سورة الكهـف

سورة الكهف 1-6

{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (3) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآَبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (5) فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6)}

سورة الكهف هي من مجموعة سور "الحمد"، فهي تبدأ بحمد الله، وأول آية من كل سورة من هذه السور –بعد البسملة- هي:

{الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِين} [الفاتحة:2]، {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُون} [الأنعام:1]، {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا} [الكهف:1]، {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِير} [سبأ:1]، {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاء إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير} [فاطر:1]

والله تعالى يُحمد بما له من الأسماء الحسنى، وبما أنزل من كتاب، وبما خلق وفطر، وبما هو له وبتنزهه عما يصفون وما لا يليق به.

وإنزال الكتاب هو فضل من الله وهدى ورحمة وشفاء لما في الصدور، وهو للإنذار والتبشير.

فالكتاب أُنزل لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْ الله، فهو سبحانه عزيز ذو انتقام، وهو القاهر ذو البطش الشديد الذي لا يُطاق انتقامه، فلا يجوز الاستهانة بجنابه، وتصورات الناس عنه لن تغير شيئا من حقيقته، وما هو واجب على الإنسان أن يقوم بما هو واجب عليه تجاه أسماء ربه، فيجب أن يتحلى الإنسان بتقوى الله وبالخوف والرهبة منه، والخوف المطلوب هو خوف إجلال وتعظيم، وليس خوفا مرضيا.

والكتاب أُنزل ليُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا، مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا، وأن لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً، فالمبشرون بالجنة هم كل الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، وليسوا بعض الأفراد وليسوا حزبا سياسيا وليسوا مجموعة من القرشيين، ولا يجوز تحويل من قيل إنه مبشر بالجنة في مروية موضوعة إلى إله يُعبد ولا الاتجار باسمه ولا اقتراف الجرائم في حق المسلمين والبشرية بسببه.

والكتاب هو بلا عوج، بل هو قيِّم، فله الهيمنة على كل الكتب الأخرى، وهو الحاوي للدين القويم والصراط المستقيم ولكل ما هو قويم، فبالاعتصام به يجد الإنسان ربه ويتحقق بكماله المنشود.

والمقصود بالعبد المضاف إلى الهوية الإلهية هو سيدنا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ، فهو العبد المحض لله تعالى، فأينما ذُكرت كلمة "عبده" في القرءان فهو المقصود بها إلا إذا صرَّحت الآية بالاسم المقصود، وهذا لم يحدث إلا مرة واحة في الآية:

{ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا} [مريم:2]

ولقد تورط أكثر البشر في ألوان من الشرك المهلك، ومن ذلك زعمهم أن الله اتخذ ولدا، هذا الزعم يشير إلى عدم محض، والإيمان به هو اعتصام بالباطل وإعراض عن الحق، وذلك أخطر ما يمكن أن يقع فيه إنسان، ذلك لأن ما يؤمن الإنسان من عقيدة هو الذي يحدد اتجاه أي عملٍ يصدر عنه، فمن أشرك فسيذهب عمله سدى، فلا شريك لله في ملكه.

فمن يتلفظ بألفاظ الشرك هو كاذب، وهو يجعل من الكذب عقيدة له، والكذب صفة عدمية، والصدق صفة وجودية، وكفى بالمرء من ضلال وخيبة أن يتشبث بالعدم وأن يفر من الوجود، هل يمكن أن ينجو من سقط من شاهق إذا تشبث بحبلٍ لا وجود له إلا في خياله المريض؟! أو لأنه ورث وهمًا عن آبائه؟!

إن المشرك هو أسوأ من الكافر من حيث أنه لا يكتفي بإنكار حقيقة وجودية عظمى، وإنما يحاول أن يختلق حقيقة بديلة، وهذا ليس له، كما أنه يعتدي اعتداءً صارخا على حقوق رب العالمين، فيعرض نفسه بذلك للعذاب المهين.

والله تعالى يعلن إشفاقه على رسوله الحبيب من الحالة التي كان عليها بسبب رفض الناس الإيمان بالقرءان، فالمقصود بالحديث المعرَّف هو القرءان، ولقد أعلن الله تعالى هذا الإشفاق بأكثر من طريقة في القرءان، ومنها قوله للرسول:

{إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين} [القصص:56]

ولذلك يجب على كل داعٍ إلى الخير وعلى كل مصلح أن يكون شغله الشاغل هو أداء ما هو واجب عليه دون استعجال النتائج.

ولقد رأى الناس كيف أن الرسول قد انتصر في النهاية وكيف انتشرت دعوته وملأت بنورها المشارق والمغارب.

*****