء يشير إلى انتهاء أمر بني إسرائيل ويتضمن أسرارا ورموزا متعلقة بمصيرهم.

*****

إن من أثاروا في أمر الإسراء والمعراج مشكلة الجسد والروح لا يعلمون ما المراد بالروح أصلا، والحق هو أن الإنسان موجود بأنانيته His I-ness ونفسه، والنفس هي الإنسان الحقيقي المخاطب والمكلف، وحركة النفس الواعية في أقطار السماوات والأرض هي أمر كاف تماما للإنسان وهو يختلف تماما عن الرؤى المنامية اللاإرادية، وهو يختلف أيضًا عن تيقظ ملكة الخيال وإدراكها للعوالم اللطيفة، فالمعراج يعبر عن أمرين، رقيّ النفس الإنسانية واقترابها الواعي من ربها وتجاوزها المقامات والدرجات صعدا إليه، وكذلك التجوال الواعي للنفس الحقيقية في أقطار السماوات لرؤية الآيات الكبرى فيها.

ومن العجيب أن يجادل الناس في أمر المعراج ويزعمون أنه كان بما أسموه بالروح فقط مع أن الآية تقول: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى}، لذلك فالنبي الكريم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ رأى ببصره ما يعز على غيره أن يراه ببصيرته، بل إنه لكماله ظل بصره متعلقا بالمشهد الأعلى ولم يفتتن بما هو دونه من آيات وتجليات.

ولا يعني هذا أنه يمكن رؤية الذات الإلهية العلية بالعين المعروفة وإنما يدرك العبد بكيانه الجوهري تجليا إلهيا فيغني ذلك عن الحواس الظاهرة والباطنة فهي ليست إلا آلات للتمهيد لذلك الإدراك، فإذا ما تحقق بدونها فليس ثمة حاجة إليها، فالإدراك الكياني يؤدي إلى عين ما جعلت الحواس آلات لتحصيله، ويترجم الكيان مشهده إلى ما كان من المفترض أن تفصِّله الحواس.

***

أما الصخرة فهي أسطورة لا أصل لها، ولم يكن يجوز بناء قبة عليها أبدا، فلا وجود في الإسلام لأشجار أو صخور مقدسة، ولو كان تقديس الأشياء جائزا لكان من الأفضل أن تبنى القبة على مكانٍ عاش فيه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ بالفعل وتلقى فيه الوحي مثل بيته أو غار حراء (ومن المعلوم أن القبة الخضراء المبنية على ضريح النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ بناها سلطان مصر قايتباي سنة 888 هـ)، أو لكان من الأولى أن تُبنى القبة على طور سينين الذي شهد التجلي الإلهي وكان فيه كلام الله تعالى لموسى عليه السلام، ولا يوجد أي نص قرءاني يشير إلى أهمية خاصة للصخرة.

وقولهم بأنها كانت منصة انطلاق البراق إلى السماء بحكم أنها أعلى نقطة في المنطقة هو زعم صبياني مضحك، ويجب العلم بأن البيت الذي كان يعيش فيه النبي والمكان الذي دُفن فيه أقدس من هذه الصخرة وأن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ أفضل من البراق.

أما اهتمام الأمويين بهذه الصخرة وتخصيصهم خراج مصر لعدة سنوات لبناء قبة عليها فكان له أهدافه السياسية أساسا، وقد كان الحافز على ذلك هو إعلان عبد الله بن الزبير نفسه خليفة في الحجاز وسيطرته على المشرق الإسلامي واستفحال أمره، وتصميم البناء الموجود على الصخرة يكشف عن المقصد من إقامتها، ومن المعلوم أن الأمويين كانوا يخططون ليطوف الناس بها بدلا من الكعبة.

*****

إن المعراج هو اسم يُطلق على مجموعة التجارب السامية التي يمر بها النبي في سعيه نحو ربه وتلقيه الوحي منه وتحققه بمراتب الكمال، وهذا التحقق يتم بكل قوى وجود النبي وكل كياناته، وقد أشارت إليها سورة النجم، ويجب العلم بأن جنة المأوى والسدرة وغيرها أجلّ من أن تكون أكوانا مادية كالأرض مثلا، ولكنها أكوان واقعية حقانية أعظم وجودا من الأرض، وكذلك المعراج هو أكثر حقانية وواقعية من كل حقائق الأرض، وعندما يتحقق الإنسان بالحياة الحقانية في الدار الآخرة سيدرك عندها أن كل حياته الدنيوية بالنسبة لها كانت كأضغاث أحلام، أما السؤال هل الإسراء كان بالروح أم بالجسد فهو سؤال خاطئ أصلا، ومن طرحه لا يعرف الفرق بين الروح وبين النفس، وهو من نتائج غلبة التصورات المادية الإسرائيلية الأعرابية على المذاهب وطبع الناس بطابعها.

ولما كان المعراج من الأمور المتشابهات لكونه يسمو فوق كل الخبرات البشرية العادية فلا توجد تعبيرات لغوية لشرحه وبيانه، وكل ما يمكن هو الإشارة إليه بالرموز.

ويجب العلم بأن كلمة "رؤيا" لا تعني بالضرورة رؤيا منامية، ومن الغريب أن المسلمين الذين من المفترض أنهم يؤمنون بالغيب ويعلمون أن النبي الخاتم كان يتلقى الوحي من عالم الغيب تغلب عليهم التصورات المادية الفجة ويكفرون حقيقة بالغيب، وهذا بالطبع من تأثير الطبيعتين الإسرائيلية والأعرابية اللتين غلبتا على المذاهب السلفية الأموية العباسية بشتى صورها.

أما المرويات الشائعة فقد دخلها كثير من أساطير الفرس وأهل الكتاب، ولكن ذلك لا يجوز أن يُتخذ ذريعة لنفي المعراج، فلا نبي بدون معراج!

ويجب العلم بأن التعبير عن التجارب السامية الخاصة بصفة البشر هي فوق الإدراك العادي ولا يمكن التعبير عنها إلا بأسلوب رمزي؛ أي بآيات متشابهات!

ورغم أن الرسول لم يتحدَّ أحدا بالإسراء أو المعراج إلا أن منكري النبوة في قرارة أنفسهم مصرون على أنه يجب اعتبارهما معجزتين ليتمَّ من بعد نفيهما بحجة أن الرسول لم يأت قومه بآية!!! وهم في الحقيقة يتهمون القرءان بالتناقض، فالله تعالى يعتبر كتابه آية وآيات!

وكذلك طالما أثبت الله تعالى العلم ببعض الغيب لبعض رسله، وقال إنه يظهر على غيبه من ارتضى من رسول فلا يجوز لأحد نفي علم النبي ببعض الغيوب بإذن الله تعالى وإظهاره، وما المعراج إلا رحلة في عالم الغيب تجل عن الحسابات والقيود الزمكانية.

*****

إن كل تجارب السمو والرقي الجوهري نطلق عليها إجمالا اسم المعراج (يمكن إطلاق أي اسم آخر عليه)، ذلك لأنها تعبر عن الاقتراب الفعلي من الله تعالى (وهذا لا يعني قطع مسافات مادية)، ولابد لكل نبي من القسط الأوفر منها! ولكن المكذبين بعالم الغيب –وإن كانوا محسوبين على الإسلام- لا يأبهون بها، فهم يريدون الدين جدلا بيزنطيا ومقولات يتصارعون بها مع الآخرين.

إن المعراج يعبر عن الرقي الإنساني الجوهري بعد الوجود في عالم الشهادة، وأثناء هذا الرقي يتحقق الإنسان ذو المدى الأبعد بمقامات من سبقوه إلى عالم الشهادة واحدا تلو الآخر ويتجاوزهم واحدا تلو الآخر، ويستوعب كل تفاصيل مقاماتهم ويتعرف على الأمور الموحاة في كل عالم من العوالم اللطيفة المتتالية والمتداخلة وعلى الكائنات التي تعيش في هذا العالم وتدبره وتفصله بإذن ربها، هذه العوالم هي أكثر حقانية من هذا العالم المادي الطبيعي، ولكل واحد من الأكابر معراجه الخاص.

*****

إن التعبير عن الحقائق العليا التي هي خارج نطاق الخبرة البشرية يستلزم دقة عالية، فالقول بأن المعراج بالجسد يستلزم القول بالتجسيد وبتقييد الإله في مكانٍ ما، وهذا غير صحيح، والناس لا تعرف قيمة النفس ولا تعلم أنها هي الإنسان الحقيقي، وفي الوقت ذاته فإن رقي الإنسان ككل رغم أنه لا يعني أساسا إلا رقي هذه النفس وتحققها بدرجات من القرب الإلهي الحقيقي فإن الناس ستظن أن المعراج حلم أو رؤية ليلية لو قيل لهم ذلك!! وهو بالطبع أكبر من ذلك بكثير، هل وضحت المشكلة؟! لذلك قلنا إن المعراج يعبر عن الرقي الإنساني الجوهري بعد الوجود في عالم الشهادة ورحلته صعدا إلى ربه، رغم أنه لا يترتب على ذلك أي انتقال مكاني، فالله تعالى ليس محصورا في أحد أركان الكون!

***

إنه إذا كان الإسراء هو ترقٍّ في عالم الشهادة ويترتب عليه اختزال الفواصل المكانية فالمعراج هو ترق في عالم الغيب ويترتب عليه اختزال الفواصل الزمنية، أو بمعنى آخر المعراج هو رحلة في عالم أكثر أبعادا من الإسراء، وهذا ما يتيح تجاوز القيود الزمانية فضلا عن تجاوز أكبر للقيود المكانية، فالأبعاد الإضافية تؤدي بالضرورة إلى التغلب على قيود العوالم الأقل أبعادا.

*****

مطلع سورة النجم يتحدث عن المعراج، ولا نبي بدون معراج، ولا قيمة لمن ينكره أصلا، ولا ينكره إلا جاهل جهول مجهال ضال.

والمعراج هو عملية ترقٍّ وتحقق فعلي بما في هذه العوالم العلوية، وفي هذه الرحلة القدسية كان لقاء النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ بنبي كل عالم من هذه العوالم إشارة إلى تحققه بمقامه واستيعابه لعلومه حال كونه في عالم الشهادة، وهذه العوالم للطافتها متداخلة، لا يزاحم بعضها بعضا كما هو الحال في الكائنات المادية.

إن الخبرة العلوية الراقية المسماة بالمعراج -وهو ليس اصطلاحا ملزما- هي أمر فوق الإدراك البشري العادي، لابد منه لكل نبي أو ولي، والقرءان وخاصة أوائل سورة النجم يشير إليه لذلك في آيات متشابهات، يجب الإيمان بها، ولا يجوز إنكارها.

أما التفاصيل التي ألحقها الرواة بموضوع المعراج فكثير منها منقول من مروية فارسية، فهي غير ملزمة لأحد!

*****

إن ثمة تناظرا بين معراج النبي المشار إليه بعبارات متشابهات في أول سورة النجم وبين ما حدث لموسى في سينين، فالأفق الأعلى يناظر الوادي المقدس طوى، والسدرة العلوية تناظر الشجرة، والوحي العلوي الغامض المسكوت عنه يناظر الكلام المسموع المذكور في القرءان والدنو والتدلي يناظر التجلي، وما يغشى السدرة المشار إليه يناظر التجلي للجبل، وصدق رؤية الفؤاد وثبات البصر يناظر ما حدث لموسى عندما تجلى ربه للجبل، والفرق بين النبيين الكريمين هو الفرق بين الأمرين.

*******

1