حرف القاف

القانون العلمي والنظرية العلمية

القانون العلمي والنظرية العلمية


القانون العلمي يعبر بالرموز الرياضية عن ارتباط بين تصورات ومفاهيم إنسانية خاصة بإحدى الظواهر الطبيعية، وهو أمرٌ نسبي، فكلما ارتقى الإنسان وتقدم كلما أمكنه التوصل إلى تصورات ومفاهيم أفضل للتعبير عن هذه الظواهر، وهو عادة يجد من الرموز الرياضية ما يصلح للتعبير عن الارتباط بين هذه المفاهيم والتصورات، وذلك للارتباط الوثيق بين المفاهيم والتصورات المجردة وبين الظواهر التي استخلصت هذه المفاهيم منها.

فالقانون العلمي هو صورة السنة الكونية في العالم الإنساني، والسنة الكونية لا تبديل لها ولا تحويل، وهي تعمل مستقلة عن الوعي الإنساني بل عن وجود الإنسان.

*****

القانون العلمي هو علاقة افتراضية مصاغة في صورة عبارة كلامية أو مكتوبة في صورة رمزية رياضية، وهو الأغلب، تمثل الارتباطات بين مجموعة من المفاهيم والتصورات الإنسانية المستحدثة والتي تعبر عن ظاهرة طبيعية، وبحكم ذلك فإن القانون لا يمكن أن يكون نهائيا أو يقينيا، ذلك لأنه يمكن باطراد التقدم أن يفترض من بعد أو أن يصاغ قانون آخر يمثل بعلاقات رياضية أخرى يبني علي فروض مختلفة ويربط بين مفاهيم جديدة أو مستحدثة للتعبير عن نفس الظاهرة بطريقة أفضل، والقانون في كل الأحوال يجب أن يكون قابلاً للاختبار وأن يصمد لكافة الاختبارات الممكنة وذا قدرة تنبؤية.

أما النظرية العلمية فهي تتضمن نسقا متسقا من القوانين العلمية لتفسير مجموعة من الظواهر الطبيعية المترابطة، ولابد للنظرية من وجود الإنسان لأنه محل صياغتها وفقا لما أصبح مألوفا لديه من المفاهيم والتصورات ونوعية الارتباطات، ولابد لتلك النظرية من فروض ومسلمات Hypotheses and postulatesقد تتعدد مصادرها، ولكن نجاح نظريةٍ ما يستلزم صمودها لكافة الاختبارات الذهنية والعملية ولكل محاولات الدحض.

وتفشل النظرية إذا لم تستطع شرح أو تفصيل ظاهرة طبيعية تدخل في نطاقها، وقد يحتم هذا الفشل التخلي التام عنها، وقد تصبح هذه النظرية مجرد تقريب لنظرية أشمل وأعمق.

*****

إن الحقيقة لا تُخترع بل تُكتشف، وما لدى الإنسان عن الأمور الخارجية هي تصورات ومفاهيم ونظريات وفروض نظرية، وهي تتطور باطراد التقدم ورقي الملكات والمعارف الإنسانية ذات الصلة، وصدق وموضوعية وحقانية تلك الكيانات الأمرية من الأمور النسبية، ولا سبيل للإنسان إلى إدراك شيء في صورته المطلقة لأنها ببساطة لا وجود لها، فوجود أي شيء كان وسيظل أمرا نسبيا مقيدا، ولو فُرض المستحيل وهو أن يكون للشيء وجود مطلق لما عرف الإنسان عنه شيئا ولو عرفه لما استطاع أبدًا التعبير عنه، فالأشياء القابلة للتناول الإنساني نسبية مقيدة، وبالتالي فكل صورة لها أو أي تصور عنها لابد أن يكون كذلك.

ولذلك فلابد من الإبداع والاختراع عندما يكون المراد صياغة قانون علمي يعبر عن الارتباطات بين كيانات خارجية هذا مع إدراك أن الظواهر والكيانات الطبيعية والارتباطات فيما بينها لا تخترع!! وهذا ما ينطبق تماما على النظرية العلمية التي هي نسق مترابط من المفاهيم والتصورات والمسلمات والقوانين.

*****

إن المفاهيم العلمية مثل الطاقة أو المادة أو الشحنة أو الالكترون تشير إلى كيانات ثبت وجودها عن طريق ثبوت تأثيراتها، وإن كان اطراد التقدم يزيد من معرفة الإنسان وإلفه بها فتصور الإنسان عنها قابل للتطور، وكون ما لدى الإنسان عن تلك الكيانات هو تصورات لا ينفي وجودها الواقعي النسبي، فتصور الإنسان يتطور بحيث يقترب من إدراك ماهياتها الحقيقية دون أمل له في إدراك كنهها.

وبالإضافة إلى الكيانات السابق ذكرها هناك مفاهيم وتصورات تتعلق بكيفية سلوك تلك الكيانات في الإطار أو الفضاء اللازم لها، فهذا السلوك يمكن وصفه بمفاهيم مثل الإزاحة والسرعة والعجلة والمسار والطول الموجي والتردد ..... إلخ، فلا وجود لكيان بمعزل عن الفضاء المحيط به واللازم له ولا الأشياء التي يتبادل معها الفعل والتأثير، فخواصه هي إمكانات تفاعله مع الكيانات الأخري وتأثيره عليها ومن بينها بالضرورة فضاؤه الخاص به، ولا وجود لكيان بمعزل عن خواصه ولا استقلال لخواصه بدونه، وكل كيان خلقي هو مرتبط ارتباطا وثيقا بكيانٍ أمري، والإنسان لا يدرك منه إلا ما هو مستعد له، وتصورات الانسان ومفاهيمه عن كل ذلك قابلة للتطور بمعني أنه سيكون لديه دائما القدرة على إبداع مفاهيم أكثر عمومية وشمولا وحقانية ومصداقية.

*****

إن القوانين المعلومة هي مساقط وصور القوانين المتعينة والمقدرة في الكيانات ذات الأبعاد الأعلى على كيان ذي أبعاد أدنى، ولذلك فالصور يمكن أن تتعدد بمعني أن تتعدد المفاهيم والتصورات والعلاقات والارتباطات الواردة مثلما هو الحال مع قوانين الجاذبية مثلا، فقانون نيوتن يربط بعلاقة معينة بين مجموعة من المفاهيم والتصورات بينما يربط قانون أينشتين بعلاقة أخرى بين مجموعة من المفاهيم والتصورات الأخرى.

والقوانين الأساسية لا تتغير ولا تتبدل، وإنما يمكن أن يكون ثمة صورة أفضل وأكثر شمولا أو في نسق أو كيان ذي أبعاد أكثر تعددا وتنوعا أي أبعاد أعلى، وكلما اقترب الإنسان من أصل الأشياء كلما احتاج إلى اعتبار تلك الأبعاد الأعلى وإلى تبصر أعمق لحقيقتها، وللكائن ذي الأبعاد الأعلى من حيث الكيان الظاهر المتحقق الإحاطة بصفة عامة بالكائن ذي الأبعاد الأدنى بحيث لا ينحجب عنه شيء منه كما يمكنه أن ينظر إليه من حيثيات أكثر تعددا وتنوعا، والإنسان الذي يستيقظ لديه الإحساس ببعد إضافي أو يكتسب إحساسا أفضل ببعد معلوم ستزداد قدراته الإحاطية وقد لا يحجبه كيان مادي عن كيان مادي آخر فيستطيع مثلا أن يرى ما بداخل الكيانات المادية كما يرى ما بخارجها.

باختصار: الإحساس ببعد إضافي يعني مزيدًا من العلم، ومزيدا من الإحاطة، ومزيدا من الحرية، ومزيدا من المسؤولية.

*****

إن كل القوانين العلمية والظواهر الطبيعية إنما تستند إلى مبادئ هي من مقتضيات الصفات الإلهية، ومن ذلك أنه إذا كان ثمة تفاوت فيما لدى كيانين من شيءٍ ما وكان ثمة إمكانية للتفاعل فيما بينهما كان لابد من فعل مترتب على السعي إلى العودة إلى التماثل والتجانس الأصلي فينتقل الشيء من الكيان الذي لديه وفرة منه إلى الكيان الآخر، ومن ذلك أيضًا انجذاب الكيانات إلى ما جعل سببًا لوجودها أو لبقائها، وبالمثل يمكن تفسير كافة الظواهر الطبيعية الأخرى، فحركة الكواكب في أفلاك حول الشمس هو الحل الأمثل المترتب على انجذاب الكيانات إلى السبب المباشر لحياتها ووجودها مع سعيها في الوقت ذاته إلى الحفاظ على كياناتها المستقلة.

*****

القانون العلمي هو التعبير بالرموز التي يألفها الإنسان عن العلاقات والارتباطات بين تصورات الإنسان عن الظواهر الطبيعية، وهو ذو طبيعة وصفية؛ وهو يحاول توصيف الظواهر دون أن يقدم تفسيرها لها، بينما تحاول ذلك النظرية العلمية، فهو صورة رياضية مستخلصة من نتائج المراقبات المتكررة والتي يمكن التأكد منها.

والقانون العلمي يكون بصفة عامة محدودا وتقريبيا، ولا يكون صحيحا إلا في نطاقٍ محدود، ولكن طالما كان الخطأ في تطبيقه متناهيا في الصغر فإنه يظل مستعملا، ذلك لأن القوانين الأكثر دقة وشمولا تكون عادة أشد تعقيدًا وتستلزم حسابات مطولة.

وعلى سبيل المثال فقانون نيوتون للجاذبية يمثل العلاقة بين ما يسميه قوة التجاذب وبين ما يسميه بالكتلتين، دون أن يقدم تفسيرا يُذكر لهذه القوة ولا تعريفا مبنيا على أسس راسخة يمكن أن يقوم بذاته ولا يحتاج إلى تعريف أشياء أخرى لمفهوم هذه القوة أو لمفهوم الكتلة.

وقد قدم أينشتين قانونا مختلفا ليعبر عن نفس العلاقة استعمل فيها مفاهيم أخرى، منها انحناء الزمكان تحت تأثير الكتلة ليعطي نتائج أدق من نتائج قانون نيوتن، ولكن مازال قانون نيوتن يُستعمل في حقول الجاذبية الضعيفة نسبيا، وهي المألوفة للإنسان في حياته العملية.

وهذا ما حدث أيضا مع قوانين نيوتن للحركة، فرغم أن أينشتين أتى بقوانين أكثر دقة ومنطقية ومصداقية وحقانية إلا أن قوانين نيوتن الأبسط تعطي نتائج بالدقة اللازمة عندما تكون السرعات صغيرة مقارنة بسرعة الضوء، وهي الحالة المتوفرة في أكثر التطبيقات الهندسية.

وفي الكهرباء فإن قانون أوم يعبر عن العلاقة بين ما يُسمى بالتيار وبين ما يُسمى بالجهد، ولكن هذا القانون الخطي لا يصلح إلا في المواد الموصلة عندما يكون المجال الكهربي ضعيفا، وعلى المستوى الأكثر دقة فالتيار ليس إلا تعبيرا عن الحركة الجماعية لشحنات تحت تأثر مجال كهربي خارجي .... وهكذا

فالقانون العلمي يلخص في صورة عبارة كلامية أو في صورة رمزية رياضية مجموعة كبيرة من نتائج التجارب العلمية في بيان واحد أو في عدة بيانات أو على شكل معادلة.

فقانون بقاء الشحنة مثلا يمكن التعبير عنه بالقول بأنه في أي نظام معزول فإن الشحنة الكهربية ثابتة ولا تعتمد على أي تغير في هذا النظام: The total electric charge of any isolated system is constant and independent of changes that take place within the system.

أما رياضيا فيمكن في حالة توفر قدر هائل من الشحنات -بحيث يمكن إهمال الطبيعة الانفصالية Discrete nature لها- اعتبارها كغاز أو سائل والتعبير عن هذا القانون بمعادلة الاتصال أو الاستمرارية The continuity equation المستعملة للتعبير عن قانون حفظ المادة في ميكانيكا الموانع Fluid mechanics، وهي معادلة تفاضلية تعطي العلاقة بين معدل تغير الشحنة الكلية في جزء من النظام ومعدل تدفق التيار منه أو إليه، وبالصورة الكلامية فالقانون ينص على أن التيار المتباعد من جزء صغير من النظام لكل وحدة حجم يساوي معدل تناقص الشحنة لكل وحدة حجم، وذلك عند كل نقطة.

والقانون العلمي مدعوم بقوة بالأدلة التجريبية واتُّبع في استنتاجه المنهج العلمي، ولو على المستوى النظري، فهو يعتمد على المعرفة العلمية للتجارب التي تحققت بشكل متكرر والتي لا يمكن أن تزوَّر أبدا.

والقانون العلمي قد يظهر أو ينتج نظريا؛ أي كنتيجة الحل النظري لمجموعة من المعادلات، ومن ذلك مثلا قانون ثبات سرعة الضوء وكونها تساوي مقلوب الجذر التربيعي لحاصل ضرب ثابتين فيزيائيين؛ هما سماحية ونفاذية الفراغ The permittivity and the permeability of vacuum، فقد تم استنتاج ذلك من حلّ معادلات ماكسويل Maxwell’s equations في الفراغ، وقد تمَّ إثبات ذلك عمليا من بعد، وقد ثبت بذلك أيضًا أن الضوء هو موجات كهرومغناطيسية Electromagnetic waves، وكان كل ذلك من أسس وأركان الاكتشافات العلمية المذهلة والطفرات التكنولوجية الهائلة التي حدثت من بعد.

وقد تملي ضرورة الاتساق بين القوانين المعلومة تعديل صياغة المعادلات التي كانت معروفة مثلما حدث من ماكسويل James Clerk Maxwell عندما أضاف ما يُسمَّى بتيار الإزاحة The displacement current إلى المعادلة التي تربط بين شدة المجال المغناطيسي وبين كثافة التيار، وتيار الإزاحة هذا لم يكن إلا تعبيرا عن معدل تغير المجال الكهربي، وبذلك ثبت أن هذا التغير يؤدي إلى إنتاج مجال مغناطيسي، ولكن طبقا لمعادلة أخرى من نفس المعادلات فإن تغير المجال المغناطيسي يؤدي إلى إنتاج مجال كهربي، وهكذا يؤدي حل المعادلات إلى تولد موجات كهرومغناطيسية تنتشر في الفراغ بسرعة الضوء المعروفة، وثبت أن الضوء نفسه ينتمي إليها، وقد تمَّ إنتاج الموجات الكهرومغناطيسية وأحدثت ثورة هائلة في مجال الاتصالات وفي كل فروع العلم والتكنولوجيا، وبذلك تحقق بعض أكبر الاكتشافات العلمية في تاريخ البشرية.

*****

النظرية العلمية هي تفسير أو مجموعة من التفاسير لظاهرة طبيعية معينة، وهي أمر موضوعي قائم على مجموعة قوية من الأدلة والمشاهدات والاختبارات، وهي قابلة للاختبار والتمحيص بل والدحض، وتتبع نفس المنهج العلمي الذي يتبعه القانون العلمي، ولكنها ذات طبيعة "تفسيرية" للظاهرة، فهي تحاول ذكر أسباب الظاهرة، أما القانون العلمي فتغلب عليه الطبيعة الوصفية أو الشرحية للظاهرة، فهو يصف الظاهرة بدون ذكر سببها، وإذا كان مجاله الفيزياء مثلا فيمكن التعبير عنه بالمعادلات الرياضية، ويمكن للنظرية العلمية أن تتطور وترتقي لتصبح قانونا علميا أيضا بحيث يمكن استخدامها للتنبؤ بنتائج التجارب ذات الصلة.

فالنظرية العلمية هي عبارة عن مجموعة من النصوص والمعادلات التي تقدم تفسيرا للأحداث والظواهر الطبيعية التي قام العلماء بوضعها عن طريق المشاهدة والتجربة، فتكون القدرة على إخضاع النظرية العملية وتقديمها للتفسيرات للأحداث العلمية جزءًا أساسيًّا لوصفها بذلك. ومن أهم السمات التي تميز النظرية العلمية هي قابليتها للخطأ والصواب فلا تكون النظرية العملية ثابتة ولا شك فيها بل إنّ العديد من النظريات يتم إخضاعها للتجربة وتفنيدها، وتكون النظرية العلمية في العموم مؤقتة ولا تصف الواقع بشكل دقيق كليّاً إذ إنّها قابلة للتكذيب أو التطوير مع مرور الزمن.

ومعادلة أينشتين للجاذبية تعطي العلاقة بين ممتد الانحناء في الزمكان The curvature tensor وبين ممتد الطاقة-الزخم، وبحل هذه المعادلة يمكن مثلا حساب مسارات الكواكب حول الشمس بصورة أكثر دقة مما تقدمه معادلة نيوتن، ولا يقتصر الأمر على الحصول على دقة أعلى، ولكن على تفسير أو مبرر لنشأة قوة جاذبية بين كتلتين بينما لا تقدم نظرية نيوتن أي تفسير لما يُسمى بالتأثير عن بعد أو على مسافة Action at a distance.

ومعادلة الجاذبية العامة من أجمل المعادلات التي توصل إليها الإنسان، ولكن مظهرها البريء هذا يخفي وراءه تعقيدات هائلة، وهي تتنبأ بحدوث موجات جاذبية بسبب الحركة المتسارعة Accelerated motion للكتل بمثل ما تتنبأ معادلات ماكسويل بحدوث موجات كهرومغناطيسية بسبب الحركة المتسارعة للشحنات الكهربية، وقد ثبت حديثًا وجود موجات الجاذبية.

*****

حقيقة حركة الكواكب حول الشمس طبقا لنظرية الجاذبية

إن وجود كتلة كبيرة مثل كتلة الشمس يتسبب في إعادة تشكيل أو انحراف الزمكان حولها مقارنة بالحال قبل وجودها، هذا الانحراف يجسده مسار الأجسام المتحركة بحرية (أي لا تتعرض لأية قوة) في الفضاء المحيط بالكتلة كما ترسم برادة الحديد، أو تجسد، شكل المجال المغناطيسي حول المغناطيس أو كما يجسد مسار الشحنة الصغيرة شكل المجال الكهربي حول الشحنة الكبيرة.

لذلك فحركة أي كوكب حول الشمس هي سقوط حر Free fall في المجال الجاذبي للشمس، أو بالأحرى في الزمكان المنحني The curved space-time تحت تأثير الشمس، بينما يسقط النظام الشمسي سقوطا حرا في الزمكان المنحني تحت تأثير المجرة.

*****

وتختلف النظرية العلمية عن الحقيقة والقانون العلمي، فمن الممكن أن يتم إثبات خطأ أي نظرية أو ما يُظن أنه حقيقة علمية بعد عدد من السنين، فما لا جدال في صحته في أيامنا هذا قد يكون هو نفسه الخطأ الأعظم بعد عدة أجيال، لكن الحقيقة هي عبارة عن ظاهرة أو حدث يمكن ملاحظته وقياسه وتم إثباته باستمرار عن طريق التجارب المختلفة، أمّا القانون العلمي فهو محاولة وصف هذه الظواهر الكونية باستخدام طرق عدة كالمعادلات الرياضية أو النصوص.

أمّا النظرية فهي محاولة تفسير السلوك أو الظواهر للمواد في الكون عن طريق الأدلة التي نحصل عليها من الحقائق في العادة، فعلى سبيل المثال يمكن اعتبار سقوط الأجسام إلى سطح الأرض حقيقة ثابتة، وقد أوجد العالم إسحاق نيوتن القانون العلمي الذي يفسر هذه الظاهرة وهو ما يعرف بقانون الجاذبية، أمّا النظرية التي تقوم بتفسير هذا السلوك فهي نظرية الجاذبية، وقد قدم نيوتن قانونه ونظريته، ثم أتى أينشتين بما هو أدق وأقدر على تفسير ما فشلت فيه نظرية نيوتن، ومع ذلك يمكن اعتبار نظرية نيوتن كتقريب أولي لنظرية أينشتين، وهي تتميز بأنها أبسط وتعطي نتائج مقبولة في جلّ الأحوال في هذا الكوكب، وذلك يبين أن من شروط النظرية الناجحة أن تستوعب ما سبقها من نظريات وأن تقدم تفسيرا لسبب نجاحها الجزئي السابق.

*****

القانون العلميّ هو تعبير عن علاقات بعبارة كلامية قد يمكن تمثيلها رياضيًّا، وقد تم استنتاجه بناءً على البيانات النّاتجة عن التّجارب وصحّته في الغالب تكون مقيّدةً بمجموعة شروط.

أمّا النّظريّة العلميّة فهي صياغة تتضمن توليفا لمجموعةٍ من الأدلّة أو الملاحظات حول ظاهرةٍ معيّنةٍ في سياقٍ عامٍّ يفسّرها، ويجب أن تكون هذه النّظريّة قابلةً للاختبار، وفي الغالب لا يمكن تمثيل هذه النّظريّة في شكلٍ رياضيّ.

يعتمد كلٌّ من القانون والنّظريّة العلميّة على العناصر الأساسيّة للمنهج العلميّ Scientific methodوالّتي تتكوّن من العناصر التالية: وضع فرضيّة (بعد ملاحظة ظاهرةٍ معيّنة)، ثم اختبار هذه الفرضيّة، ثمّ الوصول أو عدمه إلى دليلٍ تجريبيٍّ يدعم الفرضيّة ثم أخيرًا النتيجة، ويجب أن يكون بمقدور العلماء الآخرين الوصول إلى نفس النّتائج الّتي توصّل إليها صاحب الفرضيّة لتتحقّق المصداقيّة والدّعم العالميّ للنّظريّة، ويجب أن تفسر النظرية كل الظواهر التي تقع في نطاقها، ويجب أن تكون لها مقدرة تنبؤية وإذا كان هناك نظرية سابقة عليها متعلقة بنفس الظاهرة يجب أن تفسر وجودها، وهي تفشل إذا فشلت في تفسير ظاهرة واحدة.

وتصور القانون عند الفلاسفة قد يختلف جوهريا عن تصور الفيزيائيين، ففي الفلسفة يعبر القانون غالبًا عن كل ما هو سببي النتائج تنبؤي الاتجاه، وبالتالي إذا ما تحدث الفيلسوف عن الفوضى فإنه يعني بذلك كل ما يخرج عن الإطار التعريفي للقانون السببي، وكل ما ليس بالإمكان معرفته من حيث المبدأ، ومن ثم كل ما ينتمي إلى دائرة الارتياب والشك غير المعروف حتى لحظة صياغته.

أما في العلم لا سيما الفيزياء، فقد دخل مفهوم اللامتعيّن صلب الفهم العلمي للقانون، دون أن يعني ذلك التناقض بين المفهومين، حيث أصبح من الطبيعي أن تدخل جمل لا سببية وإحصائية في صياغة القوانين العلمية في الفيزياء الحديثة.

بالمقابل يمكن التحدث عن وجود بعض التقابل بين الإشكاليات المعرفية في الفلسفة وما يوازيها وإن بشكل خارجي من التصورات الفيزيائية، فالفيلسوف كانط، الذي أكد عدم قدرة العقل المحض على معرفة الظواهر في ذاتها، أو غير الملموسة بالمعنى الميتافيزيقي، قد يتقابل مع مبدأ هايزنبرغ في الارتياب القائم على فكرة عدم إمكانية المعرفة الدقيقة لموقع وحركة العناصر في عالم ما تحت الظواهر الميكروسكوبية، فالفيزيائيون يحملون بطبيعة عملهم نوعا من الفلسفة العملية، وهو لدى  أكثرهم شعور تقريبي جاهز بالحقيقة الواقعية، أي اعتقاد بالواقعية الموضوعية لأسس نظرياتهم العلمية، ومع ذلك فإن طريقة اقتناعهم وحسهم النقدي يسير بشكل مخالف تماما للطريقة التي يتبعها الفلاسفة الذين يبتعدون عن المنحى المباشر التجريبي في تحليلاتهم للعلم، فهناك فرق بين اكتشاف القوانين علميا وتقويمها الفلسفي، العملية الأولى لا يقوم بها إلا العالم، والثانية خاصة بالفيلسوف، دون أن يؤثر ذلك بالضرورة على مسيرة العالم التجريبية أو تصوره لبنية العالم.

ومن بديهيات أو مسلمات فلسفة العلم أن هناك قوانين تكمن وراء هذا الواقع المألوف، ولولا ثقة الإنسان بذلك لما كان لجهود أجيال هائلة ومتتابعة من العلماء أي معنى، وفي ذلك حجة بالغة على من يُحاولون إرجاع كل شيء إلى ما يسمونه بالصدفة، بل إن المتغيرات العشوائية خاضعة بدورها لقوانين ذات طبيعة مختلفة، ولذلك فإن موقف العلماء الملحدين ينطوي على تناقض مضحك، فالعالم الحقيقي لا يمكن أن يكون ملحدا، ولا يمكن أن يستند إلحاده إلى حقيقة موضوعية، وإنما هو حالة نفسية ورغبة شخصية.

وليس من الضروري أن تكون تلك القوانين مفهومة تمامًا أو منسجمة مع تصورات الإنسان، بل إن الإنسان يُضطَّر إلى اختراع مفاهيم وتصورات بقدر الضرورة.

ورؤية العالم الموضوعي، المحكوم بقوانين مثالية للطبيعة، توجد بطريقة ما في دائرة وراء المكان والزمان العاديين، عميقة، ويوجد اعتقاد سائد بأن قوانين الفيزياء المعتمدة تتخلل جنبات الكون بشكل كامل، بحيث أن نفس القوانين التي سادت لحظة الخلق هي التي تتواجد حاليا، وهذا الاعتقاد يبقى رغم كل شيء عبارة عن فرضية علمية، ظل العلماء ولا يزالون يسعون إلى إيجاد إثباتات لها عن طريق الملاحظة، وقد لا يكون في الواقع، هناك قانون لنظام كوني موجود مسبقا وبانتظار أن يُكتشف، والإنسان لا يرى الأشياء إلا في إطار منطقه المستخلص من عالمه المألوف، وهو يحاول أن يملي على مشاهداته مفاهيمه وتصوراته مع استبعاد ما يختلف عنها، ولكنه باطراد التقدم وظهور ما كان غامضا يُضطر إلى الخروج من قيد التصورات القديمة، فالقانون الجديد بتطبيقه يفتح آفاقا تؤدي إلى اكتشاف ما لا يتوافق بالضرورة معه ويحتم تعديله أو استبداله.

ولا يوجد أي أساس منطقي للزعم بأن تطور القوانين والمفاهيم العلمية سيتوقف عند حدٍّ ما، ولا يمكن القول بأن الإنسان سيكتشف ذات يوم مبادئ (فيزيائية) نهائية ليس لها أي تعليل يستند إلى مبدأ أعمق، فربما كان هذا المبدأ غير فيزيائي، بل هو بالضرورة كذلك.

والقوانين الفيزيائية هي صياغات وابتكارات واختراعات بشرية، لكنها ابتكارات تتصل وتكشف عن وقائع ما موضوعية يمكن التنبؤ بسلوكها من حيث المبدأ، فكل القوانين العلمية تصف جملا فيزيائية تتفاعل مع الوعي الإنساني، هذه القوانين لا تصف بالضرورة الواقع الحقيقي وإنما تربط بين مفاهيم الإنسان عنها، وقد يكون هذا الارتباط ذا طبيعة يقينية Deterministic nature أو ذا طبيعة إحصائية Statistical nature طبقًا لطبيعة المتغيرات المعبرة عن الظواهر.

والإنسان قد يستخفه الغرور ويظن أنه قد أحاط بكل شيء علما، وقد حدث ذلك مراتٍ عديدة على مدى التاريخ البشري، أشهرها ما حدث بعد اكتشاف قوانين نيوتن للحركة والجاذبية وما حدث بعد صياغة معادلات ماكسويل، وهذا وهم خادع ومثبط للبحث وإمكانية التقدم، وسرعان ما يتم التخلي عنه تحت ضغط الحاجة والضرورة، بل بسبب التطور الذي نتج عن العمل المكثف بالقوانين الجديدة والاستثمار المكثف لها!

كما أن الإنسان يميل إلى التسميات الدعائية الطنانة الضخمة والمضللة في الوقت ذاته، أتذكرون ما كانوا يسمونه بحرب النجوم؟! ومن ذلك تسميته نظرية توحيد القوى الأربع المعلومة بنظرية كل شيء Theory of every thing.

هذه النظرية من المفترض أنها سوف تربط بين القوى الأربع المعروفة التي تتحكم في تبادل القوى بين جميع الجسيمات المعروفة وغير المعروفة (مثل المادة المظلمة)، هذه القوى هي: القوة النووية الشديدة، القوة الكهرومغناطيسية، القوة الضعيفة، وقوة الجاذبية، وحيث أن القوة الضعيفة لها القدرة على تغيير الجسيمات الأولية من شكل لآخر فإنه ينبغي على نظرية كل شيء أن تعطي فهما أعمق للعلاقات الموجودة بين جميع الجسيمات المختلفة، والمشكلة الكبرى التي تواجه العلماء هي إشراك قوة الجاذبية مع هذه القوى من أجل صياغة معادلة التوحيد لاختلافها الشديد عنهم.

والدافع إلى البحث عن نظرية كل شيء TOE هذه هو صياغة معادلة تتنبأ بجميع تلك المؤثرات (القوى) وخصائص المكونات من مستوى الكيانات الدقيقة الأولية وطرق سلوكها إلى مستوى الأجرام السماوية وبنية الكون، وأن يكون في وسعها تفسير كتل الكيانات الدقيقة الأولية وحساب الخواص الأخرى لها وأن تصف التناظر العظيم وجوهره الأساسي.

ومن المفترض أن القوى المعروفة تندمج في قوة واحدة عند طاقة أعلى من حوالى 1019 مليار إلكترون فولت، وأن النظرية مثلها مثل نظرية التوحيد بين القوى بدون الجاذبية Grand unified theory تتنبأ بوجود كيانات دقيقة ذات طاقة هائلة، وأن اكتشاف مثل هذه الكيانات سيكون الإثبات العملي لصحة النظرية، وهذا سر محاولة إنشاء معجلات هادرونية ضخمة، وفي الحقيقة إن كل ذلك من علامات السير في الاتجاه الخاطئ.

*****

وقد يغري جمال نظرية ما العلماء بالتشبث بها والإعراض عما سواها والتغاضي عن الشكوك في التجارب التي تؤيدها، وهذا ما حدث مع نظرية أينشتين المسماة بالنسبية العامة، التي لم تنل تأييدا تجريبيا يُعتد به إلا حديثا، هذا في حين أن ذلك يجعلهم يتشككون في نظرية ثابتة تجريبيا لخلل في البنيان النظري لها مثلما حدث مع نظرية الإلكتروديناميكا الكمومية Quantum Electrodynamics.

وقد تلعب الدعاية وعوامل أخرى لا حصر لها دورا في شهرة نظريات أو تقنيات وفي إخمال ذكر غيرها رغم تشعب استعمالاتها، وعلى سبيل المثال رغم أن تطبيقات معادلات ماكسويل تفوق تطبيقات نسبية أينشتين في الأهمية والاتساع بمليارات المرات، فلا يكاد يعرف عنها أحد شيئا إلا بعض المتخصصين، وكذلك تحظى أشعة الليزر بشهرة تفوق بكثير شهرة موجات الميكروويڤ رغم تطبيقات هذه الهائلة وأهميتها العسكرية الشديدة.

وقد يؤدي سبق الباحث لعصره أو عدم شهرته إلى إهمال نظرياته إلى أن يُضطر الناس إلى معرفة قدرها والأخذ بها مثلما حدث مع الرياضي الروسي لوباتشيڤسكي.

ويجب العلم بأنه ثمة افتراض أساسي وضمني في كل القوانين والنظريات العلمية، هو أن هذا الكون المادي المعروف هو كل شيء، وأنه لا شيء آخر خارجه، ولا يوجد أي أساس علمي حقيقي لافتراضٍ كهذا، لذلك فإثبات صحة النظرية تجريبيا لآلاف المرات لا يعني أنها نظرية صادقة صدقا مطلقًا، وكل ما يمكن قوله هو أنهم لم يستطيعوا بعد -بالنظر إلى المستوى الذي وصلوا إليه أو هم عليه- إثبات خطئها، فكل ما يمكن استنتاجه بأساليب إنسانية من حيث هذا العالم المحدود هو أمور نسبية مقيدة بزمانها ومكانها.

وكم من نظرية صمدت لما لا حصر له من الاختبارات التجريبية، بل ومازالت تُستعمل عمليا في تصميم وتنفيذ ما لا حصر له من الأجهزة، ورغم ذلك فقد ثبت خطؤها وخطأ الأسس التي قامت عليها، ومنها قوانين نيوتن للحركة والجاذبية، وليس ثمة ما يمنع من أن يتكرر ذلك مع غيرها أو مع النظرية التي حلَّت محلها.

إن المنهج التجريبي مبني على مبادئ مثالية ذات طبيعة إنسانية لارتباطها بالمنطق البشري المستخلص من ملاحظة الظواهر الطبيعية بحواس وملكات إنسانية، ومنها مبادئ العلية، واطراد الحوادث، والحتمية، وذلك يؤدي إلى الاستدلال بحالات خاصة على ضرورة ويقينية حالة عامة تُسمَّى بالقانون.

فالقانون يستدعي التسليم بعلاقة العلية بين المقدمات والنتائج، وبأن جميع الحوادث منتظمة، ومتجانسة، وإلا لما كان ممكنا الوصول إلى النتيجة النهائية، وكذلك فإن الحتمية ضرورة على هذا المستوى، وكل ذلك يستلزم من قبل تجانس Homogeneityوتوحد خواص Isotropy الإطار الزمكاني.

والذي ساعد على الاستعانة بالرياضيات لصياغة القوانين الطبيعية هو غلبة الاتجاه التجريدي ومحاولة إلزام الطبيعة بمفاهيم غير محددة جيدا بل يشوبها قدر كبير من الغموض مثل مفاهيم الزمان والمكان والحركة والكتلة والشحنة والجاذبية، ومن يشكك في ذلك عليه أن يحاول صياغة أي مفهوم منها دون الاستعانة بمفاهيم أخرى.

ولقد أدت الثورات الفيزيائية الحديثة إلى إدخال رياضيات جديدة تعتمد حساب الاحتمال والهندسات اللاإقليديةNon-Euclidean geometries ، وتوازى ذلك مع تراجع في التجريبية الصارمة والتحديد الضيق، واشتراط اليقينية التامة، واهتزاز مبدأ السببية، ولم يعد العلماء الطبيعيون يتحدثون بنفس الثقة والعجرفة التي كانوا يتحدثون بها في العصر الآلي الكلاسيكي الذي سادت فيه قوانين نيوتن ومفاهيمه، هذا رغم التزايد الهائل للمعارف العلمية.

كما انتهى عصر الفلسفات الضخمة الشاهقة التي تحاول أن تفسر كل شيء انطلاقًا من عدد قليل من المقولات والمزاعم.

*****

والعلماء يضمرون الاعتقاد الراسخ بأن العالم خاضع لقوانين رياضية محكمة وثابتة، وكلما تعمق بحثهم في الأمور الطبيعية كلما اختفت الحقيقة الفيزيائية وراء مفاهيم رياضية.

إنه لا يمكن للإنسان مبدئيا محاولة توصيف الظواهر الطبيعية بعيدا عن خبراته الذاتية، ومن يظنون أن الفيزياء الكلاسيكية قد حققت ذلك هم واهمون، وعلى كل حال فقد ثبت أن مصداقية قوانينها مستمدة من كونها تمثل تقريبات لنظريات أكثر شمولا، فيمكن مثلا إهمال الطبيعة الموجية للجسيمات إذا كان من الممكن إهمال أطوال موجاتها، ويمكن الحصول على ميكانيكا نيوتن بافتراض أن سرعة الضوء لا نهائية أو بإهمال السرعات بالنسبة إليها.

والاكتشافات الفيزيائية الحديثة لم تفعل إلا أن أعادت تذكير الإنسان بحقيقة ما لديه من العلوم وطريقة توصيفه للظواهر وصياغته للقوانين.

ومن قديم والإنسان يحاول إخضاع الكون لتصوراته، فهو يحاول أن يجد فيه الدوائر الكاملة أو أن يراه كآلة محكمة تسير بدقة متناهية، أو أن يراه ككائن حي مثله ويحاول أن يبحث فيه عمَّا يمثل أعضاءه، أو أن يراه كحاسوب عملاق، أو أن يراه هو الإله، هذا فضلا عن أنه يبحث عن النظام والقانون فيما يبدو له من الفوضى، وكان الهدف الوصول إلى روابط منطقية بين الظواهر لا يختلف عليها أحد، ويمكن دائما التحقق منها، وكان أول ما سلموا به أن لا شيء يأتي من عدم، و أن أصل العالم مبدأ واحد أبدي، وهم في تصوراتهم يرفضون بالأعم الأغلب وجود المصادفة، ويسلمون بأن كل شيء يحدث من أساس ومن ضرورة، فالضرورة هي العلة المحركة، وهو هنا يرمز إلى الفكرة المألوفة عن القانون الطبيعي، وهو أن المبدأ المسيطر النهائي، هو إتباع كل شيء بقوانينه الخاصة بوجوده، وأن العالم محكوم بقانون خاص ولا شيء آخر.

ولكن شدة إعجاب الإنسان بما يراه من كمال في النظريات الرياضية والأشكال الهندسية والأعداد جعلته يعتبر القوانين الرياضية هي المثل الأعلى للعلوم، وكان الإغريق هم المسؤولون عن ذلك، ولقد تناسوا أصل وجود هذه الأشكال، فلقد نقلوها عن المصريين القدماء، وهم أمة أعرق في الحضارة، وذات علوم حدسية وخفية غير قابلة للنقل والتداول.

والإعجاب بالأشكال الهندسية وافتراض الكمال في بعضها كالدائرة أو الكرة مثلا قد أدى إلى محاولة إلزام الكواكب أن تتحرك في دوائر حول الشمس مع رفض أية إمكانية أخرى مثل القطع الناقص The ellipse مثلا! وقد حدث ذلك من جانب علماء كبار.

ثم جاءت اكتشافات نيوتن لتؤيد الثقة في المذهب الآلي وفي المنهج الرياضي، ولتؤكد سريان نفس القوانين على كل العالم الطبيعي ولتؤكد الحتمية داخل بنية القوانين وموضوعية القوانين بمعنى استقلالها عن الأمور الذاتية، وكذلك لتؤكد أن معرفة الحالة الراهنة لنظامٍ ما كافية مع القوانين لمعرفة الحالة في المستقبل.

ولقد أكد نيوتن على ثبات القوانين وكان نجاحه هو السبب الأكبر لإحداث وشيوع مفاهيم الزمان المطلق والمكان المطلق والتأثير عن بعد والنظرة الآلية، ولم تكن هذه المفاهيم راسخة في المجتمع العلمي من قبل، وكان التصور الديكارتي يرفض فكرة التأثير عن بعد بين الأجسام المادية، أما الفيلسوف كانت فقال: "ليس الزمان و المكان في الواقع أشياء في ذاتها، بل هي مقولات ذهنية، نحملها في ذواتنا و تتيح لنا حل رموز العالم، فالأشياء في ذاتها، لا توجد في المكان ولا في الزمان، فالذهن الإنساني هو الذي يطبع، في فعل الإدراك ذاته، طباعة فوقية هذه المقولات الخاصة به، و التي بدونها لا يكون الإدراك ممكنا، وذلك لا يعني أن يكون الزمان و المكان وهمين أو اختراعين من اختراعات الذهن، إن هذه المقولات فرضت نفسها علينا في غضون تماسنا التجريبي بالطبيعة، فهي بذلك ليست اعتباطية، وإذا كانت لا تنتمي إلى الأشياء في ذاتها، فإنها لا تنتمي بدرجة أكبر إلى الذهن وحسب، بل إلى حوار الذهن و الأشياء، إنها في النهاية، النتاج الضروري للحركة ذاتها، التي بها يفتش الذهن لاختيار وفهم العالم الخارجي".

وكلام كانت غير صحيح فيما يتعلق بالزمان، فللزمان مثلا وجود بقدر ما للحركة من وجود، وما لدى الإنسان من مفهومٍ عنه هو الشيء النسبي القابل للتحسن، والإنسان يحاول أن يلزم الزمان بمفهومه عنه، مثلما يفعل مع الأشياء الأخرى.

ويقرر كانت أن المفهوم أو التصور هو نتيجة عملية تفكير تحاول رد الكثرة إلى الوحدة عن طريق الاستعاضة عن الجزئي المباشر بالعام، وأنه يمكن البرهنة على صحة القضية الأساسية التي تقوم عليها فيزياء نيوتن، القائلة بأن للطبيعة قوانين، أو أن هناك علاقات كلية ضرورية قائمة بين الظواهر، فليست العلية السببية مجرد عادة تقوم على تكرار الظواهر، كما قال هيوم وبعض المتكلمين المسلمين من قبل، أو مجرد فرض نسبي مشروط يستند إلى تجربة عرضية محدودة، إنما هي معنى أولي يربط عن طريق الذهن تلك الظواهر المتعاقبة في الطبيعة برابطة ضرورية حتمية.

أما بالنسبة لمتبع دين الحق الذي يتخذ مما في القرءان بديهيات ومسلمات فيعلم أن لله تعالى سننا لا تبديل لها ولا تحويل، وهو مأمور بالنظر في الآيات الكونية لاكتشافها والانتفاع بها على كافة المستويات، وآيات القرءان تربط بوضوح بعض الظواهر ببعضها الآخر، ولكن المشكلة أن المتكلمين شغلوا الناس عن الانتفاع بما يقرره القرءان بشتى الوسائل والسبل.

ولقد تضمنت الصياغة الرياضية لقوانين نيوتن في صورة معادلات تفاضلية مبدأ السببية، فهي تتضمن فكرة أن الحالة المستقبلية لنظامٍ ما، يمكن أن تتعيّن انطلاقا من حالتها الحاضرة، ويمكن تحديدها بمعرفة الشروط الابتدائية Initial conditions، ولكن نيوتن قال بالتأثير عن بعد Action at a distance دون الاستناد إلى أي سبب منطقي، وقد اتضح من بعد أن ذلك في تعارض مع حلول معادلات ماكسويل التي تحدد سرعة انتشار الموجات، وبالتالي الطاقة أو الفعل، بسرعة الضوء.

لقد وجهت معادلات ماكسويل ضربة قاصمة للتصورات والمفاهيم النيوتنية، وهي تتضمن بوضوح ثبات سرعة انتشار الموجات الكهرومغناطيسية واستقلالها عن الأطر المرجعية أو حركة المشاهد.

ولقد التقط أينشتين تلك الحقيقة وجعلها محور نظريته، وبناءً عليها استطاع تصنيف أنواع الأحداث وتحديد الأنواع منها التي يمكن أن تنشأ بينها علاقات سببية Cause-and-effect relationship، وما قاله هو منطقي تماما لمن فقه معادلات ماكسويل، فحيث أن سرعة الضوء ظهرت كثابت طبيعي عند حل المعادلات بغض النظر عن نظام الإحداثيات فإنه يجب اعتبارها قانونا طبيعيا، ويمكن كمسلمة علمية للنظرية اعتبارها الحد الأقصى لانتشار التفاعل؛ أي لإرسال ما يمكن أن يغير حالة نظامٍ ما أو أن يؤثر على شيءٍ ما؛ أي الحد الأقصى لانتشار الطاقة والفعل والمعلومات، وبالتالي لا يمكن أن تنشأ علاقة سببية بين حدثين إلا إذا كانت الفترة المكانية بينهما أقل من الفترة التي يمكن أن يقطع شعاع الضوء هذه المسافة أو تساويها، وفي هذه الحالة لا يمكن وجود أي نظام إحداثيات يؤدي إلى انعكاس ترتيب الحدثين، بينما يمكن ذلك في الحالة الأخرى، وبذلك أمكن صياغة مبدأ السببية رياضيا.

وكان حصيلة جهود أينشتين أن فقد الكثير من الأشياء ما كان مفترضا لها من إطلاق Absoluteness، ومن ذلك الزمان والمكان والأطوال والآنية Simultaneity والفترات الزمنية، والأهم من ذلك أن الإطار الزمكاني فقد استقلاله المسلَّم به في كل ما سبق من نظريات وأصبح يتفاعل مع الكيانات المادية من طاقة أو مادة أو موجات، ويتبادل التأثير معها، وسيكون لذلك آثاره التي لم يحط بها الإنسان علما بعد، ولا يستطيع الآن تخيل تبعاتها.

وكذلك أصبح يمكن أن تتحول فترات زمنية إلى فترات مكانية، وبالعكس.

وعلى عكس الاعتقاد الشائع فإن الاسم "نسبية" لا يمسّ القوانين الطبيعية في شيء، بل إنه يؤكد ثباتها واستقلالها عن نظم الإحداثيات والملاحظين، فالقوانين يجب أن تكون ثابتة الصورة Covariant، وذلك لا يمكن أن يتحقق إلا إذا تمَّ صياغتها كعلاقات بين متجهات وممتدات في عالم رباعي الأبعاد.

أما الذي يتغير ويتصف بالنسبية فهو الكميات الفيزيائية كما تبدو للناس أو بالأحرى لأجهزة القياس لديهم، ولذلك توجد معادلات تحويل لهذه الكميات من نظام إحداثيات إلى الآخر.

ولكن وجود قوانين ذات صبغة قطعية تنبؤية حاكمة على سلوك الأجسام سرعان ما تعرض لضربات قوية من نتائج النظرية الكمومية Quantum theory التي تتضمن التأثير المتبادل بين الملاحظ وبين ما يريد أن يقيسه، وهذا يعني أن زيادة اليقين في قياس خاصية ستؤدي إلى زيادة العشوائية واللايقين في قياس خاصية أخرى مرتبطة بها وأن الجسيم الدقيق ذو طبيعة مزدوجة؛ أي إن له خواص الجسيم الكلاسيكي وخواص الموجات أيضًا، وأن التجربة المصممة لقياس خواصه الجسيمية ستؤدي إلى ظهوره كجسيم، بينما التجارب المصممة لقياس خواصه الموجية ستؤدي إلى ظهوره كموجة، الجسيم الأولي يبدو لك كما تريد أن يبدو لك!

وما أثار الإنسان فيما يتعلق بعالم الكيانات الدقيقة هو ما كان يجب أن يعتبره أمرا طبيعيا، ولكن نجاحه في اكتشاف بعض قوانين العالم الكبير هو الذي أنساه الافتراضات الضمنية والمسلمات التي كان لازمة ليصوغ قوانين هذا العالم، وأن مفاهيمه عنه قد تعرضت للتطور، وأنها مستخلصة أصلا منه، وليس من غيره، بل فاته أنه لم يستطع أن يطبق قوانين الفيزياء على سلوك الكائنات الحية مثلا ولا أن يضع قوانين رياضية قطعية للتنبؤ بهذا السلوك.

والفقه الكمومي لحقيقة القانون يختلف عن الفقه الكلاسيكي له، ورغم وجود المفهوم الإحصائي في قوانين كلاسيكية وقوانين كمومية فالأمر مختلف تماما، وعلى سبيل المثال فإنه في الديناميكا الحرارية يمكن تولد مفاهيم إحصائية مثل الحرارة والضغط واكتشاف القوانين التي تربطهما، ولكن كل ذلك لا ينفي أن كل جزيء هو من حيث الأساس خاضع لميكانيكا نيوتن، ويمكن حساب مساره من حيث المبدأ وإن كان ذلك لا ضرورة له فضلا عن كونه مستحيلا من الناحية العملية، فالمفاهيم الإحصائية كافية تماما.

أما في الميكانيكا الكمومية، فلا وجود لمفهوم المسار أصلا، وإنما يمكن حساب احتمال وجود الجسيم في مكانٍ معين فقط، أما إن كان لابد من الحديث عن مسارٍ ما مثلا فسيكون هو المحل الهندسي لأعلى قيم يمكن التنبؤ بها لدالة الاحتمال.

في العالم الكلاسيكي لكل شيء سبب، و يمكنك تتبع سبب أي حدث في زمن وقوعه، بل تتبع سلسلة الأسباب، لكن في عالم الكموم الوضع مختلف، حيث تبدأ هذه السببية في الاختفاء بمجرد أن نفحص التحلل الإشعاعي والانتقالات الذرية، فالإلكترون لا ينتقل من مستوى معين للطاقة إلى مستوى آخر في زمن معين لأي سبب محدد، وتفضل الذّرة أكثر مستويات الطاقة انخفاضا بالمعنى الإحصائي، ولذلك من المرجح كموميا أن يهبط الإلكترون إلى المستوى الأكثر انخفاضا، ولكن لا توجد وسيلة لتحديد زمن هذا الانتقال، فلا يوجد عامل خارجي يدفع الإلكترون ولا توقيت داخلي يفرض على الإلكترون القفز في توقيت محدد، إنما يحدث ذلك فحسب، ليس لسبب محدد، وبالتالي تغدو فكرة التنبؤ -التي هي صرح القانون بمعناه الكلاسيكي للفيزياء و فلسفتها على السواء- لا معنى لها في الفيزياء الحديثة، فلا معنى للتنبؤ المثالي في الميكانيكا الكمومية حيث لا يمكن تحديد الموقع وكمية الحركة لأي جسيم وإن كان منفردا بالضبط.

والحق هو أن موقف العلماء وفلاسفة العلم عند التعامل مع ما يتعلق بالكيانات الدقيقة مثير للعجب والضحك، وهم عادة يتصرفون بهستيرية مضحكة تجاه ما يخالف توقعاتهم، وذلك مثلما حدث عندما عجزت معلوماتهم ومفاهيمهم القديمة عن التعامل مع مسألة إشعاع الجسم الأسود Black-body radiation، فقد أدت محاولة تطبيق الميكانيكا الإحصائية الكلاسيكية إلى نتيجة غريبة لا تتفق مع النتائج التجريبية، وردّ الفعل الهيستيري تجاه هذه المشكلة يظهر في تسميتها في وقتها بالكارثة فوق البنفسجية Ultraviolet catastrophe، هذا مع أنه لم يكن يوجد أي مبرر منطقي لمحاولة تطبيق الميكانيكا الإحصائية الكلاسيكية على مسألة كهذه أصلا لو رجعوا إلى الافتراضات الكامنة وراء تطبيقها والمتضمنة في معادلاتها.

ولكن ماذا كانوا يتوقعون بالضبط؟ هل كانوا يتصورون أن قوانين الحركة السارية على كرة مصمتة من الحديد تصلح لإلكترون مفرد؟ ما هي هذه الكرة أصلا؟ إنها فارغ هائل توجد فيه جزيئات أكثرها أيضا فراغ هائل، وتترابط جزيئاتها بحيث تبدو مصمتة بالنسبة لحواس الإنسان، فتصور الكرة المصمتة لا وجود له إلا بوجود الإنسان، وهي مكونة من ذرات متعادلة، فلا وجود لتأثير القوى الثلاث المعلومة، فلا يبقى من خاصية غير معادَلة إلا الكتلة، ويمكن اعتبار هذه الكتلة مركزة في مركز ثقل الكرة، ويمكن بذلك حساب العجلة تحت تأثير أية قوة ومن ثمَّ تحديد سرعة الكرة ومسارها بدقة كافية لتطبيقات هذا العالم، وبافتراض أنه ثمة عدد من الكور الصغيرة وتم دفعها لتتصادم مع بعضها البعض، إنه يمكن في مثل هذه الحالة من حيث المبدأ حساب كل الأوضاع التي ستأخذها الكرات في كل لحظة زمنية تالية.

ولكن هل يمكن تطبيق قوانين ميكانيكا الموائع Fluid Mechanics على هذه الكرات؟ بالطبع لا؟ هل يحق للمتخصصين في ميكانيكا الموانع أن يثيروا المشاكل عندما تأبى الكرات الصغيرة الانصياع لمفاهيمهم الإحصائية؟ بالطبع لا! هل يمكن الحديث عن حرارة أو ضغط وهي مفاهيم وتصورات تنشأ من حركة مليارات المليارات من الجزيئات وليس حركة عدد محدود من الكرات أو الجزيئات؟ بالطبع لا!

أما مسألة التنبؤ التي يجعلونها حجر الزاوية وقدس أقداس الفيزياء الكلاسيكية فهي لم تنته في الفيزياء الحديثة، ولكنه تنبؤ يتسق مع طبيعة المسألة، ما هو المبرر لمعاملة الجسيم الدقيق وكأنه كرة مصمتة صغيرة يجب أن يتصرف كالكرة المصمتة الحديدية الكبيرة؟ لا يوجد مبرر كهذا، ولدى الإنسان في عالمه الكلاسيكي مسائل يكون فيها المتغير عشوائيا بحيث لا يمكن التنبؤ بنتيجة التجربة إلا بدرجة احتمالية، فكذلك الإلكترون سواء أكان حرا أو في ذرة أو في مجال هو خاضع لقانون له طبيعة احتمالية، ولكنه خاضع لقانون سواء في تواجده حول النواة أو في قفزاته بين مستويات الطاقة.

وهناك مسألة أخرى: كيف ترى الجسيمات الدقيقة ما يسميه الإنسان بالزمان والمكان أصلا؟ إذا كان مفهوم الكرة المصمتة قد نشأ لجملة أسباب تم بيانها فهل يكون مفهوم الزمان والمكان كمتصلين أمر نسبي مرتبط بالإنسان ذاته؟

والانغماس الشديد في الاتجاه السائد يحجب عن الإنسان رؤية الحقائق التي تحدق فيه، وعلى سبيل المثال فإنه تحت تأثير نجاح ميكانيكا نيوتون ونظرية الضوء التقليدية انغمس المجتمع الفيزيائي انغماسًا شديدًا في المفاهيم الكلاسيكية وتشبع بها، ولذلك كان لابد من ظهور من ليسوا منغمسين إلى هذه الدرجة ليروا المسائل المطروحة والملحة بطريقة أفضل وأبسط، ولذلك أدرك أينشتين حقيقة اكتشاف بلانك أفضل من بلانك، كما أدرك المغزى الحقيقي لمعادلات ذات صلة بالنسبية الخاصة اكتشفها علماء من قبله دون أن يعلموا مغزاها الحقيقي، وأدرك بوهر وهيزنبرج وبورن حقيقة معادلة شرودنجر أفضل من شرودنجر.

إن القضايا الكلية لا تستمد صدقها أبدًا من القضايا الجزئية، وذلك في حين يمكن نقضها بواسطة القضايا الجزئية، فإذا فشلت النظرية ولو مرة واحدة فذلك يعني لا محالة سقوطها، والمسارعة إلى تعميم النتائج الجزئية هي خطأ قد يحجب الحقائق من بعد عندما يألف الإنسان التصورات المستخلصة من النتائج الجزئية، ويحاول أن يتجاوز بها نطاقها، ومن المشاكل الخطيرة أيضًا نسيان الإنسان للافتراضات الضمنية التي سلَّم بها عندما وضع القانون أو النظرية.

*****

النزعة الاستقرائية في الوصول إلى القانون هي نزعة يعتقد من يتبناها أن العلم يواصل مسيره من خلال جمع الملاحظات أو المعطيات أولاً، ثم يتوصل إلى قوانين من هذه المعطيات بواسطة الاستقراء، وذلك أمر قد يحدث أحيانا وعلى بعض المستويات، ولكن لا يمكن دائما التوصل إلى قوانين علمية حقيقية بمثل هذه الطريقة الآلية.

ويقرّ فلاسفة العلوم بأن الأسس التجريبية للعلم الموضوعي لا تنطوي على شيء يمكن وصفه بأنه مطلق، فالعلم لا يرتكز على أساس صلب، لأن البنية الواضحة لنظرياته، تقف حيث هي، كما لو كانت تنهض إن صح التعبير فوق مستنقع، فالأمر هنا أشبه ما يكون ببناء مقام على أكوام تهبط من أعلى إلى أسفل باتجاه المستنقع، و لكن لا تصل إلى أية قاعدة طبيعية أو محددة، والتوقف عن دفع الأكوام إلى مستويات أعمق ليس بسبب الوصول إلى أرض صلبة، وإنما لشعور زائف بالرضا من أن الأكوام متينة بما يكفي لحمل البناء، على الأقل في الوقت الراهن، فالقوانين في الفيزياء تؤلف الآن خليطًا من قطع وأجزاء لا تتراكب على خير ما يرام، أي إنها لا تملك بناءً وحيدا يمكن أن يُستنتج منه كل شيء، وما البحث المحموم عن نظرية كل شيء وعن نظريات التوحيد إلا جهودا واهنة، ستؤدي إلى إحداث تقدم علمي، ولكنها لن تكفي لحل المشكلة.

إنه يجب التسليم بأن القوانين العلمية الخاصة بظاهرة ما هي صور متتابعة لقانون خاص بهذه الظاهرة وأنه كلما ارتقى الإنسان كلما أصبح أكثر استعدادا لتلقي صورة أفضل، هذه الصورة ستؤدي إلى المزيد من الرقي الذي سيتسبب في اكتشاف قصورها، ومن ثمَّ سيضطر الإنسان لإعادة النظر فيما كان قد صار عنده من المسلمات والبحث الدؤوب عن نظرية أفضل، وفي الوقت المتناسب سيتوصل إليها أفضلهم استعدادا، وهذا العمل يتم برعاية ورقابة إلهية.

*****

القانون العلمي هو صيغة مركزة من الرموز الرياضية التي تشير إلى مفاهيم وتصورات ذهنية والتي تعبر عن علاقات أو ارتباطات بين تلك التصورات والتي تناظر بدورها العلاقات والارتباطات الخارجية بين الكيانات الطبيعية الموضوعية، ويستمد القانون مصداقيته من إمكانية استعماله للحصول على نتائج متفقة مع الظواهر التي يعبر عنها والتي يمكن التحقق منها ومن صموده ضد كل محاولات التفنيد ومن عدم وجود أية شواهد تجريبية تدل على بطلانه، فالمصداقية تعتمد على المعولية.

أما النظرية العلمية فهي نسق مترابط من المفاهيم والتصورات والمسلمات المستندة إلى بينات، وهي تتضمن مجموعة من القوانين العلمية الخاصة بمجال ما أو بمجموعة مترابطة من الظواهر والكيانات، والنظرية تبين وتفسر أوجه الترابط بين كافة عناصرها بشكل يسمح باستنتاج قانون عام موحد أو باكتشاف قوانين جديدة أو التنبؤ بوجود ظواهر أو كيانات جديدة (بالنسبة إلى الإنسان).

*****

إن صدق التصور الإنساني عن الشيء الخارجي لا يعني بالضرورة مطابقته للواقع فإن هذا أمر غير ممكن أصلا، فسيظل التصور الإنساني ملونا بطبيعته الذاتية، ولكن المعيار هو صدق تمثيله النسبي لواقع وإمكانية التعويل عليه؛ فليس ثمة علاقة ضرورية بين أن يكون الماء مكونا بارتباط الهيدروجين بالأكسجين وبين الصورة التي يبدو بها للإنسان، وإمكانية التعويل علي التصور ليست متنافية مع فائدته العملية بل إن الارتباط بينهما وثيق، ووجود مفاهيم وتصورات إنسانية خاصة بالأشياء المادية التي تشكل العالم الذي ألف الإنسان أن يتعامل معه هو أمر طبيعي ولا غرابة فيه، ولكن هذا لا يعطيه الحق في رفض ما يتناقض مع هذا الإدراك من أمور العوالم غير المألوفة بالنسبة إليه وعليه أن يعمل ملكاته العليا للتعامل معها وعليه أن يزكي ملكات الاستنباط والاستقراء والتجريد والتأليف والإبداع حتى يمكنه تقبل ما لم يألفه.

*****

إن العلماء الذين قدحوا زناد أفكارهم وأعملوا كل ملكاتهم لاكتشاف القوانين الطبيعية دهشوا عندما وجدوا تلك القوانين على درجة فائقة من الجمال حتى أنهم جعلوا الجمال من عوامل وملامح صفة القانون الصحيح، وكيف لا يتوفر الجمال في قانون هو مقتضى سنن وصفات من له الحسن الذاتي المطلق بل هو عين الحسن المطلق؟

*****

إن أسس ومسلمات العلوم الرياضية نفسها مشتقة من متشابهات الظواهر الطبيعية ومن تجريد ما فيها من المشاهدات والكيانات، لذلك لا غرو أنه لوحظ اتساق وانسجام بين الرياضة وبين الطبيعة، وحتى الرياضيات التي استنبطت استنادا إلى أسس وبراهين عقلية فإنما تم ذلك بالاستناد إلى منطق نما ونشأ من ملاحظة الظواهر الطبيعية وبالاتساق والتآلف معها، فمنطق الإنسان ينمو ويتطور بالتفاعل مع العالم المألوف كما هو حال كل مفاهيمه وتصوراته.

وعلى سبيل المثال فإنه لا وجود للعدد ولا معني له مستقلا عن المعدود، ولكن الإنسان بما لديه من قدرة على التجريد يستطيع أن يتعامل مع الأعداد كما يتعامل مع المؤثرات (Operators)باعتبارها كيانات مستقلة وأن يستنبط الأسس المنطقية والقواعد الجبرية الخاصة بها، ولكن عليه في النهاية أن يلحق العدد بالمعدود والمؤثر بالدوال.

*****

إن إعمال الذهن للوصول إلى علاقات تربط بين الأشياء وبين التصورات والمفاهيم الذهنية المجردة المستخلصة من الواقع والطبيعة ليس بتحصيل حاصل بل هو عملية فعالة للحصول علي المعرفة، ويمكن أن تترتب علي تلك المعرفة من حيث المبدأ نتائج عملية حتى ولو لم يدركها الإنسان في حينه وحتى ولو غابت عن مكتشف العلاقة نفسه، ولقد تمت وتطورت ملكات الإنسان الذهنية بالاتساق مع السنن الكونية ووفقا لها، والله سبحانه يلهم الإنسان المستعد المفاهيم والتصورات الرياضية واللغوية والطبيعية في وقتها المناسب حتى يألفها الصفوة من الناس ثم يستخدموها للتعبير الأفضل عن الآيات الكونية وما يسري فيها وعليها من السنن، ذلك لأن التقدم العلمي والتكنولوجي إنما يتم بتوجيه وإرشاد رب العالمين وليس بمعزل عنه كما يتصور الغربيون، واكتساب فقه أفضل لسننه إنما يتم بإرشاده وهديه، واكتشاف سنة من سننه لا يعني تقليل حاجة الإنسان إليه، وإنما يعني فقهًا أفضل لآثار أسمائه وسماته.

*****

إن ثمة سننا أو قوانين تمثل أنماط الارتباطات والتفاعلات بين الكيانات، وتلك السنن لا تبديل لها ولا تحويل وإن كانت تتراص في أنساق تتدرج من حيث البساطة والإحكام فكلما كان القانون أبسط كلما كان أكثر إحكاما وكلما اتسع مفهوم ونطاق الكيانات التي يربط بينها أو يوضح العلاقة بينها، والإنسان مزود بالملكات القلبية الصالحة للبحث عن تلك القوانين ومعرفتها وعقلها وفقهها، ذلك لأن كيانه متسق مع الكيان الكوني العام وكان مترتبا علي كل ما سبقه بل إن هذا الكيان كان تفصيلا لحقيقته الأولية بقدر ما كان هو للكون بمثابة علته الغائية، والإنسان يمثل الوعي بهذا الكيان وهو نقطة التمييز وآلة إدراك الكمالات والسنن والقوانين في صورها التفصيلية، والإنسان بحكم تكوينه لا يدرك أولا إلا الظواهر والمظاهر وهي مساقط الأشياء الحقيقية علي إحساساته وملكاته الإدراكية، وكما يستطيع المخ الوصول إلى صورة أكثر مصداقية باستخدام ما يتلقاه من العينين الاثنين، كذلك يستطيع قلب الإنسان باستخدام كافة ملكاته وآلاته الوصول إلى علاقات أكثر مصداقية بين الكيانات والظواهر بحيث يستطيع أن يعول عليها، وتلك هي القوانين النسبية، وتلك القوانين تتآلف ولا تتنافى، وثمة جانب إنساني فيها لا سبيل إلى إنكاره، فهي تمثل علاقات بين مفاهيم وتصورات بشرية عن الأمور الخارجية، ولابد من أن يكون الإنسان قد ألف تلك المفاهيم والتصورات، وكلما ارتقي وتقدم واتسعت معارفه صار مهيَّأً لتلقي أو لإبداع مفاهيم وتصورات أكثر رقيا وللوصول إلى قوانين أكثر مصداقية وأرقي مما سبقها، وهذا القانون لا يمثل بالضرورة عين الارتباطات الحقيقية بين الكيانات الخارجية ولا يلغي تماما القانون القديم وإنما يجب أن يستوعبه وأن يتضمنه كحالة تقريبية، أما القانون الحقيقي الأصلي فهو من مقتضيات الكنه الحقيقي للأشياء ومن لوازم طبيعة العالم الذي يتضمنها، وهو بالتالي يعبر عن خصائصها التي هي من لوازم كنهها، وهو بذلك كامن وسار في العالم ككيان أمري حقيقي، واتساق هذا القانون مع طبيعة العالم وماهيات الأشياء يرجع إلى أن كل ذلك من مقتضيات منظومة واحدة هي منظومة الأسماء الحسني، والإنسان في سعيه إلى التعرف علي السنن يبدع المفاهيم والتصورات المعبرة عن الأشياء أو الكيانات الخارجية ويعبر عن تلك التصورات بالرموز الملائمة،ويعبر بنفس الرموز عن العلاقات فيما بينها، ولما كان ثمة جانب إنساني في ذلك العمل، ولما كانت تلك العلاقات هي علاقات بين مساقط الأشياء وليس بين الأشياء ذاتها فقد تتعدد صور التعبير عن نفس العلاقة وقد يمكن التعبير عن نفس الظاهرة كعلاقة بين تصورات أخري، ويكون مقياس النجاح هاهنا هو اتساع وشمول ونجاح وملاءمة القانون وقدرته علي التنبؤ بظواهر جديدة.

*******

إن القانون العلمي يعبر عن صورة وطبيعة الارتباط بين المفاهيم والتصورات والتي أصبحت مألوفة لدى الإنسان والتي تناظر أشياء أو ظواهر أو كيانات حقيقية موضوعية موجودة في الخارج، وتلك الأشياء حقيقية وموضوعية بقدر ما يكون الإنسان كذلك، والحقيقة الموضوعية في القانون هي الارتباط أما شكل القانون بل المفاهيم والتصورات فقد تتطور بالتقدم العلمي، فكما لا ينطبق تصور الإنسان عن الشيء الخارجي مع حقيقة هذا الشيء ووجوده الموضوعي -وكل ذلك مما لا يمكن إنكاره-كذلك لا ينطبق القانون المكتشف بالضرورة مع حقيقة العلاقة، وكما يمكن أن ينتفع الإنسان بالأشياء الخارجية التي يتناولها القانون دون أن يعرف كنهها بالضرورة كذلك يمكنه الانتفاع بما لديه من قانون دون ان يعرف القانون الحقيقي، والإنسان لم يخترع الارتباط الذي يعبر عنه القانون وإنما يكتشفه ويحاول التعبير عنه بما لديه من مفاهيم وبما يعرفه من لغة أو رموز، وهذا عمل إبداعي إنساني، لذلك يمكن استخدام مفاهيم القوة والجاذبية والكتلة والمسافة للتعبير عن الارتباط بين الكواكب التي تدور حول الشمس وبين الشمس ولإيجاد مسار الأرض في الفضاء حولها، ولكن يمكن أيضا التعبير عن هذا الارتباط باستخدام مفاهيم الزمكان رباعي الأبعاد وتأثره وانحنائه بتأثير الكتلة، وبذلك يمكن إيجاد هذا المسار بطريقة أدق.

ولا يجوز إنكار إمكانية الارتباط بحجة أنه لا توجد ثمة ضرورة كامنة فيه أو بحجة أنه لا يمكن البرهنة على وجود تلك الضرورة، ذلك لأن مفهوم الضرورة ومنطق معالجة الأمور إنما يستمده الإنسان من النظر في الكائنات والظواهر أو من آيات الكتاب المقروء، والعلية أو الارتباط السببي بين ظاهرتين لا يعني مجرد تعاقبهما أو اقتران تحققهما، فالتعاقب أو الاقتران البحت لا يعني بالضرورة وجود علية، وبالتالي فإن اختلال هذا التعاقب لا يعني نفي السببية فالارتباط السببي من مقتضيات السنن الإلهية والتي هي من مقتضيات الحلقات الإلهية، وعلي المستوي الكوني مثلا فإن إمكانية الارتباط السببي تضع شروطا علي مواقع الأحداث في المتصل الزمكاني رباعي الأبعاد.

*****

رغم أنه يلزم لاكتشاف أو وضع النظرية العلمية مشاهدات حسية وتراكم خبرات عملية ونظرية إلا أن النظرية تبقي دائما كيانا أمريًّا يبنيه الإنسان، فالإنسان هو الآلة المعتمدة لبناء النظرية العلمية، كما أنه آلة لإنتاج الأفعال الاختيارية والتصورات والمفاهيم والإحساسات البشرية اللازمة لتفصيل الكمالات، والنظرية العلمية تتضمن نسقا من القوانين العلمية المبنية علي التسليم بوجود مجموعة من المفاهيم والتصورات والمصادرات، أما القانون نفسه فهو علاقة بين تلك المفاهيم والتصورات التي استخلصها الانسان أو أبدعها أو تلقاها لتشير إلى موجودات أو كيانات موضوعية بينما تظل المفاهيم والتصورات موجودات ذهنية أو كيانات أمرية هي ثمرة التفاعل بين الموجود الخارجي وبين الكيان الإنساني، ولا يتنافى هذا مع مدي مصداقية القانون ولا مع أن تكون تلك المفاهيم والتصورات والقوانين آلات أو وسائل لتمكين الإنسان من التعبير عن عالم الخلق، ولا يمنع هذا الإنسان من استمرار البحث عن الكنه الحقيقي للأشياء.

فالنظرية هي نسق منظم من المفاهيم والتصورات يتضمن القوانين التي تصف العلاقات والارتباطات بين تلك المفاهيم والتصورات وتقدم تفسيرا لما تتعرض له من الظواهر وتتنبأ بظواهر جديدة، ولابد من أن تصمد أمام محاولات التفنيد والتكذيب.

*****

قانون القوانين

هو سيادة الاتساق التام بين كل العناصر والكائنات والكيانات بحيث يساق الكل إلى تحقيق الغاية الوجودية العظمى مع عمل كل كيان من الكل وفق حقيقته أو طبيعته الذاتية، هذا مع تضمن بعض الكائنات لقابلية التطور على المستوى الجوهري، وهذا القانون مترتب على أن منظومة الأسماء الحسنى التي اقتضت كل القوانين هي من لوازم الكيان الإلهي الأقدس.

ومن الشروط الحدية لهذا القانون أن كل ما خلا الله باطل، فمجموع كل ما هو سواه في أي بعد أو اتجاه هو العدم.

*******