من هدي القرءان الكريم

سورة البقرة

سورة البقرة 62

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ {62}

هذه الآية تبشر كل من آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحا بالأجر والأمن والسعادة، فالمطلوب من المسلم أن يعمل على تحسين وتزكية ما لديه من مفهومٍ Concept عن ربه بالنظر في القرءان والتفقه في العلم الإلهي الذي يتضمنه والخاصة العلم المتعلق بالأسماء الحسنى والأفعال والشئون والسنن الإلهية، وعلى المسلم أن يؤمن باليوم الآخر، وهذا يتضمن الإيمان بكل ما ذكره القرءان عنه.

وعلى المسلم أن يعمل بمقتضى ما علم من القرءان، ومن ذلك أن يقوم بما يجب عليه كخليفة في الأرض وحامل للأمانة، وكل عمل بمقتضى أمر قرءاني هو عمل صالح.

والآية تذكر ثلاثة أركان دينية كبرى: الإيمان بالله تعالى، الإيمان بالغيب المذكور في القرءان ممثلا بالإيمان باليوم الآخر والعمل الصالح.

والآية تذكر أربع فئات: الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ، والمقصود بالَّذِينَ آمَنُواْ من آمنوا بخاتم النبيين وبرسالته.

أما الَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئونَ الذين لهم الوعد المذكور في الآية فهم:

1. المؤمنون بالرسالات الأصلية قبل أن يلحقها التغيير والتبديل والتحريف.

2. من بقي على دينه المذكور وعمل عملا صالحا بشرط الإيمان بالله واليوم الآخر إذا لم يبلغه الإسلام البلاغ المبين.

والطائفة الأولى لم يعد لهم وجود الآن.

أما الطائفة الثانية فيجب أن يؤمنوا بالله واليوم الآخر كما ورد في الرسالة الخاتمة، ولا عذر لهم إلا إذا كانت الرسالة لم تبلغهم البلاغ المبين.

ولقد اشترطت الآية الإيمان بـ"الله"، والمقصود هو الإيمان بـ"الله" الذي يتحدث عن نفسه في القرءان، الأَحَدٌ الصَّمَدُ، الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ومن ذلك أنه الواحد، والذي له الأسماء الحسنى والشؤون المذكورة في القرءان.

وليس من حق أحد أن يقول إنه يؤمن بالله، ثم يتضح أنه يقصد بهذا الاسم ثالوثًا مثلا، أو شخصًا ذا حجم هائل بجلس على عرش لا يكاد يتحمله، أو كائنًا ضخمًا من مادة لطيفة مثلا، أو أحد الأنبياء، أو أحد الأبطال الأسطوريين أو أي شيء آخر.

فحقيقة الله سبحانه فوق كل إدراك وتصور، وكل إنسان لا يعبد إلا مفهومه عنه.

ولا يعلم أكثر الناس أن هذا الاسم الجليل قد تم حذفه من كتب أهل الكتاب!!!! وقد كان موجودا فيها، وهو الاسم الحقيقي الذي يشير إليه اليهود بالـ The tetragrammaton)) من الكلمة اليونانية(τετραγράμματον)  والتي تعني أربعة حروف، فاليهود منذ أن دعوا أنفسهم بهذا الاسم لا يعرفون "الله"، وإنما يعرفون بعض صفاته، وقد كانوا يتصورونه دائما ربا خاصا بهم، ولو قالت الآية "الإله" أو "الرب" لكان ثمة أمل لهم في النجاة.

ومن أركان دين الحق الإيمان باليوم الآخر، وهذا اليوم ينكره بعض طوائف اليهود مثل الصدوقيين، ذلك لأنه لا ذكر له في توراتهم أو باقي أسفارهم، ولم يرد إلا على استحياء في سفر دانيال، فلا توجد في كتب العهد القديم الأولى أية إشارات إلى بعث الموتى أو الحياة الأبدية، وحتى بعد أن ظهرت فكرة خلود الروح، فإن هذه الفكرة لم تكن بعد مرتبطة بفكرة البعث والخير والشر والثواب والعقاب، ذلك لأن الروح كانت تذهب بعد الموت إلى مكان مظلم يُسمَّى "شيول" حيث تبقى إلى الأبد، فلا تظهر فكرة البعث بشكل واضح لا إبهام فيه إلا في سفر دانيال الذي كُتب أثناء السبي البابلي وربما أثناء الحكم الفارسي؛ جاء في الإصحَاحُ الثَّانِي عَشَرَ من هذا السفر:

1«وَفِي ذلِكَ الْوَقْتِ يَقُومُ مِيخَائِيلُ الرَّئِيسُ الْعَظِيمُ الْقَائِمُ لِبَنِي شَعْبِكَ، وَيَكُونُ زَمَانُ ضِيق لَمْ يَكُنْ مُنْذُ كَانَتْ أُمَّةٌ إِلَى ذلِكَ الْوَقْتِ. وَفِي ذلِكَ الْوَقْتِ يُنَجَّى شَعْبُكَ، كُلُّ مَنْ يُوجَدُ مَكْتُوبًا فِي السِّفْرِ. 2وَكَثِيرُونَ مِنَ الرَّاقِدِينَ فِي تُرَابِ الأَرْضِ يَسْتَيْقِظُونَ، هؤُلاَءِ إِلَى الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ، وَهؤُلاَءِ إِلَى الْعَارِ لِلازْدِرَاءِ الأَبَدِيِّ. 3وَالْفَاهِمُونَ يَضِيئُونَ كَضِيَاءِ الْجَلَدِ، وَالَّذِينَ رَدُّوا كَثِيرِينَ إِلَى الْبِرِّ كَالْكَوَاكِبِ إِلَى أَبَدِ الدُّهُورِ.

فلا يوجد في فرقهم الشهيرة من يؤمن باليوم الآخر بالمفهوم السليم، ففرقة الصدوقيين تنكر قيام الأموات، وتعتقد أن عقاب العصاة وإثابة المتقين إنما يحصلان في حياتهم.

أما فرقة الفريسيين فتعتقد أن الصالحين من الأموات سينشرون في هذه الأرض؛ ليشتركوا في ملك المسيح الذي يأتي آخر الزمان، وهم يؤمنون بالثواب والعقاب الأخروي وبخلود الروح في الحياة الآخرة.

ومن نظر أدنى نظرة في كتاب اليهود التوراة والكتب الملحقة بها يجد أن الوعود الواردة فيه مقابل الإيمان برب الجنود (Lord of Hosts) والأعمال الصالحة تدور كلها حول متاع الحياة الدنيا من انتصار على الأعداء وكثرة الأولاد ونماء الزرع، إلى غير ذلك، كذلك الوعيد الوارد على المعاصي والكفر، كله يدور حول إذلالهم وانتصار الأعداء عليهم وسبي ذراريهم وموت زرعهم وماشيتهم إلى غير ذلك من العقوبات الدنيوية، مما يدل على عدم إيمانهم باليوم الآخر حسب التوراة والكتب الملحقة بها.

وهذا يختلف عما لديهم في التلمود، حيث صرَّحوا بالنعيم والجحيم، فقد ورد فيه: أن الجنة مأوى الأرواح الزكية لا يدخلها إلا اليهود، والجحيم مأوى الكفار، ولا نصيب لهم فيه سوى البكاء؛ لما فيه من الظلام والعفونة والطين، وأن الجحيم أوسع من النعيم ستين مرَّة.

كما ورد في نص الأصول الثلاثة عشر التي وضعها موسى بن ميمون، وجعلها أركان الإيمان اليهودي، قولهم في الركن الثالث عشر: (أنا أؤمن إيمانا كاملاً بقيامة الموتى، في الوقت الذي تنبعث فيه بذلك إرادة الخالق- تبارك اسمه وتعالى ذكره- الآن وإلى أبد الآبدين)، وهذا ليس فيه تصريح باليوم الآخر؛ لاحتمال أن يقصد بذلك بعثاً دنيويًّا على نحو عقيدة الفريسيين السابقة، ولكن ذلك يدل على تغير في العقيدة لديهم عما كان عليه كثير من أسلافهم المتقدمين، ولعله من تأثرهم بعقيدة المسلمين؛ لاحتكاكهم بهم؛ لأن موسى بن ميمون كان طبيباً للأيوبيين في مصر.

وترى اليهودية الحاخامية أن الإيمان ببعث الموتى إحدى العقائد الأساسية في اليهودية، وأحد أُسُس الإيمان، كما ترى أن البعث بعث للروح والجسد. ولكن التفكير الأخروي اليهودي يتضمن عنصرين: أحدهما زمني وهو العصر المشيحاني، والآخر لا زمني هو صيغة من صيغ آخر الأيام. كما أن علاقة البعث بيوم الحساب وجهنم والجنة لم تتحدد كما أن فكرة البعث تكتسب بُعدا قوميا وتظل مرتبطة بالعودة القومية إلى الأرض. وحتى بين هؤلاء الذين يؤمنون بفكرة البعث، هناك خلاف حول من يُبعَث من البشر إذ قال موسى بن ميمون إن الأبرار وحدهم هم الذين سيُبعَثون، وذهب آخرون إلى أن كل أفراد جماعة يسرائيل سيُبعَثون، وقال فريق ثالث إن الجنس البشري بأسره سيُبعَث في آخر الأيام، وثمة بعض المفكرين من اليهود من ينكرون حتى الآن عقيدة البعث. وتنكر اليهودية الإصلاحية فكرة أن البعث هو عودة الروح إلى الجسد وحسابها، مكتفيةً بتأكيد عقيدة خلود الروح، وقد تم تعديل كتاب الصلوات ليتفق مع العقائد الجديدة.

ويجب دائما العلم بأن الأخلاقيات اليهودية الحلولية أخلاقيات جماعية قومية لا تميِّز بين الخير وبين الشر بقدر تمييزها بين اليهود وبين الأغيار، وإنكار البعث تعبير مباشر عن هذه النزعة، فإذا كان الإله يحل في الأمة والأرض ولا يتجاوز المادة والتاريخ ويجمع بينهما، فإن البعث الفردي (والمسئولية الخلقية) تصبح أمورا مستحيلة وغير مرغوب فيها، فالبعث هو التوحد مع الأمة المقدَّسة والبحث عن الاستمرار والخلود من خلالها، وربما الدفن في الأرض المقدَّسة، ومن هنا كان الاهتمام المتطرف في إسرائيل بالدفن والمدافن، وباستعادة جثث الموتى من الجنود الإسرائيليين، بل من الشائع لدى بعض الجماعات اليهودية شراء تراب من أرض فلسطين (ومن القدس بالذات) ليُنثر على رأس المتوفي أملاً في أن يحوز بذلك البركة الخاصة بالبعث، وفي إطار الحلولية الصهيونية بدون إله ووحدة الوجود المادية التي تقدِّس الأرض، بدأ بعض الشباب الإسرائيلي يشعر بأن هذه الأرض المقدَّسة أصبحت تطالب بمزيد من المدافن وصناديق دفن الموتى، ولعل ما يدعم إحساسهم هذا، رفض يهود العالم الهجرة إليها وحرص الكثيرين منهم في الوقت نفسه على أن يدفن فيها.

وفي كل الأحوال فلا يظهر لليوم الآخر تلك المكانة الهائلة ولا التفاصيل السامية الراقية التي يعطيها له القرءان والذي يقرنه بالإيمان بالله، ومن العجيب أن تخلو كتبهم رغم تأثرهم الشديد بالمصريين القدماء من إشارات صريحة إلى اليوم الآخر! وربما كان ذلك رد فعل عكسي تجاه المصريين وديانتهم.

أما المسيحيون فهم يعبدون كائنا يسمونه بالثالوث، والثالوث في اللاهوت المسيحي يعني أن الإله الواحد ثلاث أقانيم (Hypostases) أو ثلاث شخصيات(Persons)  متساوية في الجوهر، فالإله عندهم ثلاث شخصيات متساوية في الجوهر (Three consubstantial persons)، ولكنها متميزة (The three persons are distinct) ، ويعتقد المسيحيون أنه لا يمكن قبول أحد الأقانيم منفردًا بل يجب التسليم بها جميعا، فكل واحد من الأقانيم إله كلي كامل، فالأقانيم الثلاثة الإلهية: الأب والابن والروح القدس، لا يمكن فصلها عن بعضها البعض، وتوجد علاقات ثابتة بينها فالأب هو الذي وَلد والإبن هو الذي وُلِد والروح القدس هو الذي ينطلق (It is the Father who generates, the Son who is begotten, and the Holy Spirit who proceeds) ، ولا يجوز الخلط بين هذه الشخصيات أو الأقانيم وبين الصفات الإلهية(Divine attributes) أبدا، بل إن لكل عضو من الثالوث أن يتصف بكل الصفات الإلهية، وكذلك كل فعل إلهي هو عملية واحدة مشتركة بين الثلاث شخصيات الإلهية، وقد قالوا إن هذه هي الطريقة التي عبّر فيها الإله عن طبيعته التي لا يمكن تسميتها ولا التحدث عنها، ويتكيف مفهوم الإنسان عنها وفقًا لمحدودية قدراته، ويقولون إن كل الأشياء من الأب من خلال الإبن وفي الروح القدس؛ (All things are "from the Father", "through the Son" and "in the Holy Spirit".

وبالطبع، فكل هذا الكلام لم يأت به نص في أي كتاب منزل، وإنما هو من عمل المجامع المسكونية Ecumenical Councils of churches، وفي كل الأحوال لا يرد اسم "الله" أبدًا عندهم في النص اليوناني الأصلي، وإنما يتحدثون دائما عن الأب والإبن، وهم يقحمون ما يسمونه بالروح القدس ليس إلا لاستكمال الثالوث! فهم يعبدون إلها يسمونه الثالوث أو حقيقته هي الثالوث، ولا يجوز أن يُترجم كل هذا التعقيد باسم لفظ الجلالة، فلفظ الجلالة له مضمونه ومفهومه القرءاني الذي لا يجوز المساس به.

أما اليوم الآخر بالمفهوم الصحيح الصريح وما يتضمنه من بعث جسمي فلا وجود له عندهم، وإنما هي قيامة المسيح ليدين الناس ويرسل من لا يؤمن بأنه المخلص إلى عالم البكاء وصرير الأسنان!

ولقد نصّ القرءان –وهو الرسالة الخاتمة المهيمنة- على أنهم قد غيَّروا وبدلوا وحرفوا، والدليل على ذلك ما لديهم من تصورات عن الله تعالى تتعارض مع ما ذكره القرءان، ولو كان ثمة واحد من الذين هادوا أو النَّصَارَى يحتفظ بنسخ أصلية من التوراة أو الإنجيل لوجد النبي الأمي مذكورا فيها ولآمن به.

فكل الطوائف المذكورة مأمورة أصلا بالإيمان بما أنزل الله تعالى على خاتم النبيين بموجب آيات قرءانية عديدة، وهذه الآية تخفف الأمر عنهم وتحثهم على الإيمان بالله وباليوم الآخر وفق ما يقدمه القرءان، كما تحثهم على العمل الصالح.

إنه يجب العلم بأن كلمة "الله" وكلمة "اليوم الآخر" من المصطلحات القرءانية، والقرءان هو المصدر الأوحد لمعاني ومفاهيم مصطلحاته، فالطوائف المذكورة مبشرة بما ذكرته الآية بشرط أن يكون الإيمان وفق المصطلح القرءاني، فلا يجوز لأحد إعطاء هذه المصطلحات معاني من عنده ثم يطالب بما ذكرته الآية.

أما من لم يؤمنوا فهم طوائف عديدة، ولكل طائفة حكمها.

ومع ذلك يجب الإقرار بأن حال الطوائف المذكورة أفضل من حال الذين كفروا تماما بالرسالات الإلهية أو أنكروا وجود الإله مطلقا.

كما أنه قد ينجوا الذين لم تبلغهم الرسالة القرءانية البلاغ الكافي من بعد البعثة النبوية، فهم مؤاخذون بما لديهم من الرسالات، فلا تكليف إلا بعد البلاغ المبين، وبذلك يتحمل عنهم العذاب في الدنيا والآخرة من قصروا في مهمة التبليغ من المحسوبين على الإسلام.

ولا يوجد أدنى تعارض أو اختلاف بين هذه الآية وبين الآيات التي تتوعد أهل الكتاب بالعذاب الأليم، فبعد ختم النبوة ونزول الرسالة الكاملة التامة المهيمنة أصبح كل من بلغته الرسالة ملزمًا بالإيمان وفق المفهوم القرءاني، فالإيمان بالله تعالى مثلا يعني الإيمان بالإله الذي له الأسماء الحسنى والشئون والسنن الموجودة في القرءان، والإيمان باليوم الآخر أصبح بعد الرسالة الخاتمة الإيمان به وفق ما أورده القرءان وليس وفق ما لدى أهل الكتاب.

والمراد من اصطلاح "الَّذِينَ آمَنُواْ" هم من يعرفون بالمسلمين الآن، ولذلك طولبوا أيضًا في القرءان بالإيمان، وهم مطالبون قبل غيرهم بالوفاء والعمل بمقتضى أوامر القرءان، ولا يجوز أبدًا أن يظنوا أنهم قد ضمنوا الجنة لمجرد أنهم ولدوا لآباء مسلمين.

ويجب العلم بأنه من بعد الرسالة الخاتمة فإن المصطلحات المذكورة في الآية يجب الإيمان بها وفق المفهوم والمعاني والدلالات القرءانية، وثمة حدّ أدنى لا يجوز ولا يُقبل النزول عنه، وقد لا يستطيع حتى المحسوب على الإسلام الوفاء بمقتضيات ولوازم الحد الأدنى؛ ولقد بيَّن القرءان بأجلى بيان ما هي المفاهيم والمعاني غير المتسقة مع المفهوم القرءاني.

*******

قال تعالى: 

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} البقرة62، {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} المائدة69.

إن المعاني التي تتضمنها الآية الأولي ثابتة ثبوتًا مطلقا، ذلك لأنه لا نسخ في القرءان، ولقد تكرر ذكر نفس المعاني في آية المائدة وهي من أواخر السور نزولا، والآية تعني أنه لا يكفي أن ينتمي المرء إلى إحدى تلك الطوائف لينجو بل لابد أيضًا من الإيمان بالله واليوم الآخر ولابد من العمل الصالح، والطوائف المذكورة هم من كانوا على الأديان الأصلية وليس المحرفة، وهؤلاء هم من آمن بالرسل وآزروهم ومن تمسك بما أنزل عليهم وما أتوا به ولم يبدل تبديلا، ويكاد ألا يوجد الآن أحد من الذين هادوا والنصارى والصابئين ممن بقوا على أصل الأديان الحقيقية المنزلة، ولقد نص القرءان على أن اليهود والنصارى قد حرفوا ما لديهم ونسوا حظًّا مما ذكروا به، وكذلك نص على كفر من قالوا ما تقوله شتى مذاهب البولسيين الآن.

أما الذين آمنوا فهم من اتبع الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ لأي سبب من الأسباب ولمَّا يصبح مؤمنا بعد؛ أي لم يتحقق بالإيمان بعد، ومنهم من أسلم لأسباب قبلية أو لكونه ولد لأبوين مسلمين....، فأولئك لابد لهم أيضا من الإيمان الحقيقي بالله واليوم الآخر ولابد لهم من العمل الصالح، واللقب مسلم لن يغني عنهم شيئا طالما لم يؤمنوا بالله واليوم الآخر بالمعاني القرءانية وطالما لم يصدِّق ذلك عملٌ صالح منهم؛ أي عمل بمقتضى هذا الإيمان، أما من أصبح مؤمنا حقًّا فله البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فالآيات تؤكد أهمية الإيمان الحقيقي والعمل الصالح وتبين أن مجرد الانتماء إلى طائفة ما لا يكفي للنجاة، وهي لا تنص أبدا على نجاة اليهود والنصارى الموجودين حاليا، أما هؤلاء فالقول الفصل فيهم ورد في الآية: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ }البينة6، ومما لا شك فيه أن اليهود والنصارى الموجودين حالياً قد كفروا بخاتم النبيين وبالكتاب الذي أنزل عليه وبالدين الكامل رغم أنه مكتوب عندهم في الكتب المنزلة الحقيقية، هذا فضلاً عن كفرهم الذي ذكرته الآيات بالتفصيل، فهؤلاء مخلدون في نار جهنم، ومن قطع بغير ذلك فسيكون بلا شك معهم، ومما هو معلوم من التاريخ بالضرورة أن البشرية لم تبتل بكائنات أشد إجراماً وخسة وصلفاً ودموية من الصليبيين، وأن هؤلاء هم المسئولون عن إبادة أكبر عدد من الجنس البشري في العالمين القديم والجديد، أما الآن فلقد أصبح هؤلاء الصليبيون دمى يحركها الصهاينة اليهود كما يشاؤون.

ومن اليهود الناجين الذين ينطبق عليهم منطوق وفحوى الآية مخيريق الذي رغم كونه يهوديا وبقائه على دينه أقر بأن الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ حق وقاتل معه في أحد.

ورغم ما عليه أهل الكتاب من كفر وشرك فإنهم أحسن حالا ممن كفر بالله كفرًا مطلقا أو أنكر الكتب الإلهية تماما أو من اتخذ أصناما كأرباب من دون الله تعالى، لذلك لا يجوز الاعتداء على حقوقهم المقررة في كتاب الله تعالى، بل إن من الدين التعبد إلى الله باحترام حقوقهم وبرهم والإقساط إليهم، ومن المعلوم أن كتاب الله قد ذكر أن أكثر المؤمنين مشركون، وكذلك نصَّ على شرك من فرقوا دينهم وكانوا شيعا، فأكثر المحسوبين على الإسلام مشركون قد اتخذوا من دون الله أربابا ومن دون كتابه كتبا، ولكنهم يجب أن يعاملوا أيضا كمسلمين لهم ما لهم من الحقوق وعليهم ما عليهم من الواجبات.

أما من قالوا بكفر من لا يتبع مذهبهم كفرا ترتب عليه أن استحلوا دمه وماله وعرضه مثلما يفعل الدواعش والوهابية فما آمنوا بالله الملك القدوس السلام المؤمن الذي له الأسماء الحسنى، وإنما آمنوا بتصور اختلقه لهم من يتبعونهم من المضلين، كما أنهم أظهروا بذلك أنهم لا يبالون بما يؤمن به المسلمون، وهم بذلك يجمعون بين المهلكات: الكفر عقيدة وسلوكا، الشرك، الإجرام، الإفساد في الأرض.

*******

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون} [البقرة:62]

واسم النصارى لا علاقة له بمدينة الناصرة التي لم تكن موجودة في زمن المسيح عليه السلام، وإنما هي من الانتساب إلى الحواريين الذين قالوا نحن أنصار الله.

فهذا الاسم هو الاسم القرءاني لكل من اعترفوا برسالة المسيح ضد من كفروا بها، فهو يشمل المسيحيين أيضًا.

وكما توجد طائفة الذين هادوا الحقيقية كذلك كانت توجد طائفة النصارى الحقيقية، وهؤلاء هم من رفضوا ما أحدثه بولس أو شاول اليهودي.

{وَالصَّابِئِينَ} هي قراءة الجمهور، وقرأه نافع وحده "وَالصَّابِينَ" على أنه جمع صَابٍ منقوصا، فأما على قراءة الجمهور فالصابئون جمع صابىء، وصابىء اسم فاعل صَبَأ مهموزًا أي ظهر وطلع، يقال صَبَأ النجم أي طلع وليس هو من صبَا يصبو إذا مال.

وأما على قراءة نافع فهي جمع صاب، اسم فاعل فعله "صبا، يصبو"؛ أي مال.

والصابؤون هم باختصار طائفة دينية موجودة الآن، ويمكن الرجوع إلى كتبهم وإليهم لمعرفة حقيقة دينهم، طالما لم يذكر القرءان عنها شيئا، ولا يجوز الالتفات إلى ما كتبه (المفسرون المسلمون) عنهم وفق طريقتهم غير العلمية وغير الموضوعية.

ومن المضحك أن ترى أحد المفسرين يملأ تفسيره بآراء سدنة الدين السني في الصابئة واختلافهم فيهم!!! وهم على كل حال قالوا فيهم الشيء ونقيضه، وهم بالتالي لم يقولوا شيئا.

القول {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} يعني حقانية القول، وأن أجرهم لن يضيع.

هذه الآية تتحدث عن الذين آمنوا، وهم من آمن بالرسول ورسالته، ثم تذكر أتباع ثلاثة أديان أخرى، والبشرى المذكورة مشروطة بأن يؤمنوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ.

فهؤلاء يجب عليهم أن يؤمنوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ بالمفهوم الصحيح بالرسالة الخاتمة التي تقدم لهم الذي يجب الإيمان به إذا بلغتهم البلاغ المبين.

ويمكن لأي باحث عن الحقّ الآن أن يعلم وأن يفقه مفهوم الإلهية ومفهوم اليوم الآخر، على الأقل، في شتى الأديان، فمن علمه فقد لزمه الإيمان به.

*******

إنه يجب العلم بأن الإيمان المؤدي إلى النجاة هو الإيمان بالله واليوم الآخر، وبالطبع فهذا الإيمان ليس بالألفاظ وإنما بمدلولاتها ومفاهيمها القرءانية؛ فما لدى الإنسان من مفاهيم ومدلولات وتصورات عنها يجب أن يكون مستمدا من القرءان، فليس لأحد أن يقول مثلا: "إن اليوم الآخر هو بعث للـ (الروح) فقط وهي تتنعم تنعما روحانيا"، فهذا التصور لا يحقق الحد الأدنى المطلوب، وكذلك الأمر فيما يتعلق بما لديهم من مفهوم عن إله الكون، فلن يُقبل الإيمان إذا لم يعلو ما لديهم من تصور عن الحد الأدنى المقبول أو على الأقل يساويه، فليس من حقّ أحد مثلا أن يزعم أن إله الكون محب للعدوان أو أنه يأمر بالعدوان، وبالطبع فإن المعول هو على العمل الذي يصدر عن الإنسان بمقتضى إيمانه، فلا يمكن أن يكون الإنسان مولعًا بالظلم والعدوان، ولا يتورع عن اقتراف أي عمل فيه ظلم وعدوان، ويكون في الوقت ذاته مؤمنًا بأن إلهه لا يحب المعتدين ويلعن الظالمين.

ولكن يجب العلم بأن الفصل في مثل هذه الأمور مؤجل إلى يوم القيامة وليس لبشر أن يجعل من نفسه محكمة تفتيش في ضمائر الناس.

وتبيِّـن الآية سبل النجاة والأمن والحصول على الأجر منه سبحانه فلا بد من الإيمان بالله واليوم الآخر وما يقتضيه ذلك من عمل صالح يصدقه.

والمقصود بالذين آمنوا هم من اتبع الرسول الأعظم صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، والمقصود بالإيمان بالله تعالى هو الإيمان بالإله كما سمى نفسه ووصف نفسه في خاتم كتبه لا الإيمان بإله اختلقته مخيلاتهم وإلا فإنهم كافرون ومشركون كما نصَّت على ذلك آيات أخرى مثل قوله تعالي: 

{وَقَالَتْ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ(64)}( المائدة)، {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ(6)} ( البينة )، {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ(72)لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(73)} ( المائدة).

فلا يكفي الإنسان أن يزعم أنه يؤمن بالله ثم يصفه بما لم يصف به نفسه أو ينسب إليه ما لم ينسبه إلى نفسه أو يسميه بما لم يسمِّ به نفسه، أو أن يؤمن بمفهومٍ عنه لا يتسق مع أسمائه وسماته، فمن يؤمن بإله اليهود أو السلفية يكون قد كفر برب العالمين الملك القدوس السلام المؤمن الذي يتعالى عن كل تصورات البشر، والذي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ.

ومن يؤمن بإله النصارى يكون بالضرورة قد كفر بالإله الأحد الصمد الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ.

كذلك لن يقبل من الإنسان أن يشرك مع الله غيره أو أن يشبهه بخلقه أو أن يجزئ كيانه.

أما من يقول إنهم رغم عقيدتهم هذه مسلمون فهو مضل مبين.

أما العمل الصالح النافع على المستوى الجوهري فهو الذي اقتضاه إخلاص لله وإيمان سليم، فإنه لا يمكن أن يتساوى عمل من يزعم لله شريكا بعمل من آمن أنه إلـه واحد أحد، ذلك لأن المشركين عادة ما يتوجهون بالعبادة الحارة الحقيقية إلى شريكهم المزعوم.

أما من نسب إلى الله صفة لم ينسبها إلى نفسه فإنما أساء الظن به فسيرديه سوء ظنه، وكذلك من ظنه ربا خاصا بقبيلته أو طائفته، فمثل هذا إنما أنكر كونه ربا للعالمين.

*******

إن دين الحق هو بنفسه برهان على صدق نفسه، ففي كل أمر من أمور الدين أو عنصر من عناصره تراه يتفوق تفوقا هائلا على غيره من الأديان، بما فيها الأديان التي حلت محله.

مثال: استخلص مفهوم الإلهية في كافة الأديان، وقارنه بمفهوم الإلهية في دين الحق.

لذلك لا عذر لمن بلغه دين الحق البلاغ المبين.

*******

1

1.png