دائرة المعارف

حرف الألف

الآيـة

الآيـة

الآية مكونة من عدة كلمات مترابطة، لذلك فالكائنات المخلوقة والظواهر الطبيعية هي آيات إلهية كونية.

أما الكلمة فهي كيان أمري له معناه التام، فهي قد تكون حقيقة أو قانونا أي سنة أو حكما أو وعدا أو وعيدا، فالكلمة الأمرية ليست كالكلمة اللغوية.

والآية في عالمٍ ما أو في مرتبة ما هي نسق خاص من كلمات هذا العالم المرتبطة ببعضها بحيث تؤدي إلى كيان أمري، والوصول إلى إدراك هذا الكيان الأمري يستلزم إعمال الملكات الملائمة، ولذلك فكل مجموعة من كلمات الكتاب العزيز هي آية، وكل السنن الكونية والقوانين الطبيعية هي آيات، وكل الكيانات المادية والإنسانية هي آيات، ولكن لابد للإنسان من هاد حتى يدرك أن ما يراه هو آيات، ولذلك فالآية بالنسبة إلى الإنسان هي علامة على سبيل الرشاد أي الصراط المستقيم، وهي علامة على سمات إلهية ومقتضياتها من الصفات البشرية، ولما كان لله الكمال المطلق المفصل بما لا يتناهى من السمات فإنه لا تتناهي آياته، فهو يأتي دائما بكل ما هو بديع، وهو ينسخ الآيات ليأتي بما هو خير منها أو مثلها، فكلما استعدت البشرية لشريعة جديدة أو لنهج جديد أعطاها من لدنه ما يلائم استعدادها وما تجد به رشدها.

والكتاب العزيز يستعمل كلمة "آية" مفردة بمعني الدليل أو البرهان أو الحجة أو العلامة أو الأمر المعجز أو الإنجاز المادي المبهر أو الأمر المثير للتفكير والتدبر والاعتبار أو الظاهرة الكونية أو الواقعة التاريخية أو ما تتضمنه وتشير إليه الظاهرة أو الواقعة، فكل ظاهرة طبيعية حتى لو كانت مألوفة للناس هي بالضرورة آية إلهية، ويمكنهم أن يدركوا شيئا من ذلك لو حاولوا فقهها والتعرف على القوانين الحاكمة عليها والسارية فيها والأسماء الإلهية التي يستند إليها كل ذلك، أما العبارات القرءانية فيشير القرءان إليها بكلمة "آيات" والتي تدل أيضا على المعاني التي تشير إليها العبارات، والتي يمكن أن يصل الإنسان إلى معرفتها بإعمال ملكاته فيها باتباع السبل والمناهج القرءانية.

قال تعالى:

{وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللّهَ قَادِرٌ عَلَى أَن يُنَزِّلٍ آيَةً وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُون}[الأنعام:37]، {وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}البقرة118، {وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ فَانْتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِين}[يونس:20]، {قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِين}[المائدة:114]

فمن الواضح هنا أنه ليس المراد بالآية العبارة القرءانية، ذلك لأن الرسول قد أُنزل عليه الكثير منها وجاءهم بالكثير منها، وإنما طلبوا أن يأتيهم أمر باهر معجز مرئي بالأبصار غير مألوف فصَّلته آيات القرءان الأخرى مثل: {وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِين} [الأنعام:35]

وقال تعالى:

{سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} البقرة 211

ومن البديهي أنه لم ينزل على بني إسرائيل عبارات قرءانية، وإنما المراد ما رأوه بأعينهم مما حاق بفرعون وآله ومما رأوه من موسى عليه السلام.

ولم يرد في القرءان استعمال كلمة "آية" المفردة للإشارة إلى عبارة قرءانية بين فاصلتين، ومن الآيات القرءانية التي تبيَّن أنه ليس المراد بكلمة "آية" عبارة قرءانية:

{وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}البقرة248، {أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِـي هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }البقرة259، {قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لَّأُوْلِي الأَبْصَارِ}آل عمران13، {قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ}آل عمران41، {وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}آل عمران49، {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَـذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيم}[الأعراف:73]، {قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآَيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (106) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (107) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (108) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (109)} الأعراف، {فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُون} [يونس:92]، {وَيَا قَوْمِ هَـذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيب}[هود:64]، {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلآ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَاد}[الرعد:7]، {وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَاب}[الرعد:27]، {يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون} [النحل:11]، {وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُون}[النحل:13]، {وَاللّهُ أَنزَلَ مِنَ الْسَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَسْمَعُون}[النحل:65]، {وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون} [النحل:67]، {ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون} [النحل:69]، {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلا} [الإسراء:12]، {قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا}[مريم:21]، {فَأْتِيَاهُ فَقُولاَ إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلاَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى} [طه:47]، {وَقَالُوا لَوْلاَ يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِّن رَّبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى}[طه:133]، {وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِين} [الأنبياء:91]، {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِين} [المؤمنون:50]، {وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا} [الفرقان:37]، {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُون} [الشعراء:128]، {فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِين} [الشعراء:158]، {أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسْرَائِيل} [الشعراء:197]، {فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِين} [العنكبوت:15]، {خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّلْمُؤْمِنِين} [العنكبوت:44]، {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُور} [سبأ:15]، {وَآيَةٌ لَّهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُون} [يس:33]، {وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُون}[يس:37]، {وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُون}[يس:41]، {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (46) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآَيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (47) وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (48)} الزخرف.

ولكل ذلك فإن كلمة "آية" في الآيات القرءانية لا تعني بالضرورة جملة أو عبارة قرءانية، وإنما السياق هو الذي يحدد معناها كما هو بيِّن وواضح في الآيات السابقة، وكذلك الأمر بالنسبة للآيات الآتية من سورة البقرة:

{مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ{105} مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{106} أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ{107} أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ{108} وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{109} وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ{110} وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ{111} بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ{112}}البقرة.

فسياق الآيات يبيِّـن أن الله سبحانه قد اختص تلك الأمة برحمته طبقا لقوانينه وسننه إذ رأى أنها أصلح الأمم لحمل رسالة الحق عندما حان أوانها، ولقد كان القرن الإسلامي الأول عند حسن ظنه بهم وحملوا الرسالة إلى العالمين.

والآية رقم 106 من سورة البقرة التي يحتج بها القائلون بالنسخ وردت في سياق حديث موجه إلى المؤمنين يندد بالذين كفروا من أهل الكتاب ويحمل عليهم ويكشف للمؤمنين حقيقة موقفهم منهم ومما أنزل عليهم وحقيقة دوافعهم ويحذرهم من أن يكونوا مثلهم، فلقد عزّ على هؤلاء أن ينزل كتاب على الأميين يحل محل ما لديهم من أحكام وينسخها أمام أعينهم، فكل آية من آيات القرءان تتضمن حكما شرعيا قد نسخت نظيرتها مما لديهم، والقرءان هو الآية التي نسخت ما كان قد أنزل عليهم وأغنت عنه، وثمة شرائع أخرى لم يقصصها الله على رسوله واندثرت آثارها فبذلك أُنسيت، والآية رقم 106 تبين أن ما أنزله الله على عباده لن يضيع أبدا، فلابد من آية تحل محل ما نُسِخ أو أنسي مما سبق نزوله، ولابد أن تكون الآية الجديدة أفضل أو على الأقل مثل ما نُسخ أو أُنسي.

فالآية رقم 106 تبيِّن إذاً اتجاه تطور الشرائع، فلقد كان اتجاها صاعدا موجبا، ومن المعلوم أن الدين العام المنزل قد اكتمل بالإسلام، وأن الإسلام قد أخذ ينمو أيضاً أثناء البعثة النبوية إلى أن اكتمل وأُنزلت آية تنص على ذلك، قال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً} المائدة3، وكل هذا يدحض مزاعم أعداء القرءان الذين يقولون إن المراد بالآية في الآية المذكورة هو الآية القرءانية دون أن يقدموا بين يدي زعمهم هذا أدنى دليل.

فالآية تتضمن شرطين ممكنين وجواب واحد للشرطين كما يلي:

1. نسخ آية بمعنى إزالتها ومحوها وإبطالها، والجواب هو أن يأتي الله تعالى بخيرٍ منها أو مثلها، والآية هي من آيات الكتب السابقة أو أحكامها فقد كان المسلمون ملزمون باتباع ملة إبراهيم وكانوا يعرفون منها أمورا وكذلك كانوا يأخذون ببعض أحكام أهل الكتاب مثلما هو الحال في موضوع القبلة وكذلك كانوا لا يقربون نساءهم في ليالي الصيام مثلما التزم بذلك الذين من قبلهم، فأتاهم الله تعالى بخيرٍ من ذلك في القرءان، والخيرية هي في اتجاه التيسير أو الاستجابة لأمانيهم وما يرضونه مثلما حدث في موضوع القبلة، ولا مجال للقول بأن النسخ يعني الإثبات أبدا أو بمعنى النقل من عند أهل الكتاب وإثباته، فهذا ما نفاه الله تعالى عن كتابه، وهو يتناقض مع جواب الشرط والذي يستلزم إذهاب عين الآية التي تعرضت للنسخ.

2. إنساء آتية، والإنساء الذي يستقيم معناه مع جواب الشرط هو ذهاب عين الآية التي تعرضت للنسخ حتى تحل محلها آية قرءانية خير منها أو مثلها، وهذا ما حدث مع الأحكام والآيات المنزلة التي اندثر العلم بها، ذلك لأن الله تعالى لم يتكفل بحفظها.

والآيات المذكورة من سورة البقرة وردت في إطار سياق عام هو السورة نفسها والتي من مقاصدها بيان كيف أن الله تعالى قد اصطفى بني إسرائيل لحمل رسالته إلى العالمين ففشلوا في ذلك وأن الأمة الإسلامية أصبح هي المنوط بها ذلك، وأن من لوازم ذلك أن يكون لديهم كتاب مهيمن على ما كان قبله وناسخا له عند التعارض وأن تكون لهم قبلة ظاهرية جديدة، وأن تكون لهم قبلة حقيقية هي وجه الله تعالى:

{وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115) وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117) وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آَيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (119) وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120)} البقرة.

إنه يجب العلم بأن هذا القرءان يهدي للتي هي أقوم، وهو آية ناسخة لما قبلها أي لما بين يديه من آية الكتاب الماضي إذ حل محلها وأخذ مكانها وتضمَّن من الآيات ما هو خير مما نسخ أو ما هو مثلها، كما حلَّ محلَّ ما اندثر من الآيات التي تلقاها الأنبياء قبل ختم النبوة.

ولقد جاءت الآية {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}البقرة106 في سياق الرد على أهل الكتاب الذين عزّ عليهم أن يروا آية كتابهم تنسخ أمام أعينهم ويستبدل بها غيرها فاستبشعوا ذلك وغاظهم إذ كانوا ومازالوا يظنون أن الإله خاص بهم وحدهم وأن شريعتهم لا يمكن أن تنسخ وأنها خاصة بهم وحدهم ليتعالوا بها على الناس، وذلك هو سبب إنكارهم للنسخ، ولا يدرى أحد كيف استساغ بعض السلف استخدام هذه الآية لإثبات أن الكتاب به آيات منسوخة إما بواسطة آيات أخرى أو بالمرويات الظنية أو بالإجماع!!

*****

إن لكل آية قرءانية معاني ظاهرة ضرورية ومعاني باطنة خفية ذات ارتباط ضروري بتلك المعاني الظاهرة، والكيانات الإنسانية ملزمة بمعرفة المعاني الظاهرة والتوافق معها والإفادة منها والعمل بمقتضياتها، أما المعاني الباطنة الخفية فإنما هي لمن ارتفعوا على المستوي المتوسط العام وهم أولو الألباب، وتلك مرتبة لا تنال بطريقة مألوفة دنيوية وإنما ينالها الإنسان وفق سنن إلهية وكونية وباتباع منهج رباني، وليس من حق أحد أن ينكر تفسيرا ممكنا لآية إذا ما كان ثمة برهان عليه، ووجود تفاسير عديدة ممكنة للآيات هو من لوازم ومظاهر كونها آيات متشابهات ولأن الكتاب هو كتاب متشابه مثاني.

ولكل آية مطلعها وهو الحكمة أو المقصد منها، وهو الذي سيتحقق لمن ذكرها وتدبرها وفقهها وعمل وفقا لها، وذلك أمر يدركه من أوتي الحكمة من العلماء الراسخين في العلم.

ولكل آية حدها الذي تتميز به عن غيرها والمعبر عن حقيقتها وكيانها وشخصيتها يدركه أولو التمييز من الراسخين في العلم من أولي الألباب، وثمة طائفة خاصة منهم وهم الذين أوتوا ملكة البيان أي القدرة على صياغة ما سبق في صورة علمية تلائم العصر الذي يحيون فيه، ويتم بذلك تجديد الدين وإحياء التعلق به في نفوس العالمين والوفاء بما يحتاجه الناس في كل عصر.

والآية الكونية هي كالآية الكتابية لابد لها من وجه ظاهر يعلمه الناس عنها بالضرورة فيفيدون منه، فالماء مثلا هو آية كونية، وكل إنسان يعلم علم اليقين أنه ضروري لحياته، فهو يروي به عطشه ويشربه للحفاظ على بقاء جسمه وليمكنه من أداء وظائفه الطبيعية، وللماء وجه باطن قابل للانكشاف وهو تركيبه الكيميائي الذي يعطيه خواصه، وللماء جوانبه الباطنة الأخرى العديدة، وللماء أيضا حده الذي يميزه عن غيره من الكيانات، وللماء روح هي سره الخاص، وللماء حكمة أو غاية إنما خُلِق ليكون من وسائل تحقيقها وليؤديها في البناء الكوني العام.

والحياة المخلوقة ذات ارتباط وثيق بالماء الذي تتعدد صوره طبقا لنوع العالم ونوعية الحياة فيه، وكل صور الماء تشترك في أنها تبدوا بهذه السيولة والشفافية ولزومها للحياة والنماء والارتواء.

والماء يشير إلى كيانات علوية وكيانات أمرية باطنه أو خفية وإنما هو تمثال لها، وبازدياد علم الإنسان بالماء وبكل ما يتعلق به يتبيَّـن له أنه آية إلهية كونية، وينطبق نفس الأمر على كل كيان آخر أو على أية ظاهرة طبيعية أو سنة كونية، وبذلك يتحقق الوعد الإلهي بأن يري الإنسان آيات الله في الآفاق، لذلك يجب دراسة وفقه العلوم الطبيعية والسنن الكونية، وهذا يقتضي إعمال الملكات الذهنية من فكر وعقل وعلم، ذلك لأن تفصيل الآيات إنما يكون لقوم يتفكرون:

{كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24)}(يونس) ولقوم يعلقون: {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (28)} (الروم) ولقوم يعلمون: {كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(32)} (الأعراف).

فالذين يعملون ملكاتهم هم المحال اللائقة لتلقى التفصيل، وهم أيضا الذين يمكن أن ينتفعوا بالآيات ويبينوها للناس، فهم أولئك الذين يمكنهم أن يعملوا ملكاتهم القلبية الذهنية على هدى من نور الإيمان، وبالتفصيل يتم الظهور ويدرك الإنسان أن ما ألفه من الظواهر والكيانات هو آيات ربانية تسري فيها وتحكم عليها سنن إلهية، فدراسة وفقه العلوم الطبيعية من لوازم تحقيق المقاصد الوجودية.

إن النص على أن كل الظواهر الطبيعية آيات إلهية مثلها مثل الأمور والوقائع غير المألوفة التي تبهر الناس كان ينبغي أن يولد لدى المسلمين الشغف وحب الاستطلاع والرغبة الشديدة لمعرفة أسرار هذه الظواهر وسبب اعتبارها آيات إلهية.

ولو عقد المسلمون العزم وتضافرت جهودهم لتحقيق ذلك منذ ظهور الإسلام لتحققت الثورات التقدمية والطفرات العلمية والعرفانية هنا في الأمة الإسلامية ولتحقق بذلك حلم البشرية في إيجاد فردوس على هذه الأرض، ولكن المحسوبين على الإسلام ارتد أكثرهم على أعقابهم وانشغلوا بسفك الدماء وانتهاك الأعراض ونهب الأموال والإفساد في الأرض وتتلمذوا على أهل الكتاب ونقلوا عنهم أساطيرهم وخرافاتهم وفرقوا دينهم وحققوا لإبليس أشد أحلامه جموحا ولم يفلحوا إلا في إيجاد جهنم والنار وحطمة والهاوية وسعير على هذه الأرض، ثم خلف من بعدهم خلف سلوا سيف البغي على بعضهم البعض، وها هم قد عقدوا العزم على تدمير كل أعداء الصهيونية والشيطان الغربي بأموالهم وأنفسهم، وهذا الشيطان هو الذي يناشدهم الآن أن يخففوا من غلوائهم.

فما أسعد الشيطان الرجيم بهم!

*******

1