سورة الأنعام

سورة الأنعام 35

وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآَيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35)

كل رسول يريد أن ينجح فيما كُلِّف به، فهو يعلم جيدا مصير من سيكذب به من قومه المحببين إلى نفسه، والذي هو حريص لهم ويريد لهم الخير، أي هو يريد تحقيق المقاصد الدينية من بعثته، ولكن الذي سيسري هو ما يلزم لتحقيق المقاصد الكونية الوجودية، وتلك هي تراجيديا الوجود الإنساني.

ومن الحقائق الوجودية أن الإنسان هو كائن لديه الحرية والاختيار، فلن تظهر آيات بالقدر الذي يقهره ويخضع عنقه، وإنما بالقدر اللازم لإقامة الحجة الكافية، بحيث يكون عليه عندها أن يختار، وهناك من الناس من لن يؤمنوا مهما رأوا من آيات، هؤلاء لن ينتفعوا بأي تذكير بالحقائق ولا بأي إنذار بأيام الله.

ومما طلبوه من الرسول أن يرقى في السماء باستعمال سلَّم، والمقصود بذلك أن يروه وهو يصعد إلى أعلى بجسمه المادي أمامهم، ولكن حتى وإن حدث ذلك فسيظنون أن في الأمر خدعة، وسيطلبون برهانا على الرقي الذي رأوه بأعينهم!

ويحاول بعض المجتهدين الجدد التشكيك في المعراج بنفي أن يكون الله تعالى قد استجاب لطلب كفار قريش بأن يصعد الرسول أمامهم في السماء! وهذا يبين مدى ضحالة فكرهم وسذاجتهم ونظرتهم الصبيانية إلى الحقائق العليا، فالمعراج هو تعبير عن صعود النفس أو الكيان الإنساني الجوهري في العوالم الراقية اللطيفة عالمًا من بعد عالم واستيعاب علوم والتحقق بحقائق كل عالم حتى الوصول إلى الدرجة المقدرة لهذا الكيان الجوهري، فهو ليس رحلة فضائية إلى مجرة أخرى مثلا.

ويجب العلم بأن كلمة "السماء" لها معانيها اللغوية، كما أن لها معانيها الاصطلاحية المتعددة، والتي يبينها السياق، ومن أبسط معاني السماء ما علا الإنسان من السحاب ومن الطبقات الجوية وما يُسمى بالفضاء الخارجي.

ومن معاني السماوات العوالم متصاعدة اللطافة والإحكام في مقابل العالم الدنيوي الكثيف المفصل.

لذلك فلا يجوز الانشغال بتحقيق مطالبهم التي لن تجدي شيئا، ولن تغير شيئا، بل ستوجب عليهم المزيد من العذاب.

وقولهم يدل على تصوراتهم المادية الحسية عن رب العالمين، ولقد أثبت التطور مدى سذاجة وتعنت أقوام الرسل في مثل هذه الطلبات.

والله تعالى يخاطب رسوله خطاب الربّ لعبده، وفي ذلك تأكيد لهذه العبودية حماية له من أن يُعبد من دونه، وإعلانا بأنه العبد المحض لله.

***

قال تعالى "وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى" تلك هي الحقيقة التي يؤكدها الله تعالى في كتابة مرة بعد أخرى، فلو شاء لهداهم أو لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى، ولكنه ما شاء، وإنما شاء أن يعامل الإنسان وفق لوازم حقيقته الإنسانية من حرية واختيار، ولذلك كان من البديهي أن ينقسموا إلى فريقين، وإلا لبطلت الحقيقة الإنسانية، وهي ليست باطلة، وإنما قدرها الله تعالى تقديرا، وقد خلق الإنسان وسواه فعدله.

فوجود مؤمنين وكافرين ومسلمين ومجرمين .... الخ من المظاهر الضرورية للحقيقة الإنسانية التي كان لابد أن تكون هكذا لتحقيق المقاصد الوجودية.

***

وقد ظنَّ بعض (المجتهدين الجدد) أن هذه الآية تنفي عملية المعراج! فهم يظنون كالكافرين السذج أن السماء هي كيان مادي كالأرض، وأن المعراج كان يستلزم استعمال وسائل مادية، وقطع مسافات مكانية؛ أي تغيرًا في الإحداثيات المكانية!

والآية تشير إلى أنه لو حقق لهم أقصى ما يريدونه من كافة أطرافه، فلن يجعلهم يؤمنون، ولن يؤمن إلا من طلب الهدى ليتبعه.

***

والآيات القرءانية تبيِّن أن استعمال الآية المادية؛ أي المعجزة المادية المبهرة، كبرهان على صدق الرسالة قد نُسِخ، وأنه على الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ بمقتضى ذلك ألا يعوِّل على المعجزات أي الآيات المادية المبصرة لهداية الناس ولحملهم على الإيمان بما جاء به، وأن عليه هو أن يسعى وأن يبذل الجهد وأن يبتدع الأساليب الكفيلة بجذبهم إلى قبول الهدى والرسالة، وكان ذلك من مقتضيات حب الله لرسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ وحرصه على نجاحه وفلاحه، ذلك لأن سننه التي هي مقتضيات أسمائه قد حتَّمت أن يكون الترقي إلى الدرجات العلى منوطا بمقدار بذل الجهد والسعي أساسا وأن هذا الترقي لا يكون خبط عشواء ولا يناله أحد اعتباطا.

ولكن البعض قد نجحوا في أن يلبسوا على الناس أمر دينهم وأن يلقوا في أذهانهم أنه لا جدوى من السعي أو بذل الجهد أو العمل أو اعتماد الأسباب، وإنما من الأفضل أن يظلوا فارغين عاطلين محملقين في الفراغ، وإلا لكان ذلك طعنا في التوكل وشكا في قدرة الله سبحانه على تدبير وتصريف الأمور، وزعموا أن درجات الناس محددة سلفًا وأنه لا جدوى من السعي أو العمل، وأنه ليس للإنسان إلا الرضا بما كتب عليه لأن اللاحق لا يكون سببا في السابق ..... الخ، وهم لا يعلمون أنهم بكل ذلك قد فرَّقوا بين الأسماء الإلهية وكفروا بكثير منها وعطَّلوا عمل بعضها، ذلك لأنهم لم يعرفوا لها قدرها ومجالات أعمالها، بل إنهم أساءوا الظن بربهم إذ زعموا أنه يُكرِه الناس على أن يكونوا مثلما علمهم وسيسوقهم رغم أنفهم إلى ما كتبه عليهم، وكان عليهم أن يعلموا أن كمال سماته يقتضي أن يعطيهم الحرية ليعملوا فتأتي أعمالهم مصدقة لما علمه عنهم وقدَّره لهم.

وإلى دعاة الجبرية هذا المثال:

ثمة رجلان أرادا أن يظهر كل منهما براعته في صناعة زهرة النرد، أما أولهما فقد صنعها فأتقن صنعها بحيث كانت نتيجة إلقائها عشوائية تماما، وقطع كل من اختبرها بذلك، والعشوائية التامة هنا تعني التساوي التام لاحتمال الحصول على أي رقم من 1 إلى 6 عند إلقائها، ورغم ذلك فإن هذا الصانع يمكنه وحده التقدير الصحيح لنتيجة إلقاء تلك الزهرة مهما كان من يلقيها ومهما كانت الظروف المصاحبة لهذا الإلقاء.

أما الثاني فلم يُجِد صنعها، ولم يكتف بذلك وإنما ألزم من يستعملها بأن يلقيها في كل مرة بطريقة معينة بحيث تعطي النتيجة التي يتوقعها هو!

فأي الرجلين أكثر براعة وأفضل خلقا وأمانة؟

والآية تبيَّن أنه لو كان من المقاصد الإلهية أن يجتمع الناس على الهدى لتحقق ذلك بكل سهولة، ويسر، ذلك لأن لله تعالى الأمر، فلا رادّ لقضائه ولا معقب لحكمه، ولكن الله تعالى شاء أن يجعل الإنسان مخيرًا في أمر الإيمان والهدى، ولذلك كان من الطبيعي أن يكون منهم المؤمن ومنهم الكافر، ومنهم المهتدي ومنهم الضال.

وهذه الآية حجة على من يقولون إن المقصود بكلمة "آية" هو فقط العبارة القرءانية بين فاصلتين، فكفار قريش كانوا لا يريدون إلا ما يُسمَّى بالمعجزة المادية الحسية، وهذا من معاني كلمة "آية".

إنه على الرسول أو الداعي إلى الخير أن يبذل أقصى ما يستطيع من جهد، هذا هو المطلوب منه، ولكن عليه أن يعلم أن الأمر كله لله، وأن الهدى هدى الله، فعليه ألا يتعجل النتائج، وعليه أن يعلم أنه لن يؤمن إلا القليل من الناس.

*****

الآيات الحسية لن تجدي شيئا مع الجاحدين المتعنتين، وقلما يؤمن أحدهم بسبب دليل عقلي أو مادي حسي، وممارسة الأعمال الكفرية تزيد من تدهور أحوال هؤلاء المعاندين حتى إنهم ليفضلون الهلاك على الإصغاء إلى رجل منهم يحمل إليهم رسالة رحمة لهم.

وقوله وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى ٱلْهُدَىٰ، وهذا يعني أنه لم يشأ، بل الذي شاءه أن يعامل الإنسان وفق مقتضيات حقيقته، فالإنسان ذو إرادة حرة ومشيئة واختيار، فيجب أن يؤمن طوعًا لا كرهًا.

*****

و{كَبُرَ}هو فعل ذاتي لازم، مضارعه يكبُر، اسم فعله كِبَر، للدلالة على ما كبر كيانه المادي أو المعنوي طبقًا لحقيقته.

ولا يجوز تفسيره بالفعل "عظُم" فكل واحد منهما فعلٌ أوليّ له معناه الخاصّ.

وكل فعل منهما فعل اتسام أو اتصاف ذاتي، يوصف به الكيان؛ ماديا كان أو معنويا.

ولكن الفعل كبُر عندما يتعدى بالحرف "على" يعبر عن تأثير الكيان الموصوف به على الآخرين، فهو يكون فعلًا نسبيا لا يتحقق إلا بوجود ما يكبر في نظر آخر وهذا الآخر.

والموصوف به هنا موقف الذين كفروا من الرسول.

وجيء في هذا الشرط بحرف "إنْ" الذي يكثر وروده في الشرط الذي لا يظنّ حصوله للإشارة إلى أنّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وَسَلَّمَ لا يُتوقع منه حدوث مثل ذلك، ولكنّه على سبيل الفرض.

وزيدت "كان" بعد إنْ" الشرطية بينها وبين ما هو فعل الشرط في المعنى ليبقى فعل الشرط على معنى المضي فلا تُخلّصه "إن" الشرطيّةُ إلى الاستقبال، كما هو شأن أفعال الشروط بعد إن"، فإنّ "كان" لقوّة دلالته على المضي لا تقلبه أداة الشرط إلى الاستقبال.

والإعراض هو حالة أخرى غير حالة التكذيب، وكلتا الحالتين من أسباب استمرار كفرهم، فالإعراض هو تجاهل الآيات وعناصر الرسالة، أما التكذيب فيتضمن رمي من أظهرها لهم بالكذب، أو تكذين مضمونها.

والاستطاعة تعطي معنى التمكن والقدرة، والابتغاء هو الطلب الشديد أو البحث الحثيث.

المقصود بيان أنه مهما اجتهد ليأتيهم بآيات فلن يغير ذلك من الأمر شيئا.

وهم كانوا يطلبون أمرًا ماديا حسيا خارقًا للمألوف، فقد أعرضوا عن القرءان كآية، وعن آياته.

وجواب الشرط محذوف دلّ عليه فعل الشرط، فهم لن يؤمنوا حتى إن جئتهم بما طلبوا، ذلك لأنّ الله جعل على قلوبهم أكنّة وفي آذانهم وقرا، وذلك بسبب أعمالهم بمقتضى سنن حقانية عادلة.

والآية تشير أيضًا إلى أن المكلف برسالة إلهية عليه أن يبذل كل ما يستطيع من جهد للقيام بها، وذلك طبقًا لنسق السنن المتاح له، وأنه ليس له أن يتعجل النتائج، ولا أن يأسى على من أصرّ على كفره، فالمطلوب منه الهدى بمعنى الدلالة على سبيل الخير، ولي تحقيق الهدى الفعلي في نفوسهم.

والله تعالى لَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى، ولكنه شاء أن يعاملهم وفق الحقيقة الإنسانية العامة، والتي من لوازمها الإرادة الحرة والاختيار فيما يتعلق بالأمور التي سيتحدد عليها مصير الإنسان في الدار الآخرة، وهذا بمقتضى المقاصد الوجودية.

وليس لهم أن يقولوا لو شاء الله ما أشركنا، ذلك لأنهم لا علم لهم بالمشيئة الإلهية، فلا يمكنهم الاحتجاج بها، ولكن لله تعالى أن يقول {وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى}، فالمشيئة هي جماع سننه، ويتجلى فيها عدله ورحمته، فبمشيئته التي يعلمها هو يقيم هو عليهم الحجة، وهو يقيمها بما علمه منهم.

والجهل هو نقيض الحلم أو العلم أو كليهما، والجهل أمرٌ نسبي، والمقصود بالجاهلين هنا من يجهلون ما هو مذكور هنا بشأن الكفار المتعنتين.

أما الحلم فهو الحلم عليهم أيضًا رغم موقفهم المتعنت، والذي قد يدفع النبي إلى الدعاء عليهم دعاءً سيتسبب في هلاكهم.

لذلك فعلى المصلح ألا يَكْبُر عليه إعراض الناس عنه، وألا يضيق صدره به، وأن يتحلى بأقصى درجة من الحلم عند تعامله مع من يدعوهم، وإذا أيقن أن أحدهم مصرٌّ إصرارًا شديدًا على رفض دعوته ويبذل قصارى جهده للتصدي لها فعليه ألا يبتئس بسبب ذلك، وألا يحمله ذلك على التوقف أو التباطؤ في عمله.

والنهي عن أن يكون من الجاهلين إنما هو عن أمرٍ هو من الممكن أن يكون فعلًا أو صفة للبشر، وهذا الفعل لم يصدر بالضرورة عن الرسول، وهذه الصفة لم يتصف بالضرورة بها، وكثير من النواهي موجهة إلى الرسول دون أن يصدر عنه ما هو منهي عنه، وكثير من الأوامر موجهة إليه، ولا يعني ذلك أنه لم يكن متصفًا بما هو مأمور به أو لم يكن قائما به، قال الله تعالى:

{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا} [الأحزاب:1]،

فهذا تأكيد لما كان بالفعل متصفًا به عاملا به، ولا يجوز تصور أن الرسول لم يكن متقيا أو كان يطيع الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ، ولكن توجد بالضرورة مقاصد وحكم من مثل هذا الخطاب.

وهذه الأوامر ملزمة أساسًا لكل المسلمين، وهؤلاء لا يجوز لهم أن يغلوا في شأن الرسول، فمثل هذه الأوامر تكسبهم مناعة ضد ما وقعت فيه الأمم الأخرى من اتخاذ أنبيائهم أربابا أو آلهة.

كما أن مثل هذه الآيات تزود الداعين إلى الله بما يلزم من الحجج ضد دعاة الشرك الذين يؤلهون أئمتهم وكبراءهم.

ولقد كان على الرسول بالنظر إلى مقامه الرفيع عند ربه، وهو أعلى مقام فاز به رسول نبي أن يكون العبد المحض لله، وأن يقابل تجلياته الجلالية بالأدب اللائق، وهذا ما تحقق به، فحقّ له أن يقول "أدبني ربي فأحسن تأديبي"، وهو، للمؤمنين من بعده، الأسوة الحسنة.

*******