من هدي القرءان الكريم

سورة النور

سورة النور 55

{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55)} النور

وَعَدَ اللَّهُ تعالى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنا، والاستخلاف هنا هو استخلاف خاص يتميز عن الاستخلاف العام الذي هو لكل إنسان، وهو يجعل الكيان الإسلامي مسئولا عن البشرية جمعاء ويلزمه بالقيام بأركان الدين الواجبة على الأمة تجاههم وأن يعاملهم وفق أرقى منظومة قيم عرفتها البشرية، والعمل الصالح هو ركن من أركان الدين الملزمة لكل كيان إنساني بدءا من الفرد وانتهاءا بالأمة، وعلى المستوى الأممي هو كل ما يؤدي إلى نفع لأي كيان يحيا على سطح هذا الكوكب، فهو يتضمن كل إصلاح وتعمير وبناء، فهو من مقتضيات حمل الأمانة والاستخلاف في الأرض، والكيان الإسلامي الذي يقوم بذلك سيحظى بالتأييد الإلهي وسيزداد رقيه وتمكنه من أمور دينه.

ومن هم كذلك يفوزون بأساس السعادة في الدنيا والآخرة؛ وهو الأمن، فهم المنادون بالنداء: "يا عبادي لا تخافوا؛ ذا أماني"، فما أحلاه وأعذبه من نداء! وعلامتهم وسر فلاحهم هو أنهم يَعْبُدُونَ الله لَا يُشْرِكُونَ بِه شَيْئا، وهذا هو الإخلاص، أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ هذا هو دينهم الذي سيمكنه الله في نفوسهم كما يرتضيه لهم.

ومع كل ذلك يجب ألا يأمن الناس شر نفسه ولا مكر عدوه، وعدوه اللعين هو الشيطان الرجيم، وكلما ارتفعت مرتبة الإنسان يصبح أشد خطرا على عمل وكيان الشيطان فتشتد المؤامرات والمكائد ضده، فيجب دائما أن يعتصم بربه وبحبله، وأن يلوذ به وأن يحسن التوكل عليه.

والوعد عام، ولا يحق لأحد أن يحجر ما وسعه الله تعالى، الوعد هو لكل الَّذِينَ آَمَنُوا مِن المسلمين وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، فهم الذين يؤمنون ويحيون ويعملون بمقتضى دينهم، وهو بالطبع ليس للمشركين الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ.

وتضمنت الآية أيضًا وعدا لأهل القرن الأول من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ولقد تحقق الوعد تماما، فاستخلفهم الله في الأرض، ومكَّن لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَبَدِّلَهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا.

ولكن الآية أيضا تضمنت تهديدا ووعيدا شديدا لمن كفر من بعد أن رأى تحقق الوعد، وهذا الوعيد يبيِّن أنهم كانوا غير معصومين ومعرضين للكفر بعد الإيمان، فالوعيد القرءاني لا يكون أبدا عبثا، ولقد تحقق الوعيد بالفعل وارتد منهم الكثيرون على أعقابهم.

*******

1

1.png