منظومات السنن والأحكام العملية

منظومة سنن الطعام

من السنن المتعلقة بالطعام ما يلي:

  1. طالما ورد أمر بالأكل والشرب مثلا فإنه يصبح بالضرورة أمرًا دينيا يجب أن يمتثل له الإنسان طاعة لربه وأن يكون قاصدا لذلك، وفي هذه الحالة فإنه يُثاب على امتثاله للأمر وعلى قيامه بالأمانة وواجبات الاستخلاف المنوطة به؛ فهو مستخلف في جسمه كما هو مستخلف في ماله الذي هو مال الله بالأصالة، لكن عليه أن يعمل بالأوامر والنواهي الأخرة المتعلقة بالأكل، مثل تجنب الإسراف وتجنب الميتة والدم ولحم الخنزير ... الخ، كما أن عليه طاعة أولي الأمر في مجال صحة الأبدان.

  2. أن يعلم الإنسان أن ما به من النعمة -ومنها وجود ما يأكله- هو من الله تعالى، فالطعام هو من رزق الله تعالى ونعمته، فيجب أن يذكره عندها، وأن يؤدي واجب الشكر له.

  3. تعظيم نعمة الله، وهو سبحانه يحب من يقدر نعمته ويوقرها ويجلها، وهو لا يقيم وزنًا لمن يتباهى بأنه لا يعبأ بها.

  4. الإنسان مأمور بأن يأكل من الطيبات من الرزق وطيبة الرزق نوعان، الطيبة المعنوية بأن يكون من مصدر حلال، وطيبة مادية بأن يثبت نفعه وينتفي ضرره، ولأولي الأمر في كل عصر ومصر أن يبينوا ذلك للناس، وهذا يقتضى اجتناب الخبائث التي حرمها الكتاب العزيز، والخبث أيضا نوعان خبث معنوي لكون الطعام من مصدر غير مشروع كأن يكون مسروقًا مثلا، وخبث مادي وهو ما يكون تأثيره ضارا بالكيان المادي للجسم، ولأولى الأمر أن يمنعوا بقانون بشرى وضعي كل ما ثبت ضرره على أي مستوى من المستويات إذا لم يكن ثمة نص شرعي يحرمه، ومن ذلك مثلاً أنه يجب تجريم أية وسيلة للكسب يمكن أن تستجد وتتضمن إضراراً بحق شرعي من حقوق الناس، وفي ذلك السياق يندرج تجريم الاتجار بالمواد المخدرة وتعاطيها.

  5. على الإنسان ألا يأكل مما حرمه الله تعالى في كتابه إلا إذا كان مضطرا وغير متعمد مخالفة الأمر الشرعي، أما ما نُهي عن أكله في بعض الآثار فحكمه أنه منهي عنه وليس محرما، والنهي عما ثبت ضرره أو منعه بقانون هو حق لأولي الأمر عملا بسنة الرسول.

  6. الأصل في سفك الدماء هو الحرمة، ولا تحق لأحد إلا بنص.

  7. الأصل في صيد البحر أنه حلال.

  8. مراعاة الحكمة في تناول الطعام، فلا يسرف ولا يبذر، ولا يجعله أكبر همه ولا مبلغ علمه ولا يتجاوز به قدره وأن يجعله وسيلة لا غاية وأن يعمل بمقتضى ما نص عليه الكتاب من أن متاع الدنيا قليل.

  9. أن يذكره الطعام بربه ولا يشغله عنه، فيذكر ربه عنده بقلبه ولسانه وأن يرى أن الله تعالى هو الذي ساق إليه هذا الرزق وسخر له كل الكون ودبر الأمر وصرف الآيات ليصل إليه هذا الطعام.

  10. أن يجعل من حضور الطعام وسيلة إلى ذكر الله فيذكره قبل وبعد وأثناء الأكل وألا يحتجب بالنعمة عمن ساقها إليه.

  11. أن يقنع بما ساقه إليه الله من النعمة وألا يتطلع إلى ما وصل إلى غيره وأن يرضى بقضاء الله وقدره وألا يفعل أو يضمر في نفسه ما يعرضه لغضبه وعليه ألا يزدرى أبدا نعمة ساقها الله إليه.

  12. ألا يتكبر على الآخرين وألا يتباهى عليهم بخصوص هذا الأمر وأن يعلم بأن ما به من نعمة هو بالأصالة من الله تعالى، ولذلك عليه أيضًا أن يتذكر إخوانه من البشر الجوعى وأن يؤدى إليهم حقوقهم.

  13. ألا يأكل حتى يجوع وإذا أكل فيجب ألا يملأ بطنه وألا يبلغ حد الشبع وأن يأكل بيمينه.

  14. أن يعلم أنه مستخلف في بدنه فعليه أن يتخذ كل ما يلزم من إجراءات لوقايته وصيانته وتقويته فيزوده مثلا بالطعام النافع، وعليه أن يفيد من كل ما يستجد من معطيات العلم في هذا الأمر.

  15. الصيام من وسائل صيانة الجسد وتذكير الإنسان بنعمة ربه وتذكيره بحقوق الجوعى عليه.

  16. لا يحق لأحد تحريم الطيبات من الرزق.

  17. يجب اجتناب الإسراف في تناول الطعام.

  18. يجب اجتناب التبذير في أمر الطعام.

  19. يجب على الإنسان ألا يجعل الطعام أكبر همه ولا مبلغ علمه.

  20. ما ورد في المرويات فيما يتعلق بنوعيات الطعام هي أمور خاصة بالبيئة العربية في القرن السابع الميلادي، ولا يحق لأحد جعلها جزءا من الدين، فذلك يتناقض مع عالميته وصلاحيته لكل زمانٍ ومكان.

وتلك السنن ليست على سبيل الحصر، وثمة أمور تتضمنها المرويات الظنية هي خاصة بالعرب والأعراب، وهي من العادات والتقاليد التي تتغير بتغير الزمان والمكان، والإسلام هو الدين العالمي الخاتم، وهو لم يأت ليلزم الناس بعادات وتقاليد الأعراب والتي كانت عزيزة عليهم.

ويجب العلم بأن الأصل في سفك الدماء هو الحرمة، وأن تحليل أكل البهيمة هو الذي يجب أن يأتي به نص، قال تعالى:

{...أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيد} [المائدة:1]، {...وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأَنْعَامُ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّور} [الحج:30].

والأنعام هي التي يرعاها الإنسان وتأكل الأبّ، فهي الحيوانات النباتية القابلة للاستئناس بصفة عامة.

والنهي عن بعض اللحوم قد يُدرك من فحوى الآيات أو إشاراتها، والرسول عندما نهاهم عن أكل لحوم الحمر الأهلية كان يبين لهم فحوى آيات قرءانية، قال تعالى:

{وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8)} النحل.

فالآيات تفصل للناس نعم الله تعالى عليهم، وقد ميزت بين الأنعام التي لهم فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا يأْكُلُونَ ولهم فيها جمال وتحمل أثقالهم وبين وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ التي خلقها لهم لِيرْكَبُوهَا وَزِينَةً، وبذلك دخل الجمل مثلا في الأنعام التي يمكن أن تؤكل وخرجت الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ، ويمكن أيضا استنباط أن النهي عن أكل لحوم الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ ليس بقوة النهي عن أكل لحم الخنزير، وهذا بالطبع يبين الترتيب الذي يمكن اتباعه عند الاضطرار.

وتحريم أكل ما أكل منه السبع يتضمن بالأولى تحريم أكل السبع نفسه، والعامل المشترك بين كل الأنعام هو كونها آكلات عشب وقابلات للاستئناس بحيث يمكن أن يرعاها الإنسان، فكل ما توفر فيه هذا الشرط من البهائم ينطبق عليه ما انطبق عليهم.

وكل صيد البحر حلال مهما كانت حالته بموجب الآيات:

{أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُون}[المائدة:96]، {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون}[النحل:14]، {وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون}[فاطر:12]

إن الطعام مثله مثل سائر أمور عالم الشهادة، هو نعمة إذا ذكَّر الإنسان بربه، وهو نقمة إذا ما شغله عنه.

*******